المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الجمعة 4 سبتمبر 2026

الدكتور الشريف مصطفى رفعت نور الدين في حوار خاص

الأسرة هي حصن الأمة و سياج الحصن هو شريعة تبصر وثقافة تحصن
علاء السيد _ مصر
بواسطة : علاء السيد _ مصر 03-09-2026 01:58 مساءً 2.6K
المصدر -  
خلال مشاركته في المؤتمر الدولي الحادي عشر لأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم ، أكد الدكتور الشريف مصطفى رفعت نور الدين أن الأسرة هي حصن الأمة و سياج الحصن شريعة تبصر وثقافة تحصن ، كما تحدث عن كثير من القضايا .. إلي تفاصيل الحوار:

في البداية نود أن نتعرف على حضرتك عن قرب


الشريف الأستاذ الدكتور/ مصطفى رفعت نور الدين نصار المحلي من علماء الأزهر الشريف رئيس هيئة بناء العلماء والمحدِّثين بالعالم الإسلامي ، رئيس قطاع الشؤون الدينية والتعليمية بالاتحاد العربي الإفريقي للتكامل الاقتصادي التابع لمفوضية الأمم المتحدة
مدير قطاع الشؤون الدينية بالاتحاد العربي للتجارة والصناعة، بمجلس الوحدة الاقتصادية التابع لجامعة الدول العربية
مستشار الشؤون الدينية والوعي المجتمعي بالاتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب ودعم مؤسسات الدولة
رئيس اللجنة العليا للخطاب الديني المعتدل ودعم الأزهر الشريف بالمتحدة لحقوق الإنسان
المشرف العام على جمعية بناء التعليمية بمكة المكرمة
مدير الشؤون الدينية بجمعية قيِّم لخدمة السنة النبوية والتاريخ والحضارة الإسلامية بمكة المكرمة
المشرف العام على مدينة الحجاز التعليمية بجاكرتا
رئيس هيئة واضعي المناهج وتطويرها بجامعة رياض العلوم بدلهي
رئيس قسم الحديث والسنة النبوية بكلية أصول الدين والدعوة بالجامعة الإسلامية صادق آباد
الرئيس العام للهيئة العالمية لبناء العلماء ورعاية الموهوبين

برأيك كيف تحمى الأسرة في ظل هذه التحديات التى تواجه الجميع من الأسر في الوقت الحالي؟
لا تُحمى الأسرة بخطابٍ وعظيٍّ منفرد، ولا بتشريعٍ معزول، ولا بإجراءٍ اقتصاديٍّ مبتور؛ وإنما تُحمى بمنظومةٍ متكاملةٍ يتساند فيها الدين والتربية والثقافة والاقتصاد والقانون والإعلام والتقنية.

معالي الدكتور، لماذا تنظرون إلى قضية الأسرة بوصفها قضية مصيرٍ حضاري، لا شأنًا خاصًّا محصورًا بين جدران البيت؟

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا، وجعل البيوت سكنًا، والمودة فيها روحًا، والرحمة لها سياجًا، والميثاق الغليظ لها حرزًا، وجعل صلاحها مبدأ صلاح العمران، وفسادها نذير اختلال الإنسان والبنيان؛ والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد، الذي أقام الأسرة على هدي النبوة، وأحاطها بحرمة الشريعة، وربط الحقوق فيها بالواجبات، والقوة بالرحمة، والقوامة بالرعاية، والطاعة بالمعروف، وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار.

الأسرة ليست ملفًّا من ملفات المجتمع، بل هي الوعاء الذي يحملها جميعًا؛ فهي حصن الهوية الأول، ومدرسة المواطنة الأولى، ومصنع رأس المال البشري، والموضع الذي تُورَّث فيه العقيدة واللغة والقيم والذاكرة والانتماء.

فإذا اضطرب البيت لم يقف اضطرابه عند حدوده، بل امتد إلى المدرسة والسوق والشارع والدولة، وتحول الخلل الفردي إلى كلفةٍ اجتماعية واقتصادية وأمنية وحضارية.

وفي البيت يتقرر ـ قبل المدرسة ـ مقدار الثقة، وقبل السوق معنى الأمانة، وقبل المحكمة معنى العدل، وقبل المنبر قابلية القلب للهداية؛ ولذلك كان الاستثمار في الأسرة أسبق من علاج آثار تفككها، وكانت حمايتها عبادةً، وسياسةً رشيدةً، وتنميةً اقتصاديةً، وأمنًا قوميًّا، وصيانةً للهوية.

وما الذي يميّز التحديات الأسرية الراهنة عما عرفته الأسرة في الأزمنة السابقة؟

الأسرة اليوم لا تواجه مشكلةً جزئيةً منفردة، وإنما تواجه تحولاتٍ كبرى متزامنة: تحولًا معرفيًّا ورقميًّا، وتبدلًا اقتصاديًّا، وتنازعًا ثقافيًّا، وسيولةً قيميةً، وتغيرًا في أنماط التواصل والعمل والتعليم، وتضخمًا في سلطان الصورة والخوارزمية.

ومن ثَمَّ لم يعد السؤال: كيف نعظ الأسرة بعد وقوع الكارثة؟ وإنما السؤال الأسبق والأعمق: كيف نبني مناعةً تسبق الأزمة، ورصدًا يكتشف بوادرها، وفتوى تستوعب تعقيدها، وتشريعًا يصون الحقوق، واقتصادًا يخفف الضغوط، وتعليمًا يبني الوعي، وإعلامًا يعيد للفضيلة جاذبيتها؟

وقاعدة النظر عندي أن الداء إذا كان مركبًا وجب أن يكون علاجه مركبًا؛ فلا يجوز تحميل المنبر وحده آثار اقتصادٍ طاحن، ولا تحميل القانون وحده فراغًا تربويًّا، ولا مطالبة الأسرة وحدها بمقاومة منصاتٍ عابرة للقارات تصنع الإدمان، وتجمع البيانات، وتختبر مواطن الضعف، وتعيد تشكيل الذوق والإرادة والسلوك.

ما الأساس الشرعي الذي ينطلق منه تصوركم لبناء الأسرة؟

لم يجعل الوحي الأسرة عقد منفعةٍ مؤقتًا، ولا ترتيبًا مدنيًّا باردًا، وإنما سمى الرابطة الزوجية «ميثاقًا غليظًا»، فقال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].

وجعل من آياته أن أقامها على السكن والمودة والرحمة، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].

فالسكن مقصد، والمودة طاقة وصل، والرحمة خلقٌ حاكم عند الضعف والخلاف؛ ومن اختزل العلاقة في الحقوق المجردة أضاع روحها، ومن أذاب الحقوق باسم العاطفة فتح باب الظلم.

والأسرة في التصور الإسلامي وحدة تعبُّدٍ واستخلافٍ وعمران؛ فكل فرد فيها راعٍ ومسؤول، وقد قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.

والرعاية ليست تسلطًا، بل حفظٌ وتنميةٌ ومساءلة؛ ومن ثَمَّ كانت القوامة وظيفة نفقةٍ وحمايةٍ وتدبيرٍ بالمعروف، لا صك استبداد، وكانت الطاعة في المعروف انتظامًا للمؤسسة، لا إهدارًا للكرامة.

كيف توفِّقون بين ثبات المرجعية الشرعية وسرعة التحول في الوسائل والأحوال؟

الأصل في الوسائل الإباحة ما لم تُفضِ إلى محرَّم، والأصل في القيم المرجعية الثبات فيما ثبت بدليل قطعي؛ فنحن نجمع بين مرونة الوسائل وثبات الغايات، ونزن الوافد بميزان الحق، لا بحداثة اسمه ولا بقدم منشئه.

ولسنا ندعو إلى قطيعةٍ مع العصر؛ فالحكمة ضالة المؤمن، والمعارف والتقنيات من المشترك الإنساني، وإنما نفرق بين «التحديث» الذي يضيف قوةً إلى أدواتنا، و«التغريب» الذي ينزع عنا مرجعيتنا، ويعيد تعريف الإنسان والأسرة والجنس والحرية خارج ميزان الوحي والفطرة.

فالانفتاح الواعي يأخذ النافع وينقد الضار، أما الاستلاب فيستورد السؤال والجواب والمعيار جميعًا، ثم يحاكم تراث الأمة وقيمها إلى منظومةٍ لم تخترها.

لو أردنا تشخيصًا مركزًا لجذور الأزمة الأسرية، فما أبرزها في تقديركم؟

يمكن رد أبرز جذور الأزمة إلى ستة أصولٍ متشابكة:

أولها: اختلال المرجعية؛ حين يُفصل القرار الأسري عن الوحي والفطرة والمصلحة المعتبرة، فيغدو المزاج أو ضغط الجماعة أو «الترند» مصدرًا للحكم.

وثانيها: فجوة المعنى؛ حين يتحول الزواج إلى حفل، والأبوة إلى إنفاق، والأمومة إلى خدمة، والبيت إلى مبيت، مع غياب معنى العبادة والرسالة المشتركة.

وثالثها: فقر المهارات؛ فقد يريد المرء الاستقرار، ولكنه لا يملك لغة الحوار، ولا يحسن إدارة الغضب أو الميزانية أو الاختلاف.

ورابعها: اقتصاد الانتباه؛ وهو تصميمٌ رقمي يقتات على الوقت والانفعال، ويزاحم الزوج والولد على أثمن موردٍ في الأسرة: الحضور الواعي.

وخامسها: تأخر التدخل؛ إذ تُترك المشكلات الصغيرة حتى تتصلب، ثم تُطلب الفتوى أو الأحكام القضائية بعد موت الثقة.

وسادسها: تجزئة المؤسسات؛ فتعظ جهةٌ بما تنقضه شاشة، وتدرِّس مدرسةٌ ما لا تدعمه سياسة اقتصادية، ويُسن قانون لا تصاحبه خدمات إرشاد وتنفيذ

وما أبرز الاختلالات الدينية والفكرية التي ترصدونها داخل الخطاب الأسري؟


من أبرزها ضعف فقه المقاصد الأسرية، وتحول التدين أحيانًا إلى معلوماتٍ لا تترجم إلى أخلاق، وانتشار الفتوى المبتورة عبر المقاطع القصيرة، والتساهل في نقل الأحكام من غير أهلها، أو الإفراط في خطاب الوعيد من غير تعليم مهارات الإصلاح.

ويضاف إلى ذلك الخلط بين الثابت والمتغير، وبين الحكم على الفعل والحكم على المعيَّن، وبين حق النصح وحق التجسس، وبين القوامة والاستبداد، وبين الصبر المحمود والسكوت على الأذى المحقق.

إن الأسرة لا تحتاج إلى خطابٍ يضاعف الخصومة، وإنما تحتاج إلى خطابٍ يفقِّه ويهذِّب، ويعلِّم الحقوق والواجبات، ويكشف طرائق الإصلاح، ويميز بين ما يقبل الصبر والمعالجة وما يستوجب الحماية والتدخل العاجل.


وكيف تنظرون إلى التحدي الثقافي والتغريب الذي يستهدف مفهوم الأسرة؟

تتعرض الأسرة لضغطٍ رمزي يعيد تعريف النجاح والسعادة والجسد والعلاقة بين الجنسين. وتُسوَّق الفردانية المطلقة بوصفها تحررًا، ويُصوَّر الالتزام الأسري عبئًا، والأمومة تراجعًا، والأبوة سلطةً مشتبهة، والعفة كبتًا، والغيرة المنضبطة مرضًا.

والخطر ليس في معرفة الآخر، ولا في الانتفاع بخبراته، وإنما في أن يتحول النموذج الوافد من تجربةٍ بشرية قابلة للنقد إلى معيارٍ أعلى تُقاس به الفطرة والشريعة.

والهوية لا تُصان بمنع الأسئلة، بل ببناء عقلٍ يعرف أصوله، ويحسن المحاورة والنقد. ومجابهة التغريب لا تكون بإغلاق النوافذ، وإنما بإحكام البوصلة؛ فنعلِّم أبناءنا أن في الحضارات خبراتٍ تؤخذ، ولكن المرجعية لا تُستعار؛ وأن الحرية في الإسلام قدرةٌ مسؤولة لا انفلات، والمساواة مساواةٌ في الكرامة لا محوٌ للفروق الفطرية والوظيفية، وأن حقوق المرأة والطفل والرجل تُصان جميعًا بالعدل، لا بصراع الأجناس.


وكيف تتداخل العوامل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية في تهديد استقرار الأسرة؟


نرى تراجع الحوار داخل البيت، واتساع الفجوة بين الأجيال، وتأخر الزواج، وارتفاع النزاعات، والوحدة داخل الأسرة الواحدة، والعنف بأشكاله، والابتزاز الرقمي، والمقارنات الاجتماعية، والقلق والاكتئاب، وإرهاق الوالدين.

وكثيرٌ من الصدامات الظاهرة ليس خلافًا على الحدث القريب، وإنما هو حصيلة تراكماتٍ طويلة من الإهمال أو الاحتقار أو غياب الإنصات.

ثم تأتي ضغوط غلاء المعيشة والسكن، والبطالة أو هشاشة العمل، والاستهلاك الاستعراضي، والديون، والمغالاة في المهور والتجهيز، وعدم الشفافية المالية بين الزوجين.

والمال ليس وحده سبب الانهيار، ولكنه قد يصبح وقودًا لخلافٍ لم تُبنَ له مهارات إدارة، ولم تُقم حوله شبكة حماية.


وأين تقف المنظومة التعليمية من هذه التحولات؟

تتسع الفجوة بين ما يتعلمه الناشئ في المنهج وما يتلقاه من الشاشة؛ فقد يحفظ تعريفات الفضيلة، ولكنه لا يملك مهارة مقاومة الإغراء، أو يعرف الحكم الشرعي، ولكنه لا يعرف كيف يطلب المساعدة عند الخطر.

ولهذا أدعو إلى إدراج «كفايات الحياة الأسرية» في المدارس والجامعات ومراكز الشباب، بحيث تشمل: فقه الأسرة، والذكاء العاطفي، والحوار، وإدارة الخلاف، والتربية الإعلامية والمالية، والوقاية من التحرش والابتزاز، والتربية الجنسية المنضبطة التي تجمع الصراحة العلمية والعفة الشرعية، والاستعداد للزواج والأبوة والأمومة.

ولا تقدَّم هذه المعارف دفعةً واحدة، بل وفق المراحل العمرية والبيئات الاجتماعية، وبمشاركة الوالدين والخبراء.

كما يلزم إعداد المعلم والواعظ؛ فالمنهج الجيد قد يفسده أداءٌ مرتجل. ومن الضروري إنشاء حقائب تدريبية وشهادات مهنية ومعايير لترخيص المرشدين الأسريين وتقييمهم وإحالتهم؛ حتى لا تصبح حياة الناس مجالًا لتجارب غير المؤهلين.

وصفتم المنصات الرقمية بأنها ليست ناقلًا محايدًا؛ فما وجه الخطورة فيها؟


لم تعد المنصة ناقلًا محايدًا، بل صارت بيئةً تختار ما يظهر، وتكافئ المثير، وتضاعف الاستقطاب، وتحول الانتباه إلى سلعة.

ومن أخطارها: الإدمان، والتعرض للمحتوى الإباحي والعنيف، والتطبيع المتدرج مع الشذوذ والانحلال، والقدوات المصنوعة، والتنمر، والابتزاز، والخيانة الرقمية، وكشف الخصوصيات، وتزييف الصور والأصوات بالذكاء الاصطناعي، والتشخيص النفسي والفتوى بغير اختصاص، وبرامج العلاقات التي تهدم الثقة وتحتفي بالفضيحة.

كما تُقدَّم الأسرة المستقرة أحيانًا بوصفها مادةً غير جذابة، بينما تُضخَّم الخيانة والصراع والسخرية من المقدسات والأدوار الأسرية. وينشأ من تكرار الصورة «اعتيادٌ أخلاقي» يخفف النفرة من المنكر، ثم ينقل السلوك من الاستثناء إلى الاحتمال، ومن الاحتمال إلى القبول.


ما الميثاق الرقمي العملي الذي تقترحونه لكل بيت؟



أقترح سبعة ضوابط عملية:

أولًا: تخصيص وقتٍ يومي خالٍ من الشاشات، ولا سيما عند الطعام وقبل النوم وفي مجالس الحوار.

ثانيًا: وضع أجهزة الأطفال في المساحات المشتركة بحسب أعمارهم، مع رقابةٍ تربوية معلنة متدرجة، لا تجسسٍ مهين ولا إهمالٍ مطلق.

ثالثًا: عدم نشر صور الأطفال وأسرار البيت إلا بعد مراعاة المصلحة والخصوصية والعواقب المستقبلية.

رابعًا: اتفاق الزوجين على حدود التواصل مع الغرباء، وألا تتحول كلمات المرور إلى أداة إذلال أو تفتيش دائم.

خامسًا: تعليم الأبناء التحقق من الأخبار والصور والأصوات، ووضع إجراءات واضحة عند الابتزاز: عدم الدفع، وحفظ الأدلة، والإبلاغ للجهات المختصة، واحتواء الضحية من غير تشهير.

سادسًا: إعداد قائمة أسرية للمحتوى الموثوق، مع توفير بدائل فنية وترفيهية راقية؛ لأن المنع بلا بديل يترك فراغًا تملؤه المنصة.

سابعًا: تدريب الأبناء قبل النشر على سؤالين: هل هذا حق؟ وهل في نشره مصلحة؟ وعلى قاعدةٍ جامعة: ما لا ترضى ظهوره بعد سنوات فلا تنشره اليوم.

:

وهل تكفي مسؤولية الأسرة وحدها في سوقٍ رقمي عالمي؟
:

لا تكفي؛ فعلى الدول والمنصات مسؤوليةٌ موازية، تشمل: تصنيفًا عمريًّا حقيقيًّا، وأدوات رقابةٍ سهلة، وشفافيةً في الإعلانات والخوارزميات الموجهة للقاصرين، وآلياتٍ سريعةً لإزالة الابتزاز والتزييف والإباحية غير الرضائية، وغراماتٍ رادعة عند الإخلال.

لا يجوز أن تكون حماية الأسرة عبئًا منزليًّا صرفًا، بينما تعمل صناعاتٌ عالمية على هندسة الانتباه والسلوك. والقاعدة العادلة أن المسؤولية تُوزع بحسب القدرة والتأثير.


ما صورة الفتوى الأسرية التي يحتاج إليها هذا العصر؟


نحتاج إلى فتوى تبني الإنسان قبل أن تفصل في الخصومة؛ فتشرح الحكم ومقصده ومآله، وتفرق بين الإرشاد والقضاء، وتحفظ السر، وتراعي تفاوت الأحوال من غير تمييع للنص.

قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]؛ وأهلية المفتي اليوم تشمل ـ مع رسوخ قدمه في الشرع ـ فهم الواقع الرقمي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والقانوني.

وأقترح إنشاء «وحدة الإفتاء الأسري المركب»، تضم مفتيًا وباحثًا اجتماعيًّا وأخصائيًّا نفسيًّا وخبيرًا قانونيًّا، ويكون لها مسار إحالةٍ واضح للحالات التي تتجاوز السؤال الشرعي إلى عنفٍ أو ابتزازٍ أو اضطرابٍ نفسي أو نزاعٍ قضائي.

فالفتوى لا ينبغي أن تتحول إلى بديلٍ عن الطب أو القضاء أو الحماية، وإنما تكون حلقةً رشيدةً في شبكة الرعاية.

كما يلزم إصدار أدلةٍ إفتائية للمستجدات، مثل: الخصوصية بين الزوجين، والتفتيش في الهواتف، والنشر العائلي لصور الأطفال، والخيانة الرقمية، والعقود الإلكترونية، والتزييف العميق، وحضانة الطفل في البيئات الرقمية، والذكاء الاصطناعي في المشورة والفتوى، وضوابط الاستفادة من التطبيقات.

وما الدواء الاقتصادي الذي يمكن أن يسند التعافي الأسري؟
.
يقوم الدواء الاقتصادي على ثلاثة أركان: تيسير التكوين، وحماية الاستمرار، وتعليم التدبير.

فيُيسَّر الزواج بمحاربة المغالاة والمباهاة، وتوسيع السكن الميسر والتمويل المنضبط، ودعم فرص العمل المرن للأبوين، وإنشاء صناديق تكافل للحالات الطارئة، وتسريع إجراءات النفقة.

ويُدرَّس التخطيط المالي الأسري، بما يشمل الإفصاح عن الديون، وتحديد الأولويات، وإنشاء صندوق للطوارئ، وضبط الاستهلاك، وتوزيع الالتزامات بالتراضي والعدل.

والزكاة والوقف والصدقات ليست مسكناتٍ موسمية، بل أدواتٌ حضارية يمكن توجيهها ـ وفق أحكامها الشرعية ـ إلى الغارمين والمقبلين على الزواج والتعليم والعلاج والإيواء، مع حوكمةٍ تمنع الاستغلال وتحفظ كرامة المحتاجين.

وما الدور الذي ينبغي أن ينهض به الإعلام والصناعة الثقافية؟

ندعو إلى ميثاق شرفٍ إعلامي يمنع تسليع الخصومات الأسرية، وكشف الأطفال، والتشهير، وتقديم الانحراف بوصفه بطولة.

وفي المقابل ينبغي تحفيز إنتاج دراما وبرامج ومساحاتٍ رقمية تظهر الجمال الواقعي للأسرة؛ لا بيتًا ملائكيًّا لا يعرف الخلاف، وإنما بيتًا يعرف كيف يختلف من غير أن يهدم، وكيف يعتذر، وكيف يطلب المساعدة.

ونحتاج إلى «مؤثرين للمعنى» يجمعون بين العلم وحسن العرض، وإلى مختبراتٍ ترصد السرديات الهادمة، وترد عليها بالبيان والبديل؛ فليس كل باطلٍ يُرد عليه بالطريقة نفسها، وقد يكون إهماله المنهجي أنفع من تضخيمه، وقد يكون تفكيكه واجبًا إذا عمَّ أثره واستفحل خطره.

وما معالم الحماية القانونية والقضائية المنشودة؟

المطلوب منظومةٌ قانونية تحفظ مقاصد الشريعة، وكرامة الأطراف، ومصلحة الطفل؛ وذلك من خلال محاكم أو دوائر أسرية متخصصة، ووساطةٍ قبل التقاضي حيث تصلح، وأوامر حماية عاجلة في حالات العنف والابتزاز، وتنفيذ سريع للنفقة والرعاية، وتجريم التزييف العميق والابتزاز ونشر الخصوصيات، وحماية بيانات القاصرين، وتوفير المساعدة القانونية لغير القادرين.

ولا محل للوساطة في موضع تهديدٍ محقق يجعلها أداة ضغطٍ على الضحية.

والقاعدة القانونية الحاكمة قول النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»؛ فلا يجوز استعمال حقٍّ على وجهٍ يفضي إلى ضررٍ محقق.

وليس بقاء الشكل الأسري مقصدًا إذا صار ستارًا لإهدار النفس والكرامة، كما أن حل الرابطة لا ينبغي أن يكون أول دواءٍ لخلافٍ قابل للإصلاح.

فالستر الشرعي لا يعني تعطيل الحقوق، والصلح لا يعني إجبار المظلوم، والرحمة لا تلغي المساءلة.

وماذا عن الأسر التي تواجه الحروب والكوارث والنزوح والأوبئة وفقد المعيل؟

ترفع هذه الأزمات هشاشة الأسرة، وتقطع التعليم والعلاج، وقد تفقدها المعيل، أو تغير أدوار أفرادها قسرًا؛ فلا يصح بناء السياسة الأسرية على زمن الرخاء وحده.

ونحتاج إلى خططٍ وطنية لاستمرارية الأسرة في الأزمات، تشمل: تحويلاتٍ نقدية عاجلة، وإيواءً آمنًا، واستمرار تعليم الأطفال، ودعمًا نفسيًّا وروحيًّا، وحمايةً من الاتجار والاستغلال، وخدماتٍ للأرامل والأيتام وذوي الإعاقة وكبار السن، وخطوط مساعدة متعددة اللغات.

كما ينبغي تدريب الأئمة والمعلمين والأطباء والشرطة على اكتشاف مؤشرات الخطر والإحالة الآمنة إلى الجهات المختصة.

تتحدثون عن «هندسة التعافي»؛ فكيف تتحول هذه الفكرة إلى مسارات تدخلٍ عملية قابلة للقياس؟

هندسة التعافي تقوم على خمسة مستويات متتابعة ومتكاملة:

المستوى الأول: الوقاية العامة، وتشمل جميع الأسر، وأدواتها المناهج، والإعلام الرشيد، والتوعية الرقمية، وسياسات السكن والعمل، وتيسير الزواج. ومؤشر نجاحها ارتفاع المعرفة والمهارات وانخفاض السلوكيات الخطرة.

المستوى الثاني: الوقاية الانتقائية، وتستهدف الأسر المعرضة للضغط، من خلال الدعم المالي والنفسي، وتدريب الوالدين، والمتابعة المدرسية، والحماية الرقمية. ومؤشرها تراجع عوامل الخطر ومنع تفاقمها.

المستوى الثالث: التدخل المبكر، ويكون عند ظهور بوادر نزاعٍ أو إدمانٍ أو ابتزاز، من خلال الإرشاد المتخصص، والفتوى المركبة، والوساطة، والحماية العاجلة. ومؤشره قصر زمن الاستجابة وتحسن الأمان والثقة.

المستوى الرابع: العلاج والاستشفاء، ويختص بحالات العنف أو الانهيار أو الاضطراب المحقق، ويجمع القضاء والحماية والعلاج والتأهيل ودعم الطفل. ومؤشره وقف الضرر، ومنع تكراره، واستعادة الوظائف الأسرية الممكنة.

المستوى الخامس: الرعاية اللاحقة، وتأتي بعد الطلاق أو الفقد أو النزوح، وتشمل تنسيق الحضانة والنفقة، والدعم النفسي والتعليمي، وإعادة الدمج. ومؤشرها استقرار الأطفال وتقليل النزاع المتجدد.


من يتحمل المسؤولية عن حماية الأسرة في هذه المنظومة؟

المسؤولية موزعة، لكنها متكاملة:

فالأسرة مسؤولة عن القدوة والحوار والميثاق الرقمي والتدخل المبكر وعدم التستر على العنف أو الابتزاز.

والمؤسسات الإفتائية والدينية مسؤولة عن التأصيل، والفتوى المركبة، وتدريب المفتين، والرصد المبكر للنوازل، وبناء المحتوى الوقائي.

والتعليم مسؤول عن كفايات الحياة الأسرية والرقمية، وإعداد المعلمين، واكتشاف الخطر والإحالة.

والإعلام والصناعة الثقافية مسؤولان عن مدونات السلوك، وتصنيف المحتوى، وتقديم البدائل الجاذبة، ومنع تسليع الخصومات والأطفال.

والدولة والتشريع والقضاء مسؤولون عن حماية الحقوق، وسرعة الإنفاذ، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتنظيم المنصات وحماية البيانات.

والقطاع الخاص والمنصات مطالبان بتصميمٍ آمن للقاصرين، وشفافيةٍ حقيقية، وإزالةٍ سريعة للمحتوى الضار، ودعم التوازن بين العمل والأسرة.

والمجتمع المدني والأوقاف مسؤولان عن الإرشاد والتكافل والإيواء والتدريب والبحث، مع حوكمةٍ وتقييمٍ معلنين.

والجامعات ومراكز البحث مطالبة بإنتاج البيانات الدورية، وقياس الأثر، وإجراء الدراسات الاستشرافية، وبناء المؤشرات الوطنية للتماسك الأسري.