سلسلة المقالات الأدبية التوثيقية للإعلامي محمد عطية الشرقي

المصدر - في الشمال الشرقي من محافظة القنفذة، بالقرب من مركز المظيلف بمنطقة مكة المكرمة، وعلى ضفاف وادي قَرْماء، ترقد قرية عَشَم الأثرية بين سهل تهامة غربًا ومرتفعات جبال السروات شرقًا، كأنها صفحةٌ عتيقةٌ من كتاب الزمن، أبقتها القرون مفتوحةً لتروي سيرة مدينةٍ مرَّ بها الحجاج، وعبرتها القوافل، واستخرج أهلها الذهب من جوف الأرض، ثم غابوا وبقيت حجارتهم شاهدةً على ما كان.
ليست عَشَم قريةً مندثرةً فحسب، ولا أطلالًا متناثرةً في أرضٍ نائية، بل هي مستوطنةٌ بشرية قديمة، وحاضرةٌ تاريخيةٌ ازدهرت في موقعٍ جمع بين الطريق والمعدن والعمران، وضمَّت مباني دينية ومدنية وعسكرية، وأسواقًا ومنازل ومرافق، إلى جانب المناجم والآثار المرتبطة بأعمال التعدين.
وفي كل حجرٍ من حجارتها، وفي كل نقشٍ بقي على جدرانها، وفي كل شاهد قبرٍ صمد في وجه الزمن، تنام حكايةٌ من حكايات تهامة، وتستيقظ ذاكرةُ مدينةٍ كانت ذات يومٍ من أهم مدن المنطقة وأكثرها حضورًا.
بين المظيلف ووادي قَرْماء
تقوم عَشَم في موقعٍ قريبٍ من مركز المظيلف، على ضفاف وادي قَرْماء، في منطقةٍ تمثَّل نقطة انتقالٍ طبيعية بين سهل تهامة المنبسط غربًا ومرتفعات السروات شرقًا.
وقد منحها هذا الموقع مكانةً جغرافيةً بالغة الأهمية، إذ وقعت على واحدٍ من طرق الحج اليمني القديمة، فكانت منزلًا من منازل الحجاج القادمين من جنوب شبه الجزيرة العربية في طريقهم إلى مكة المكرمة.
ولم تكن طرق الحج في ذلك الزمن مسالك للعبور وحده، بل كانت شرايين للحياة؛ تعبرها التجارة، وتنتقل عبرها الأخبار، وتتلاقى فيها الثقافات والوجوه واللهجات.
ومن هنا نشأت عَشَم، وازدهرت عند ملتقى الطريق والوادي والجبل، فأصبحت محطةً للحاج، وموردًا للمسافر، وسوقًا للتاجر، وموطنًا للعاملين في التعدين.
وفي طرقاتها القديمة، كان الحاج يمضي بقلبه إلى البيت الحرام، وكان التاجر يعرض سلعته، وكان العامل يعود من المنجم بما أخرجته الأرض من معدنها النفيس، فيما كانت المدينة تنسج من تلك الحركة اليومية تاريخًا سيبقى أثره بعد أن يرحل الجميع.
حاضرةُ مخلاف عَشَم
بلغت عَشَم من المكانة ما جعلها عاصمةً لما عُرف في المصادر التاريخية باسم مِخلاف عَشَم، وهو أحد المخاليف المكية التهامية الجنوبية.
وكان المخلاف يضم عددًا من القرى والمستوطنات التي اندثر كثيرٌ منها مع مرور الزمن، ومن بينها مسعودة، والنصائب، والعصداء، والأحسبة الجنوبية.
ولم تكن عَشَم إحدى قرى ذلك المخلاف فحسب، بل كانت أهم مدنه، ومركزه الاقتصادي والعمراني، حتى اقترن اسم الإقليم باسمها، فغدت المدينة عنوانًا على ما حولها، ودليلًا على ما بلغته من نفوذٍ وحضور.
وقد تكرر ذكر عَشَم في كتب البلدان والمسالك والجغرافيا، ووُصفت بأنها مدينةٌ عامرة، وعاصمةٌ لمخلافٍ من مخاليف مكة الجنوبية، ومركزٌ معروف من مراكز التعدين والاستيطان في تهامة.
ويكشف هذا الحضور في المصادر التاريخية أن عَشَم لم تكن موضعًا مجهولًا أو قريةً معزولة، بل كانت حاضرةً يعرفها المسافرون، ويقصدها التجار، وتمر بها القوافل، ويقترن اسمها بالذهب والطريق والعمران.
حين صنعت الأرضُ شهرتَها
ارتبط اسم عَشَم منذ القدم بالذهب، وكانت من أبرز مواقع التعدين القديمة في شبه الجزيرة العربية، حتى استمدت شهرتها من المعدن الذي اختزنته أرضها منذ عصر ما قبل الإسلام، واستمر استخراجه خلال العصور الإسلامية المبكرة والوسيطة.
وفي أرضها يقع منجم عَشَم، الذي ورد ذكره في المصادر التاريخية القديمة، وكانت المنطقة معروفةً بما تحويه من خامات الذهب، فنهض حول التعدين نشاطٌ اقتصادي متكامل، شارك فيه العمال والصناع والتجار وناقلو الخامات وأصحاب الأسواق.
ولم يكن الذهب في عَشَم مجرد معدنٍ يُستخرج من باطن الأرض، بل كان سببًا في قيام المدينة وازدهارها، وعاملًا رئيسًا في نموها الاقتصادي والعمراني، وجذب السكان إليها، وربطها بطرق التجارة والحج.
فمن باطن الجبال خرج الذهب، وعلى سطح الأرض قامت البيوت والأسواق، وبينهما نشأت حضارةٌ عرفت العمل والإنتاج والتنظيم، ثم تركت للأجيال آثارًا أصبحت اليوم أثمن من المعدن الذي قامت عليه.
مدينةٌ من الحجر الأسود
يمتد موقع عَشَم الأثري على مساحةٍ تقارب ألفًا وخمسمئة متر طولًا وستمئة متر عرضًا، من الشرق إلى الغرب، في رقعةٍ واسعةٍ تكشف عن حجم الاستيطان البشري الذي عرفه المكان.
ويفوق عدد بيوت القرية أربعمئة بيت، شُيّدت معظمها بالحجارة البازلتية السوداء، ورُصّت كتلها الصخرية بعضها فوق بعض من غير استخدام المونة، في أسلوبٍ معماري يعكس قدرة السكان على تطويع البيئة والاستفادة من موادها الطبيعية.
وتتنوع المنازل في أحجامها وتخطيطها؛ فمنها ما يتكوّن من غرفةٍ واحدة، ومنها ما يضم غرفًا ومرافق متعددة، بما يشير إلى تنوع مستويات المعيشة، واختلاف الوظائف الاجتماعية والاقتصادية للمباني.
كما تضم أطلال الموقع بقايا مبانٍ دينية ومدنية وعسكرية، إلى جانب المساكن والأسواق والمنشآت المرتبطة بالتعدين، وهو ما يؤكد أن عَشَم لم تكن تجمعًا عشوائيًا من البيوت، بل مدينةً منظمةً عرفت التخطيط وتوزيع الوظائف داخل أحيائها.
وحين يقف الزائر بين جدرانها السوداء، فإنه لا يرى حجارةً جامدةً فحسب، بل يرى حدود بيوتٍ كانت عامرة، ومداخل عبرها السكان، وغرفًا أُوقدت فيها السُّرج، وممراتٍ كانت تضج بخطوات الحجاج والتجار.
هناك، في صمت الأطلال، تكاد تسمع صدى الحياة القديمة، وترى المدينة كما كانت قبل أن ينطفئ ضجيجها، ويسكن أهلها في ذاكرة المكان.
سوقٌ تكلَّمت جدرانُه
كشفت أعمال التنقيب عن سوق المدينة التاريخي، واتضح أنه يتكون من شريطين متقابلين من الغرف المستطيلة، تنقسم كل غرفةٍ منها إلى قسمين؛ مقدمةٍ يُرجّح أنها استُخدمت للبيع وعرض السلع، وغرفةٍ داخلية خُصصت مستودعًا خلفيًا لحفظ البضائع.
وأظهرت الحفريات جدرانًا يتراوح عرضها بين خمسةٍ وأربعين وسبعين سنتيمترًا، ودعاماتٍ مربعة لبعض الجدران، يصل ارتفاع بعضها إلى متر، إضافة إلى مساطب داخل عدد من الغرف، يُرجح أنها استُخدمت منصاتٍ للبيع أو لعرض السلع.
كما كشفت الظواهر المعمارية عن أعمال ترميم أُجريت في فترات لاحقة من الاستيطان، وهو ما يدل على استمرار الحياة في الموقع، وحرص السكان على صيانة مبانيهم وأسواقهم.
ومن خلال هذه التفاصيل، يمكن تخيل السوق في أيام ازدهاره: دكاكين متقابلة، وسلع مصطفة، ومستودعات ممتلئة، وأصوات البيع والشراء تتردد بين الجدران، وقوافل تصل وأخرى ترحل، فيما يمنح الذهب القادم من المناجم المدينة قوتها الاقتصادية وحضورها الواسع.
لم يكن السوق مكانًا للتجارة وحدها، بل كان قلب المدينة النابض، والفضاء الذي تجتمع فيه حياة الناس، وتلتقي عنده حاجاتهم وأخبارهم وعلاقاتهم اليومية.
نقوشٌ تحفظ أسماء الراحلين
من أبرز ما يميز موقع عَشَم كثرة النقوش والكتابات الإسلامية المنتشرة في أرجائه، والتي تُقدّر بالمئات، وتتنوع في خطوطها وزخارفها ومضامينها.
كما عُثر في الموقع على شواهد قبور مكتوبة بالخط الكوفي، يعود بعضها إلى الفترة الممتدة بين القرنين الأول والخامس الهجريين، وتحمل أسماء أصحابها وعبارات الدعاء لهم، بما يعكس مستوىً متقدمًا من الكتابة والخط والثقافة الدينية والاجتماعية.
وقد نُصبت بعض الشواهد على القبور بالطريقة التي كانت شائعةً في القرى القديمة المحيطة بمكة، حيث يضم القبر الواحد شاهدين، أحدهما عند الرأس والآخر عند القدمين.
ولم تعد تلك الشواهد مجرد حجارةٍ فوق القبور، بل أصبحت وثائق تاريخية تحفظ أسماء من رحلوا، وتكشف طرائق الكتابة، وتدل على حضور العلم واللغة والتدين في المجتمع الذي عاش في عَشَم.
إنها أصواتٌ خرجت من صمت الموت، لتقول إن لهذه الأرض أهلًا، وإن خلف كل جدارٍ اسمًا، وخلف كل قبرٍ حياةً مضت، وخلف كل نقشٍ إنسانًا أراد أن يترك أثره قبل أن يغادر.
التنقيبُ يعيد المدينة إلى الضوء
بدأت أعمال التنقيب والاستكشاف الأثري في عَشَم عام 1402هـ الموافق 1982م، فكشفت عن أجزاء مهمة من سوق المدينة، وعن معثوراتٍ أسهمت في تأريخ الموقع وفهم مراحله الحضارية.
وفي عام 1427هـ الموافق 2006م، أُجري مسح شامل للموقع، استُكمل خلاله تسجيل آثاره وإدراجها ضمن برنامج الخارطة الرقمية.
ثم استؤنفت أعمال التنقيب عام 1439هـ الموافق 2017م، وتركزت في المنطقة المسيجة من الموقع، بهدف التحقق من كثافة المعثورات الأثرية، والكشف عن الأدوات والوسائل المرتبطة بالتعدين، ودراسة السوق التجاري والمنشآت المحيطة به.
ويضم الموقع اثنتين وثلاثين حفرية تنقيب موزعةً في أرجائه، كشفت عن طبقات متعددة من الاستيطان والنشاط البشري، وأظهرت أن عَشَم عاشت مراحل طويلة من العمران والعمل والإنتاج.
وكلما توغلت الحفريات في طبقات الأرض، عادت المدينة إلى الضوء قليلًا؛ جدارٌ يظهر من تحت التراب، وقطعة فخار تستعيد شكلها، وأداةٌ معدنية تروي وظيفةً قديمة، وسوقٌ يتضح تخطيطه بعد قرون من الصمت.
فالآثار لا تستعيد الماضي كاملًا، لكنها تفتح نوافذ صغيرةً عليه، ومن خلالها يمكن قراءة سيرة المدينة، وفهم أنماط عيش سكانها، واستعادة جانبٍ من تاريخها المفقود.
تفاصيلُ الحياة في المعثورات
لم تكن القطع المكتشفة في عَشَم مجرد معثوراتٍ منفصلة، بل كانت شواهد يومية على حياة السكان، وأعمالهم، وطعامهم، وتجارتهم، وصناعاتهم.
فقد عُثر على أجزاءٍ من أوانٍ فخارية صغيرة ومتوسطة الحجم، وحواف وقواعد وأبدان متعددة، إلى جانب فخار مزجج بألوان مختلفة، منها الأخضر الفاتح، والأصفر، والأحمر، والبني، والقصديري.
كما كُشفت أوانٍ فخارية كاملة أو شبه مكتملة، من بينها أبريق، وقدح صغير، وأوانٍ مزججة، إضافة إلى أجزاء من الحجر الصابوني، صُنعت منها أوانٍ ذات أسطح ملساء وزخارف دقيقة.
وعُثر كذلك على مسرجةٍ من الحجر الصابوني، كانت تُستخدم للإضاءة، وغطاء لإناء، وبقايا أوانٍ زجاجية متعددة الألوان والأحجام، شملت الحواف والرقاب والقواعد وأجزاء القوارير.
أما المعثورات المعدنية، فشملت قطعًا متأكسدة، وملعقةً وسكينًا وإناءً صغيرًا ومسامير حديدية، وهي أدوات بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في حقيقتها تفاصيل الحياة اليومية، وتكشف ما كان يحتاج إليه الإنسان في منزله وسوقه وعمله.
ويتميز الموقع أيضًا بكثرة الأرحية الحجرية المستخدمة في طحن الحبوب، وهو ما يدل على أن عَشَم لم تكن مدينة تعدينٍ فقط، بل مجتمعًا مستقرًا مارس الزراعة والغذاء والصناعة والتجارة، وعاش حياةً متكاملةً تتجاوز حدود المنجم.
ومن خلال تلك القطع الصغيرة، تستعيد المدينة تفاصيلها الكبرى؛ الطعام الذي أُعد، والضوء الذي أُوقد، والبضاعة التي خُزنت، والأداة التي استُخدمت، واليد التي صنعت، ثم اختفت وبقي أثرها.
من الازدهار إلى الصمت
تشير الأدلة الأثرية إلى أن عَشَم عرفت الاستيطان خلال العصور الإسلامية المبكرة، وظلت مركزًا للتعدين والحياة الحضرية قرونًا طويلة، قبل أن يبدأ نشاطها في التراجع بحلول القرن السادس الهجري.
ومع مرور الزمن خفَّ بريق الذهب، وتغيرت الطرق، وتراجعت الحركة، وخفتت الأسواق شيئًا فشيئًا، حتى غادر السكان بيوتهم، وسكنت الطرقات، وصمتت المناجم.
ولا تزال أسباب اندثار المدينة بحاجة إلى مزيدٍ من البحث، فقد يكون لتراجع نشاط التعدين، أو تحوّل طرق التجارة والحج، أو تغير أنماط الاستيطان، أثرٌ في أفولها.
لكن المؤكد أن عَشَم لم تختفِ تمامًا؛ فقد بقي اسمها حاضرًا في المصادر، وظلت حجارتها قائمةً فوق الأرض، وبقيت نقوشها وشواهدها وأسواقها تحرس ذاكرتها من النسيان.
فالمدن لا تموت كلها حين يغادرها أهلها؛ بعضها يتحول إلى ذاكرة، وبعضها يبقى سؤالًا مفتوحًا، وبعضها ـ مثل عَشَم ـ يظل واقفًا في وجه الزمن، ينتظر من يقرأ حجارتَه ويعيد إليه صوته.
عَشَم … ذاكرةٌ تستحق العناية
تملك عَشَم مقوماتٍ تاريخية وأثرية فريدة، تجعلها من أهم المواقع الحضارية في محافظة القنفذة ومنطقة مكة المكرمة؛ فهي تجمع بين طريق الحج القديم، والتعدين، والعمران، والأسواق، والنقوش الإسلامية، والموروث الإنساني الممتد عبر القرون.
وقربها من مركز المظيلف يمنحها فرصةً كبيرة لأن تكون وجهةً ثقافية وسياحية بارزة، متى ما حظيت بما تستحقه من حمايةٍ وترميمٍ وتأهيل.
وتبدو الحاجة ملحَّة إلى مواصلة أعمال التنقيب، وصون المباني من عوامل التعرية والانهيار، وتأهيل الطرق المؤدية إلى الموقع، وإنشاء مسارات واضحة للزوار، ومركز تعريفي يروي قصة عَشَم، ومناجمها، وسوقها، ونقوشها، ومكانتها على طريق الحج اليمني.
فالعناية بعَشَم ليست ترميمًا لجدرانٍ قديمة فحسب، بل استعادةٌ لذاكرة المكان، وحمايةٌ لصفحةٍ من تاريخ تهامة، وربطٌ للأجيال الجديدة بجذورها الحضارية.
الأوطان لا تُبنى بالمستقبل وحده، بل تُبنى كذلك بحفظ ذاكرتها، والاعتناء بشواهدها، وإدراك أن كل حجرٍ أثري هو وثيقةٌ لا يمكن تعويضها إذا ضاعت.
ستبقى عَشَم أكثر من قريةٍ مندثرة، وأكثر من منجمٍ قديم، وأكثر من سوقٍ توقفت فيه حركة البيع والشراء.
ستبقى مدينةً كتب أهلها تاريخهم على الصخر، وأودعوا أسماءهم في شواهد القبور، وشيدوا بيوتهم من الحجارة السوداء، واستخرجوا من باطن الأرض ذهبًا، ثم تركوا فوقها إرثًا أغلى من الذهب.
ولا تزال جدران عَشَم تقاوم الصمت، ولا تزال طرقاتها القديمة تنتظر وقع الخطى، ولا تزال نقوشها تنادي من يقرأها، وكأن المدينة تقول لكل عابر:
كان هنا بشرٌ أحبوا الحياة، وبنوا البيوت، وأقاموا الأسواق، واستخرجوا الذهب، وودَّعوا موتاهم، ثم رحلوا جميعًا … فلا تتركوا ذاكرتهم ترحل مرةً أخرى.
ليست عَشَم قريةً مندثرةً فحسب، ولا أطلالًا متناثرةً في أرضٍ نائية، بل هي مستوطنةٌ بشرية قديمة، وحاضرةٌ تاريخيةٌ ازدهرت في موقعٍ جمع بين الطريق والمعدن والعمران، وضمَّت مباني دينية ومدنية وعسكرية، وأسواقًا ومنازل ومرافق، إلى جانب المناجم والآثار المرتبطة بأعمال التعدين.
وفي كل حجرٍ من حجارتها، وفي كل نقشٍ بقي على جدرانها، وفي كل شاهد قبرٍ صمد في وجه الزمن، تنام حكايةٌ من حكايات تهامة، وتستيقظ ذاكرةُ مدينةٍ كانت ذات يومٍ من أهم مدن المنطقة وأكثرها حضورًا.
بين المظيلف ووادي قَرْماء
تقوم عَشَم في موقعٍ قريبٍ من مركز المظيلف، على ضفاف وادي قَرْماء، في منطقةٍ تمثَّل نقطة انتقالٍ طبيعية بين سهل تهامة المنبسط غربًا ومرتفعات السروات شرقًا.
وقد منحها هذا الموقع مكانةً جغرافيةً بالغة الأهمية، إذ وقعت على واحدٍ من طرق الحج اليمني القديمة، فكانت منزلًا من منازل الحجاج القادمين من جنوب شبه الجزيرة العربية في طريقهم إلى مكة المكرمة.
ولم تكن طرق الحج في ذلك الزمن مسالك للعبور وحده، بل كانت شرايين للحياة؛ تعبرها التجارة، وتنتقل عبرها الأخبار، وتتلاقى فيها الثقافات والوجوه واللهجات.
ومن هنا نشأت عَشَم، وازدهرت عند ملتقى الطريق والوادي والجبل، فأصبحت محطةً للحاج، وموردًا للمسافر، وسوقًا للتاجر، وموطنًا للعاملين في التعدين.
وفي طرقاتها القديمة، كان الحاج يمضي بقلبه إلى البيت الحرام، وكان التاجر يعرض سلعته، وكان العامل يعود من المنجم بما أخرجته الأرض من معدنها النفيس، فيما كانت المدينة تنسج من تلك الحركة اليومية تاريخًا سيبقى أثره بعد أن يرحل الجميع.
حاضرةُ مخلاف عَشَم
بلغت عَشَم من المكانة ما جعلها عاصمةً لما عُرف في المصادر التاريخية باسم مِخلاف عَشَم، وهو أحد المخاليف المكية التهامية الجنوبية.
وكان المخلاف يضم عددًا من القرى والمستوطنات التي اندثر كثيرٌ منها مع مرور الزمن، ومن بينها مسعودة، والنصائب، والعصداء، والأحسبة الجنوبية.
ولم تكن عَشَم إحدى قرى ذلك المخلاف فحسب، بل كانت أهم مدنه، ومركزه الاقتصادي والعمراني، حتى اقترن اسم الإقليم باسمها، فغدت المدينة عنوانًا على ما حولها، ودليلًا على ما بلغته من نفوذٍ وحضور.
وقد تكرر ذكر عَشَم في كتب البلدان والمسالك والجغرافيا، ووُصفت بأنها مدينةٌ عامرة، وعاصمةٌ لمخلافٍ من مخاليف مكة الجنوبية، ومركزٌ معروف من مراكز التعدين والاستيطان في تهامة.
ويكشف هذا الحضور في المصادر التاريخية أن عَشَم لم تكن موضعًا مجهولًا أو قريةً معزولة، بل كانت حاضرةً يعرفها المسافرون، ويقصدها التجار، وتمر بها القوافل، ويقترن اسمها بالذهب والطريق والعمران.
حين صنعت الأرضُ شهرتَها
ارتبط اسم عَشَم منذ القدم بالذهب، وكانت من أبرز مواقع التعدين القديمة في شبه الجزيرة العربية، حتى استمدت شهرتها من المعدن الذي اختزنته أرضها منذ عصر ما قبل الإسلام، واستمر استخراجه خلال العصور الإسلامية المبكرة والوسيطة.
وفي أرضها يقع منجم عَشَم، الذي ورد ذكره في المصادر التاريخية القديمة، وكانت المنطقة معروفةً بما تحويه من خامات الذهب، فنهض حول التعدين نشاطٌ اقتصادي متكامل، شارك فيه العمال والصناع والتجار وناقلو الخامات وأصحاب الأسواق.
ولم يكن الذهب في عَشَم مجرد معدنٍ يُستخرج من باطن الأرض، بل كان سببًا في قيام المدينة وازدهارها، وعاملًا رئيسًا في نموها الاقتصادي والعمراني، وجذب السكان إليها، وربطها بطرق التجارة والحج.
فمن باطن الجبال خرج الذهب، وعلى سطح الأرض قامت البيوت والأسواق، وبينهما نشأت حضارةٌ عرفت العمل والإنتاج والتنظيم، ثم تركت للأجيال آثارًا أصبحت اليوم أثمن من المعدن الذي قامت عليه.
مدينةٌ من الحجر الأسود
يمتد موقع عَشَم الأثري على مساحةٍ تقارب ألفًا وخمسمئة متر طولًا وستمئة متر عرضًا، من الشرق إلى الغرب، في رقعةٍ واسعةٍ تكشف عن حجم الاستيطان البشري الذي عرفه المكان.
ويفوق عدد بيوت القرية أربعمئة بيت، شُيّدت معظمها بالحجارة البازلتية السوداء، ورُصّت كتلها الصخرية بعضها فوق بعض من غير استخدام المونة، في أسلوبٍ معماري يعكس قدرة السكان على تطويع البيئة والاستفادة من موادها الطبيعية.
وتتنوع المنازل في أحجامها وتخطيطها؛ فمنها ما يتكوّن من غرفةٍ واحدة، ومنها ما يضم غرفًا ومرافق متعددة، بما يشير إلى تنوع مستويات المعيشة، واختلاف الوظائف الاجتماعية والاقتصادية للمباني.
كما تضم أطلال الموقع بقايا مبانٍ دينية ومدنية وعسكرية، إلى جانب المساكن والأسواق والمنشآت المرتبطة بالتعدين، وهو ما يؤكد أن عَشَم لم تكن تجمعًا عشوائيًا من البيوت، بل مدينةً منظمةً عرفت التخطيط وتوزيع الوظائف داخل أحيائها.
وحين يقف الزائر بين جدرانها السوداء، فإنه لا يرى حجارةً جامدةً فحسب، بل يرى حدود بيوتٍ كانت عامرة، ومداخل عبرها السكان، وغرفًا أُوقدت فيها السُّرج، وممراتٍ كانت تضج بخطوات الحجاج والتجار.
هناك، في صمت الأطلال، تكاد تسمع صدى الحياة القديمة، وترى المدينة كما كانت قبل أن ينطفئ ضجيجها، ويسكن أهلها في ذاكرة المكان.
سوقٌ تكلَّمت جدرانُه
كشفت أعمال التنقيب عن سوق المدينة التاريخي، واتضح أنه يتكون من شريطين متقابلين من الغرف المستطيلة، تنقسم كل غرفةٍ منها إلى قسمين؛ مقدمةٍ يُرجّح أنها استُخدمت للبيع وعرض السلع، وغرفةٍ داخلية خُصصت مستودعًا خلفيًا لحفظ البضائع.
وأظهرت الحفريات جدرانًا يتراوح عرضها بين خمسةٍ وأربعين وسبعين سنتيمترًا، ودعاماتٍ مربعة لبعض الجدران، يصل ارتفاع بعضها إلى متر، إضافة إلى مساطب داخل عدد من الغرف، يُرجح أنها استُخدمت منصاتٍ للبيع أو لعرض السلع.
كما كشفت الظواهر المعمارية عن أعمال ترميم أُجريت في فترات لاحقة من الاستيطان، وهو ما يدل على استمرار الحياة في الموقع، وحرص السكان على صيانة مبانيهم وأسواقهم.
ومن خلال هذه التفاصيل، يمكن تخيل السوق في أيام ازدهاره: دكاكين متقابلة، وسلع مصطفة، ومستودعات ممتلئة، وأصوات البيع والشراء تتردد بين الجدران، وقوافل تصل وأخرى ترحل، فيما يمنح الذهب القادم من المناجم المدينة قوتها الاقتصادية وحضورها الواسع.
لم يكن السوق مكانًا للتجارة وحدها، بل كان قلب المدينة النابض، والفضاء الذي تجتمع فيه حياة الناس، وتلتقي عنده حاجاتهم وأخبارهم وعلاقاتهم اليومية.
نقوشٌ تحفظ أسماء الراحلين
من أبرز ما يميز موقع عَشَم كثرة النقوش والكتابات الإسلامية المنتشرة في أرجائه، والتي تُقدّر بالمئات، وتتنوع في خطوطها وزخارفها ومضامينها.
كما عُثر في الموقع على شواهد قبور مكتوبة بالخط الكوفي، يعود بعضها إلى الفترة الممتدة بين القرنين الأول والخامس الهجريين، وتحمل أسماء أصحابها وعبارات الدعاء لهم، بما يعكس مستوىً متقدمًا من الكتابة والخط والثقافة الدينية والاجتماعية.
وقد نُصبت بعض الشواهد على القبور بالطريقة التي كانت شائعةً في القرى القديمة المحيطة بمكة، حيث يضم القبر الواحد شاهدين، أحدهما عند الرأس والآخر عند القدمين.
ولم تعد تلك الشواهد مجرد حجارةٍ فوق القبور، بل أصبحت وثائق تاريخية تحفظ أسماء من رحلوا، وتكشف طرائق الكتابة، وتدل على حضور العلم واللغة والتدين في المجتمع الذي عاش في عَشَم.
إنها أصواتٌ خرجت من صمت الموت، لتقول إن لهذه الأرض أهلًا، وإن خلف كل جدارٍ اسمًا، وخلف كل قبرٍ حياةً مضت، وخلف كل نقشٍ إنسانًا أراد أن يترك أثره قبل أن يغادر.
التنقيبُ يعيد المدينة إلى الضوء
بدأت أعمال التنقيب والاستكشاف الأثري في عَشَم عام 1402هـ الموافق 1982م، فكشفت عن أجزاء مهمة من سوق المدينة، وعن معثوراتٍ أسهمت في تأريخ الموقع وفهم مراحله الحضارية.
وفي عام 1427هـ الموافق 2006م، أُجري مسح شامل للموقع، استُكمل خلاله تسجيل آثاره وإدراجها ضمن برنامج الخارطة الرقمية.
ثم استؤنفت أعمال التنقيب عام 1439هـ الموافق 2017م، وتركزت في المنطقة المسيجة من الموقع، بهدف التحقق من كثافة المعثورات الأثرية، والكشف عن الأدوات والوسائل المرتبطة بالتعدين، ودراسة السوق التجاري والمنشآت المحيطة به.
ويضم الموقع اثنتين وثلاثين حفرية تنقيب موزعةً في أرجائه، كشفت عن طبقات متعددة من الاستيطان والنشاط البشري، وأظهرت أن عَشَم عاشت مراحل طويلة من العمران والعمل والإنتاج.
وكلما توغلت الحفريات في طبقات الأرض، عادت المدينة إلى الضوء قليلًا؛ جدارٌ يظهر من تحت التراب، وقطعة فخار تستعيد شكلها، وأداةٌ معدنية تروي وظيفةً قديمة، وسوقٌ يتضح تخطيطه بعد قرون من الصمت.
فالآثار لا تستعيد الماضي كاملًا، لكنها تفتح نوافذ صغيرةً عليه، ومن خلالها يمكن قراءة سيرة المدينة، وفهم أنماط عيش سكانها، واستعادة جانبٍ من تاريخها المفقود.
تفاصيلُ الحياة في المعثورات
لم تكن القطع المكتشفة في عَشَم مجرد معثوراتٍ منفصلة، بل كانت شواهد يومية على حياة السكان، وأعمالهم، وطعامهم، وتجارتهم، وصناعاتهم.
فقد عُثر على أجزاءٍ من أوانٍ فخارية صغيرة ومتوسطة الحجم، وحواف وقواعد وأبدان متعددة، إلى جانب فخار مزجج بألوان مختلفة، منها الأخضر الفاتح، والأصفر، والأحمر، والبني، والقصديري.
كما كُشفت أوانٍ فخارية كاملة أو شبه مكتملة، من بينها أبريق، وقدح صغير، وأوانٍ مزججة، إضافة إلى أجزاء من الحجر الصابوني، صُنعت منها أوانٍ ذات أسطح ملساء وزخارف دقيقة.
وعُثر كذلك على مسرجةٍ من الحجر الصابوني، كانت تُستخدم للإضاءة، وغطاء لإناء، وبقايا أوانٍ زجاجية متعددة الألوان والأحجام، شملت الحواف والرقاب والقواعد وأجزاء القوارير.
أما المعثورات المعدنية، فشملت قطعًا متأكسدة، وملعقةً وسكينًا وإناءً صغيرًا ومسامير حديدية، وهي أدوات بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في حقيقتها تفاصيل الحياة اليومية، وتكشف ما كان يحتاج إليه الإنسان في منزله وسوقه وعمله.
ويتميز الموقع أيضًا بكثرة الأرحية الحجرية المستخدمة في طحن الحبوب، وهو ما يدل على أن عَشَم لم تكن مدينة تعدينٍ فقط، بل مجتمعًا مستقرًا مارس الزراعة والغذاء والصناعة والتجارة، وعاش حياةً متكاملةً تتجاوز حدود المنجم.
ومن خلال تلك القطع الصغيرة، تستعيد المدينة تفاصيلها الكبرى؛ الطعام الذي أُعد، والضوء الذي أُوقد، والبضاعة التي خُزنت، والأداة التي استُخدمت، واليد التي صنعت، ثم اختفت وبقي أثرها.
من الازدهار إلى الصمت
تشير الأدلة الأثرية إلى أن عَشَم عرفت الاستيطان خلال العصور الإسلامية المبكرة، وظلت مركزًا للتعدين والحياة الحضرية قرونًا طويلة، قبل أن يبدأ نشاطها في التراجع بحلول القرن السادس الهجري.
ومع مرور الزمن خفَّ بريق الذهب، وتغيرت الطرق، وتراجعت الحركة، وخفتت الأسواق شيئًا فشيئًا، حتى غادر السكان بيوتهم، وسكنت الطرقات، وصمتت المناجم.
ولا تزال أسباب اندثار المدينة بحاجة إلى مزيدٍ من البحث، فقد يكون لتراجع نشاط التعدين، أو تحوّل طرق التجارة والحج، أو تغير أنماط الاستيطان، أثرٌ في أفولها.
لكن المؤكد أن عَشَم لم تختفِ تمامًا؛ فقد بقي اسمها حاضرًا في المصادر، وظلت حجارتها قائمةً فوق الأرض، وبقيت نقوشها وشواهدها وأسواقها تحرس ذاكرتها من النسيان.
فالمدن لا تموت كلها حين يغادرها أهلها؛ بعضها يتحول إلى ذاكرة، وبعضها يبقى سؤالًا مفتوحًا، وبعضها ـ مثل عَشَم ـ يظل واقفًا في وجه الزمن، ينتظر من يقرأ حجارتَه ويعيد إليه صوته.
عَشَم … ذاكرةٌ تستحق العناية
تملك عَشَم مقوماتٍ تاريخية وأثرية فريدة، تجعلها من أهم المواقع الحضارية في محافظة القنفذة ومنطقة مكة المكرمة؛ فهي تجمع بين طريق الحج القديم، والتعدين، والعمران، والأسواق، والنقوش الإسلامية، والموروث الإنساني الممتد عبر القرون.
وقربها من مركز المظيلف يمنحها فرصةً كبيرة لأن تكون وجهةً ثقافية وسياحية بارزة، متى ما حظيت بما تستحقه من حمايةٍ وترميمٍ وتأهيل.
وتبدو الحاجة ملحَّة إلى مواصلة أعمال التنقيب، وصون المباني من عوامل التعرية والانهيار، وتأهيل الطرق المؤدية إلى الموقع، وإنشاء مسارات واضحة للزوار، ومركز تعريفي يروي قصة عَشَم، ومناجمها، وسوقها، ونقوشها، ومكانتها على طريق الحج اليمني.
فالعناية بعَشَم ليست ترميمًا لجدرانٍ قديمة فحسب، بل استعادةٌ لذاكرة المكان، وحمايةٌ لصفحةٍ من تاريخ تهامة، وربطٌ للأجيال الجديدة بجذورها الحضارية.
الأوطان لا تُبنى بالمستقبل وحده، بل تُبنى كذلك بحفظ ذاكرتها، والاعتناء بشواهدها، وإدراك أن كل حجرٍ أثري هو وثيقةٌ لا يمكن تعويضها إذا ضاعت.
ستبقى عَشَم أكثر من قريةٍ مندثرة، وأكثر من منجمٍ قديم، وأكثر من سوقٍ توقفت فيه حركة البيع والشراء.
ستبقى مدينةً كتب أهلها تاريخهم على الصخر، وأودعوا أسماءهم في شواهد القبور، وشيدوا بيوتهم من الحجارة السوداء، واستخرجوا من باطن الأرض ذهبًا، ثم تركوا فوقها إرثًا أغلى من الذهب.
ولا تزال جدران عَشَم تقاوم الصمت، ولا تزال طرقاتها القديمة تنتظر وقع الخطى، ولا تزال نقوشها تنادي من يقرأها، وكأن المدينة تقول لكل عابر:
كان هنا بشرٌ أحبوا الحياة، وبنوا البيوت، وأقاموا الأسواق، واستخرجوا الذهب، وودَّعوا موتاهم، ثم رحلوا جميعًا … فلا تتركوا ذاكرتهم ترحل مرةً أخرى.
