المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الثلاثاء 19 مايو 2026

تأملات في طَستٍ من ذهب وماء زمزم ونور الملائكة :

عندما شُقَّ صدرُ سيدنا النبيِّ ﷺ في الطفولة ليُغسل القلب يقينًا بعد يقين
د.هاشم بن محمد الحبشي
بواسطة : د.هاشم بن محمد الحبشي 19-05-2026 06:03 مساءً 1.6K
المصدر -  
1. نقاشٌ مع صديقي العالِم يفتح الآفاق

دار بيني وبين صديقي العالِم، ذلك الرجل الذي يجمع بين هدوء الفكر وعمق التأمل، حديثٌ عن بدايات الوحي، لكننا توقفنا طويلًا عند مشهد أسبق وأبعد أثرًا: حادثة شقّ الصدر في طفولة سيدنا النبي ﷺ، حين كان صغيرًا يلعب مع الغلمان.

قلت له متأملًا: "نحن نروي الحادثة كثيرًا، لكننا نادرًا ما نتوقف عند معناها."

فأجاب بهدوء: "لأن الناس يرونها خبرًا، بينما هي مفتاح."

image

ثم أضاف جملة بقيت عالقة في ذهني: "القلب يُهيَّأ قبل أن يحمل النور."

ولم يتوقف عند ذلك، بل قال:

"وهل تعلم أن شقّ الصدر لم يكن مرة واحدة؟ قيل مرتين، وقيل أربع مرات، وكل مرة كانت تمهيدًا لمقام أعظم."

2. شقُّ الصدر… تطهيرٌ يتجدد تأملت طويلًا في فكرة التكرار.

ففي بعض الروايات، وقع شق الصدر: في الطفولة، حين أُخرج "حظ الشيطان".

وقبل الإسراء والمعراج، استعدادًا لرؤية الملكوت.

وذكرت بعض المصادر تكرارات أخرى في مراحل مفصلية من السيرة.

هنا قال صديقي العالِم: "القلب سيدنا النبيﷺ، كلما ارتقى مقامًا، ازداد صفاءً واستعدادًا لنورٍ الوعي العظيم."

حينها تغيّر فهمي للحادثة.
لم تعد مجرد "تنظيف" عابر، بل بدت لي كأنها تهيئة متجددة، أو ارتقاء مستمر في درجات النقاء والوعي.

3. الطفولة… البداية التي سبقت الرسالة

في حادثة الطفولة، جاء سيدنا جبريل، فشق صدر سيدنا النبي ﷺ، واستخرج علقة سوداء، ثم غسل قلبه بماء زمزم في طَستٍ من ذهب.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن هذه الحادثة وقعت في الطفولة، قبل الوحي، وقبل الرسالة، وقبل أن يعرف العالم من هو سيدنا محمد ﷺ وعلي اله .
كأن الإعداد بدأ مبكرًا… وكأن القلب العظيم لا يُترك للصدفة،
فالطفولة هنا ليست مجرد مرحلة عمرية، بل لحظة صفاء كامل وقابلية مطلقة للتشكيل الإلهي.

4. وحدة النور والماء والذهب.

أكثر ما شدني في هذا المشهد أن عناصره الثلاثة تتكرر بانسجام عجيب:
- النور: ممثلًا في سيدنا جبريل علية السلام، حامل الوحي والرسالة.
- الماء: ماء زمزم، رمز الحياة والشفاء والطهارة.
- الذهب: الطست الذي احتوى ماء التطهير.

وسألت نفسي: لماذا الذهب تحديدًا؟

فقال صديقي: "لأن الله يختار الأطهر للأطهر."

الذهب معدن لا يصدأ، ولا يتآكل بسهولة، ويُعد رمزًا للنقاء والثبات. وليس غريبًا أن يُستخدم اليوم حتى في تطبيقات طب النانو.
أما زمزم، فليس مجرد ماء في الوعي للامة، بل ماء ارتبط بالبركة والشفاء والاصطفاء منذ زمن سيدنا إسماعيل علية السلام.

5. تأملٌ على ضوء علم وتقنية النانو والنظام الدقيق.

وفي تأملي الخاص، دون أن أحمل النصوص ما لا تحتمل، وجدت تناغمًا رمزيًا عجيبًا بين هذا المشهد وبين ما يسعى إليه العلم الحديث في فهم الأنظمة الدقيقة.

فإذا كان القلب، في اللغة الروحية، مركز الإدراك والوعي، وإذا كان التطهير قد تم:
بماء ذي خصوصية فريدة،
وفي وعاء من الذهب النقي،
وعلى يد مخلوق من نور الله،
فإن المشهد يبدو وكأنه لوحة تجمع بين المادة والطاقة والمعنى في أعلى صور الانسجام.

لا أقول إن الحادثة تفسيرٌ لعلم وتقنية النانو، ولا إن العلم يفسر المعجزة، لكن التأمل يظل مفتوحًا أمام العقل المتدبر و المتامل.

6. لماذا التكرار؟ تأمل في ترقية النقاء.

سألت صديقي: "ولماذا لم تكن مرة واحدة كافية؟"
فابتسم وقال: "لأن القلب كالسماء… كلما ازداد صفاؤه، اتسعت رؤيته."
ثم أضاف: "التكرار هنا ليس إصلاح نقص، بل تهيئة لمقام أعلى."
كانت جملة بسيطة، لكنها غيّرت نظرتي تمامًا.
فبعض القلوب تُنظَّف لتشفى، أما قلب سيدنا النبي ﷺ فكان يُهيَّأ ليحمل أعظم أمانة عرفتها البشرية.

7. مشهد يتسع للعمر كله.

غادرت ذلك الحديث وأنا أحمل صورة لا تفارقني:
طفل صغير… وملائكة من نور الله … وماء خرج من قلب الصحراء… وطَست من ذهب… وقلب يُغسل استعدادًا لوحي سيغيّر العالم.

يا له من مشهد!
مشهدٌ لا ينتهي عند حدود الرواية، بل يظل مفتوحًا لكل متأمل يبحث عن معنى النقاء الحقيقي.

وربما يبقى سرُّ شق الصدر، بمراته المتعددة، سرًا بين الله وحبيبه ﷺ.

أما نحن، فلا نملك إلا الدهشة… والتأمل… والتدبّر… ومحاولة الاقتراب من المعنى.

كيف يُهيَّأ قلبٌ لحمل النور؟

ربما يبدأ الأمر بالتطهير، مرةً بعد مرة، وبالصلاة والسلام على صاحب المقام وعلي اله، و بماء النقاء… في طَستٍ من ذهب.