المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأحد 1 مارس 2026
أنتيك يكتب ليلةً من ذهب… ومكة تتجلّى قصيدةً في «وطن الشوق الأول»
عاشة محمد قوني - نائبة إدارة التحرير والمشرف العام
المصدر -  كانت مكة حاضرة بكل ثقلها الروحي وهيبتها الأدبية في الأمسية التي نظمها أنتيك كافيه تحت عنوان «مكة في القصيدة… وطن الشوق الأول»، التي أدارها الإعلامي الأستاذ محمد عمر بحضورٍ راقٍ في فضاء يعكس روح مكة وعظمتها. منذ اللحظة الأولى بدا واضحًا أن هذه الأمسية ليست مجرد لقاء ثقافي عابر، إنما محطة تأمل عميقة في الشعر وقيم المكان والزمن، تميّزت بإلقاءاتٍ نادرة وترانيم لغوية تجاوزت الحضور إلى آفاق تواصل وجداني مع النص.

اتسم نقاش الأمسية بثقافة راقية، وحضورًا ثريًا عززه الأديب المرموق حسني مالك الذي حمل معه خبرته الطويلة في قراءة الشعر وتأمل دلالاته، حيث تنقّل بين محطات متعددة من التجربة الشعرية المرتبطة بالمشاعر المقدسة، مستدعيًا حرارة الشوق التي لا تخفت، ومشيرًا إلى تحوّلات صورة مكة في القصيدة من النص القديم إلى الحديث. وحين استشهد بأبيات من «رحلة سماوية»، لم يكن ذلك مجرد اقتباس، بل امتدادًا لمعنى ظل يتشكل طوال الأمسية؛ معنى العروج الروحي الذي تصنعه الكلمة حين تصدق.

وتفاعل الحضور مع تلك اللحظة، وكان من بينهم الشاعر رداد الهذلي الذي عبّر عبر منصة X عن فخره باستشهاد حسني مالك بقصيدته خلال اللقاء، في مشهد يعكس روح التقدير المتبادل بين المبدعين، ويؤكد أن الأمسية تجاوزت إطارها التنظيمي إلى مساحة أثرٍ حقيقي.

ولمن لا يعرف بدقة رحلة هذا الضيف الكريم، فإن حسني مالك مفكرٌ وأديبٌ له حضور لافت في المشهد الشعري والثقافي العربي، ومشارك دائم في حوارات وبودكاستات ذات طابع أدبي وفكري، من بينها مشاركاته في بودكاست أسمار الذي تقدّمه شبكة مايكس، حيث ينهل من الذاكرة الشعرية والغواية المعرفية، ويضع الكلمات في مواضعها التي تستحث العقل والوجدان معًا، مقتربًا من الجذور التاريخية والأدبية بإحساسٍ دقيق وإحاطة معرفية تضفي عمقًا على الحوار الثقافي الذي يقدّمه.

وفي كواليس هذه الأمسية، برز جهدٌ لا يقل أهمية عن المشهد الظاهر، تمثّل في إشراف وتنظيم الأستاذ عمر الهوساوي الذي تولّى تنسيق الفعالية واستضافة الضيوف والاهتمام بتفاصيل التكريم، بروحٍ احترافية تعكس حرصًا حقيقيًا على أن تخرج الأمسية بالصورة التي تليق باسم مكة وبقيمة ضيوفها. وشاركه هذا الجهد الأستاذ طارق هوساوي، في تعاونٍ منسجم أسهم في صناعة تجربة متكاملة، تؤكد أن وراء كل مشهد ناجح فريقًا يعمل بصمت وإخلاص.

وبنفس الاعتزاز الذي ساد أجواء الأمسية، لم يكن اكتمال الصورة في الكلمة وحدها. فقد أدار أنتيك ليلته بذائقةٍ رفيعة، وكرّس حضوره بوصفه راعيًا للفكرة قبل أن يكون مضيفًا للفعالية. التفاصيل الصغيرة، العناية بالضيوف، الانسيابية في التنظيم، كلها كانت تقول إن ثمة مؤسسة ثقافية تُبنى بهدوء وثبات في قلب مكة. وقد اختُتمت الأمسية بسحور تكفّل به أنتيك بسخاء معتاد، فاجتمع الحضور على مائدة عامرة امتد فيها الحديث، وظل الحوار مفتوحا، كما لو ان الليل أبى أن يسدل ستاره سريعا.


بهذه الخطوات الواثقة، رسخ أنتيك حضوره كمحرك ثقافي حقيقي، يمنح الأدب مساحة تليق به، ويسهم في صناعة مشهد ثقافي متنامٍ في مكة، حيث تظل الكلمة قادرة على جمع الناس حول معنى مشترك اسمه الشوق.