المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 26 فبراير 2026
تجربة تُعاش بكل الحواس جدة التاريخية في رمضان: “وقّف” وتذوّق الفن في التفاصيل
يوسف بن ناجي- سفير غرب
بواسطة : يوسف بن ناجي- سفير غرب 26-02-2026 04:54 مساءً 2.2K
المصدر -  
في كثير من الأحيان تتشابه المدن والأماكن، إلا أن جدة التاريخية تبقى غير. وفي رمضان تحديدًا، تكتسب “البلد” بعدًا إضافيًا يجعل التجربة أكثر عمقًا ودفئًا؛ فهي ليست مجرد حيّ قديم، ولا متحفًا مفتوحًا تُزار معروضاته ثم تُغادر، بل مساحة تنبض بالحياة، يتداخل فيها عبق التاريخ مع روح الشهر الكريم، فتتحول الأزقة القديمة إلى مشاهد رمضانية حيّة، يتذوقها الزائر بكل حواسه.
منذ اللحظة الأولى التي يخطو فيها الزائر إلى أزقة “البلد” في ليالي رمضان، لا يشعر بأنه يشاهد التاريخ فحسب، بل يعيش تفاصيله تحت إضاءة الفوانيس، وبين أصوات المارة بعد صلاة التراويح. الأبنية العتيقة مثل بيت نصيف وبيت باعشن ومسجد الشافعي، لا تقف صامتة، بل تتزين بروح الموسم، وتبدو أكثر قربًا حين تزدحم ساحاتها بالعائلات والمتجولين الذين يبحثون عن لحظة سكون أو نزهة مسائية في أجواء معتدلة.
الرواشين الخشبية المميزة، التي طالما عكست براعة العمارة الحجازية، تتوهج في المساء حين تنعكس عليها الإنارة الرمضانية، فتبدو وكأنها تحكي حكايات أجيال تعاقبت على المكان، في مشهد يجمع بين الفن والذاكرة والسكينة.
في شوارع جدة التاريخية خلال رمضان، الفن ليس محصورًا داخل قاعات العرض، بل حاضر في تفاصيل الحياة اليومية؛ في يد الحرفي الذي يواصل نقش الخشب أو نسج الخوص أمام الزوار، في الأبواب الملونة التي تلتقطها عدسات المصورين، وفي الأزقة الضيقة التي تتحول بعد الإفطار إلى ممرات نابضة بالحركة. المشي هنا بعد صلاة التراويح تجربة بصرية وإنسانية متكاملة، حيث تتشكل الظلال تحت الأضواء، وتتمازج الأصوات في لوحة حيّة تعكس دفء المجتمع.
الحِرف اليدوية في جدة التاريخية خلال هذا الشهر ليست مجرد عرض تراثي، بل امتداد لروح التكافل والتواصل؛ فالزائر لا يكتفي بمشاهدة المنتج، بل يتبادل الحديث مع الحرفي، ويتعرّف على قصة المهنة التي توارثها جيلاً بعد جيل، في أجواء يغلّفها الهدوء والاحترام الذي يميز ليالي رمضان.
ومن فنون العمارة إلى عبق العطارة والأسواق الشعبية، تتضاعف التفاصيل الرمضانية في “البلد”. رائحة الأكل الشعبي تصبح أكثر حضورًا مع اقتراب وقت الإفطار، والأطباق الحجازية تُحضّر بوصفات قديمة تضفي على المكان مذاقًا خاصًا. المقاهي المحلية تحتفظ بطابعها البسيط، حيث تُقدَّم القهوة بروح المكان، فيما تنتشر عربات “البليلة” الحجازية، ويعلو صوت صب الشاي في “البيالات” كطقس يومي يتكرر كل مساء، في مشهد يعيد تعريف البساطة والجمال.
ما يميز جدة التاريخية في رمضان، أنها لا تكتفي بعرض تراثها، بل تدعو زوارها إلى التمهّل. فهنا، يصبح التوقف جزءًا من التجربة؛ أن تبطئ إيقاع يومك، أن تمشي دون استعجال، أن تتأمل التفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان فرادته. وبين الفن، والحرفة، والمذاق، وأجواء الشهر الكريم، تتحول الزيارة إلى ذكرى متكاملة، تحفظها الذاكرة طويلًا بعد انتهاء الليلة.
جدة التاريخية في رمضان ليست مجرد وجهة، بل تجربة تُعاش… حيث يلتقي التراث بروح الشهر، ويتحول “الوقوف” عند التفاصيل إلى لحظة إدراك حقيقية لقيمة المكان ومعناه.