المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الثلاثاء 20 يناير 2026
وسميه محمد العبيدان
وسميه محمد العبيدان

بين الثبات والتقليد… إلى أين نمضي؟

نشأنا على تربية دينية واضحة المعالم، غُرست فينا منذ الصغر بلا قسر ولا تشدد، بل بقناعة راسخة بأن هذا الدين نعمة، وبأن القيم التي يحملها ليست قيودًا، بل صيانة للإنسان وكرامته. كبرنا ونحن نردد: الحمد لله على نعمة الإسلام، نعيشها سلوكًا قبل أن تكون شعارًا، ونحملها في مظهرنا وأخلاقنا وخياراتنا اليومية.
ومع مرور السنوات، ظل كثيرون محافظين على هذه المبادئ؛ تمسكوا بالحجاب، وبالحياء، وبحدود ما أمر الله به، إدراكًا منهم أن الالتزام ليس تخلّفًا، بل وعيٌ بالهوية، وأن الحرية لا تعني الذوبان في الآخر ولا التنكّر للذات.
إلا أن المشهد اليوم بات مختلفًا في بعض جوانبه.
نلاحظ تقليدًا متسارعًا لكل ما هو غربي، دون تمحيص أو تمييز، تقليدًا يطال المظهر قبل الجوهر، والشكليات قبل القيم. نرى رجالًا يتجاوزون ما أُمروا به من سترٍ ووقار، ونساءً تخلّين عن الحجاب الذي كان يومًا عنوان عفة لا موضة قابلة للتغيير. اختلطت المفاهيم، وتبدلت الأولويات، وأصبح ما كان يُستغرب يُقدَّم اليوم على أنه “تحرر” أو “مواكبة للعصر”.
وليس الحديث هنا محاسبة للأشخاص، ولا وصاية على النوايا، فالله وحده أعلم بالقلوب. إنما هو تساؤل مشروع: هل هو تهاون؟ أم نسيان؟ أم ضغوط مجتمع وصورة نمطية صاغتها الشاشات ووسائل التواصل حتى باتت تُقنع البعض أن القبول مرهون بالتشبه بالآخر؟
حتى أماكن العمل، التي يفترض أن يسودها الاحتشام والاحترام، أصبحت في بعض الأحيان مسرحًا للمبالغة في الزينة والعطور، وكأن الحدود بين العام والخاص قد تلاشت، وكأن البساطة لم تعد قيمة.
جذور الظاهرة
لا يمكن اختزال الأمر في ضعف ديني فقط، بل تتداخل عدة عوامل:
غياب الخطاب المتزن الذي يجمع بين الفهم والرحمة.
التأثير الإعلامي الذي يروّج لصورة واحدة “للنجاح” و”التحضر”.
ضعف القدوة أحيانًا، سواء في الأسرة أو المجتمع.
الخلط بين الحرية والانفلات، وبين التطور والتنازل عن الثوابت.
العلاج… لا الإدانة
العلاج لا يكون بالتشدد ولا بالتجريح، بل بإحياء المعنى الحقيقي للالتزام:
تعزيز الوعي بأن القيم الدينية ليست ضد الجمال ولا الحياة، بل تنظمها وتحفظها.
القدوة الحسنة في البيت، والمدرسة، والإعلام، فالكلمة وحدها لا تكفي.
خطاب ديني معتدل يخاطب العقل والقلب، بعيدًا عن التخويف أو التساهل المفرط.
فتح مساحات للحوار، خاصة مع الشباب، بدل الاكتفاء بالأحكام الجاهزة.
في النهاية، المجتمعات لا تنهض بتقليد أعمى، ولا تسقط بخطأ فردي، لكنها تتغير حين تفقد بوصلتها. والهوية ليست عبئًا نتخلص منه، بل جذورًا نثبت بها ونحن نواكب الزمن.
ويبقى السؤال مفتوحًا، لا بدافع الخوف، بل بدافع الحرص:
إلى أين سنغدو إن لم نُمسك بخيط التوازن بين الانفتاح والثبات؟
 0  0  1.1K