المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الجمعة 9 يناير 2026
ماجد بن عبدالله بن رده العريفي
ماجد بن عبدالله بن رده العريفي
ماجد بن عبدالله بن رده العريفي

المعجم الجغرافي لمحافظة ميسان تجاوز المنهج العلمي وتحريف الدلالة المكانية -قراءة نقدية حاسمة


يفترض في المعجم الجغرافي أن يكون مرجعًا علميًا منضبطًا، يُبنى على التحقق لا الافتراض، وعلى التحقيق لا الانطباع، وأن يلتزم بأصول التخصص التزامًا صارمًا؛ لأن الخطأ فيه لا يبقى محصورًا في صفحاته، بل ينتقل إلى الذاكرة الجغرافية والتاريخية، ويتحول مع التداول إلى «حقيقة» موهومة. ومن هذا المنطلق، فإن المعجم محل الدراسة يكشف، عند إخضاعه للقراءة النقدية المتخصصة، عن اختلالات منهجية جوهرية لا يمكن تجاوزها أو تبريرها بحسن القصد أو كثرة الجمع.

فقد بُنيت جملة من الأحكام فيه على تقديم المعاجم اللغوية على المعاجم الجغرافية، مع أن هذا المسلك يخالف ترتيب الأدلة في الجغرافيا التاريخية، حيث تُقدَّم النصوص المكانية المعتمدة، ويُجعل الاشتقاق اللغوي عنصرًا مساعدًا لا مُنشئًا للحكم. إن تحويل الدلالة اللغوية إلى مرجعية مكانية يُفضي بالضرورة إلى تغيير أسماء المواضع عن مدلولها المستقر، ويُنتج إعادة رسم جغرافية ذهنية لا تستند إلى نص معتبر ولا إلى واقع موثّق.

ويزداد الخلل وضوحًا عند ربط السكان بغير مواطنهم التاريخية لمجرد تشابه أسماء المواضع، وهو مسلك لا يصمد أمام أبسط قواعد البحث؛ إذ إن تشابه الأسماء في الجزيرة العربية ظاهرة معروفة، ولا يجوز علميًا أن تُبنى عليها نسب سكانية أو امتدادات قبلية دون نصوص صريحة أو استقرار مكاني متصل. والجزم بهذه النسبة لا يُعد اجتهادًا مقبولًا، بل قفزًا على المنهج، وإلغاءً لمبدأ التحقق.

كما يُلاحظ استخدام تعبيرات موهمة، من قبيل نسبة «الخريطة» إلى أشخاص لم يتجاوز دورهم المرور بالمكان أو ذكره عرضًا، بما يُوحي للقارئ بأن الموضع قد رُسم أو حُدِّد جغرافيًا على أيديهم. وهذا الخلط بين المرور والوصف، وبين الذكر العابر والتحديد العلمي، إخلال بالدقة الاصطلاحية، ويُحمّل النصوص ما لا تحتمله من الدلالة، ويُسهم في تضليل القارئ غير المتخصص.

ولا يقل خطورة عن ذلك التعامل غير المنضبط مع المصادر الأصيلة، حيث لوحظ بتر نصوص عن سياقها، أو اجتزاء عبارات تُغيّر وجه الاستدلال، وهو مسلك يتعارض صراحة مع الأمانة العلمية. فالنص التاريخي أو الجغرافي لا يُفهم إلا بسياقه، وإخراجه منه يُعدّ تشويهًا للمعنى، مهما كانت نية الناقل، ولا يمكن تسويغه بأي معيار بحثي معتبر.

ويُضاف إلى ذلك تمرير عبارات اجتهادية لباحثين أو متأخرين بصيغة تقريرية جازمة، دون تنبيه إلى كونها آراء قابلة للأخذ والرد، مما يُفضي إلى خلطٍ واضح بين القطعي والظني، ويُضعف القيمة العلمية للمعجم بوصفه مرجعًا. فالمعجم ليس ساحة لترجيحات غير محررة، ولا لتكريس الآراء الشخصية في صورة حقائق.

كما لا يمكن تجاهل ما ورد من أوصاف تحمل إيحاءات انتقاصية لبعض سكان المناطق، سواء تعلقت بالمهن أو بالمكانة الاجتماعية، وهو أمر لا يخلّ بالحياد العلمي فحسب، بل يناقض أخلاقيات البحث، ويُخرج العمل من نطاق التوثيق إلى مجال التوصيف القيمي المرفوض في الأعمال المرجعية.

وتظهر إشكالية أخرى في إطلاق أحكام تتعلق بالأسبقية القبلية، أو في رفع بعض الأسر إلى مصاف القبائل الكبرى دون توثيق تاريخي صريح أو ضبط اصطلاحي معتبر، وهو ما يُحدث اضطرابًا في البناء النسَبي، ويتعارض مع ما استقر عليه علم الأنساب من تفريق دقيق بين مراتبه ومستوياته.

إن مجموع هذه الملاحظات لا يسمح بالنظر إلى المعجم بوصفه مجرد عمل اجتهادي قابل للاختلاف، بل يفرض إعادة تقييمه من حيث المنهج والأسس التي قام عليها. فالمعاجم الجغرافية ليست مجالًا للتوسع غير المنضبط، ولا للتأويل الحر، ولا لإعادة تشكيل المكان وفق فرضيات لغوية أو ترجيحات غير موثقة. وإذا لم تُراجع هذه الاختلالات مراجعة جادة، فإن المعجم – مهما بلغ حجم مادته – يبقى قاصرًا عن أداء وظيفته العلمية، ومصدرًا لإرباك المعرفة بدل خدمتها

بواسطة : ماجد بن عبدالله بن رده العريفي
 0  0  10.1K