المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 29 أكتوبر 2026
المهندس هشام الشريف: "المسكن الملائم ليس الأكبر مساحة أو الأعلى سعراً
يوسف بن ناجي- سفير غرب
بواسطة : يوسف بن ناجي- سفير غرب 29-10-2026 01:57 مساءً 1.1K
المصدر -  
لم يعد اختيار المسكن في سوق العقار السكني السعودي قراراً تحكمه المساحة والسعر والموقع وحدها؛ فمع تطور المدن، وتنوع المنتجات العقارية، وتغير أنماط الحياة الأسرية، تتشكل معايير أكثر عمقاً لتحديد ما يجعل المسكن ملائماً بالفعل. ولم يعد السؤال الأهم مقتصراً على ما يمتلكه الفرد من أمتار مربعة، بل امتد إلى كيفية الاستفادة منها، ومدى ارتباطها باحتياجاته اليومية، وقدرتها على التكيف مع متطلبات أسرته مستقبلاً.
وتعكس اتجاهات السوق العقاري السعودي هذا التحول. فقد أشار تقرير «جيه إل إل» للربع الأول من عام 2026 إلى تزايد اهتمام المشترين بالمجتمعات السكنية التي تحقق التوازن بين القدرة الشرائية وجودة المرافق والخدمات. وفي استطلاع أجرته «نايت فرانك» خلال العام نفسه، شمل مشترين محتملين من المقيمين والمستثمرين الدوليين المهتمين بالسوق السعودي، جاءت البيئة الملائمة للأسرة بنسبة 28%، والأمن والسلامة بنسبة 25%، والمساحات الخضراء بنسبة 24%، ضمن أبرز مقومات جاذبية المجتمعات السكنية.

image


وفي هذا السياق، يرى المهندس هشام الشريف، رئيس قطاع التطوير وعضو مجلس إدارة شركة العوالي العقارية، أن مفهوم السكن الملائم يحتاج إلى قراءة تتجاوز المواصفات التقليدية للعقار، موضحاً: "المنزل ليس مجرد مساحة نسكنها، بل بيئة نمارس فيها تفاصيل حياتنا. لذلك فإن جودة القرار السكني تبدأ من فهم احتياجات الأسرة الفعلية، وليس من الانبهار بمساحة أكبر أو قائمة طويلة من المزايا التي قد لا تستخدمها".
ويشير الشريف إلى أن الموقع الجيد لا يُقاس بعنوانه، وإنما بكفاءته في خدمة الحياة اليومية. فالقرب من المدارس والخدمات الصحية والطرق الرئيسية ومراكز العمل يختصر وقت التنقل ويخفف الأعباء المتكررة، بينما تؤثر جودة البنية التحتية والسلامة وسهولة الوصول إلى المرافق في تجربة السكن على المدى الطويل. ويضيف أن على المشتري تقييم الحي في أوقات مختلفة، وقياس زمن التنقل الفعلي، بدلاً من الاكتفاء بالمسافات الظاهرة على الخريطة.
أما داخل الوحدة السكنية، فيؤكد أن كفاءة التصميم تتقدم على المساحة المجردة. فالتوزيع المدروس للغرف، والخصوصية، والإضاءة الطبيعية، والتهوية، ومساحات التخزين، وسهولة الحركة، جميعها عناصر تحدد القيمة الحقيقية للمسكن. ويوضح: "قد توفر وحدة أصغر، بتصميم أكثر ذكاءً، مستوى معيشياً أفضل من وحدة أكبر تعاني من مساحات غير مستغلة. المعيار ليس عدد الأمتار فقط، بل مقدار المنفعة التي تحققها للأسرة".
ولا تنفصل هذه الاعتبارات عن طبيعة المناخ المحلي وكفاءة التشغيل. فالعزل الحراري، وجودة النوافذ، وكفاءة أنظمة التكييف، واختيار المواد المناسبة، عوامل تؤثر في الراحة وتكاليف الاستهلاك والصيانة. ويرى الشريف أن السعر عند الشراء لا يمثل التكلفة الكاملة للمسكن؛ إذ ينبغي احتساب الالتزامات التمويلية والرسوم وتكاليف التشغيل والصيانة المستقبلية، حتى لا يتحول قرار التملك إلى عبء يتجاوز القدرة المالية للأسرة.
ومن منظور التطوير العقاري، يوضح الشريف أن الوصول إلى منتج سكني ملائم يبدأ قبل مرحلة التصميم. ففي شركة العوالي العقارية، ترتكز منهجية التطوير على ست مراحل مترابطة: تحليل السوق، وتحديد احتياجات العملاء، وإعداد دراسات الجدوى، والتخطيط والتصميم، والإشراف على التنفيذ، وصولاً إلى خدمات ما بعد البيع.
ويشرح قائلاً: "نبدأ بفهم طبيعة الطلب والشرائح المستهدفة قبل تحديد مواصفات المنتج. ثم نترجم هذه المعطيات إلى قرارات تصميمية وتنفيذية تحقق التوازن بين جودة المسكن وجدواه الاقتصادية. فالهدف ليس إضافة مزايا ترفع التكلفة دون ضرورة، وإنما توجيه الاستثمار إلى العناصر التي تصنع فرقاً حقيقياً في تجربة الساكن".
وتنعكس هذه الفلسفة في توجه العوالي نحو تطوير منتجات سكنية ومجتمعات عمرانية تراعي احتياجات الإنسان، وتدمج بين الاستخدام الوظيفي والجودة والاستدامة. فالتخطيط لا يقتصر على الوحدات منفردة، بل يشمل علاقتها بالمرافق والمساحات المشتركة وسهولة الحركة والخصوصية، بما يعزز قدرة المشروع على تلبية متطلبات الحياة اليومية والاحتفاظ بقيمته على المدى الطويل.
ويشدد الشريف على أهمية النظر إلى الجودة بوصفها مسؤولية تمتد لما بعد التسليم، مضيفاً: "جودة التطوير لا تثبتها الواجهات الجميلة وحدها، بل كفاءة التنفيذ، ووضوح المواصفات، والالتزام بمعايير البناء، ووجود منظومة واضحة لخدمات ما بعد البيع. فالعلاقة بين المطور والعميل لا ينبغي أن تنتهي بتسليم المفتاح".
وينصح المقبلين على التملك بعدم اتخاذ قرارهم اعتماداً على المواد التسويقية أو السعر المعلن فقط، بل بمراجعة المخططات والمواصفات الفنية، والتحقق من التراخيص والضمانات والالتزامات التعاقدية، والاستعانة بمختص لفحص العقار عند الحاجة. كما يدعو إلى التفكير في قابلية المسكن للتكيف مع نمو الأسرة وتغير احتياجاتها، ومقارنة الخيارات على أساس التكلفة الكلية وجودة الاستخدام، لا على أساس سعر المتر المربع وحده.
ويختتم الشريف بالتأكيد على أن تطور السوق السكني السعودي يفرض مسؤولية مشتركة على المطور والمشتري؛ فالأول مطالب بتقديم منتج مدروس ينطلق من الاحتياج الحقيقي، والثاني مدعو إلى اتخاذ قرار واعٍ يستند إلى معايير واضحة. ويقول: "المسكن الملائم ليس بالضرورة الأكثر فخامة أو الأعلى تكلفة، بل المسكن الذي يمنح الأسرة الراحة والأمان والكفاءة، ويظل مناسباً لها مع مرور السنوات. وحين تصبح جودة الحياة نقطة الانطلاق في قرار التطوير والشراء معاً، فإننا لا نبني وحدات سكنية فحسب، بل نؤسس لمجتمعات أكثر استدامة".