المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الإثنين 19 أكتوبر 2026
#تحت_الاضواء في غرب  :  السحر والحُجُب في تعبئة المقاتلين الحوثيين الجاروديه الأثني عشرية.
محمد سعيدالغامدي -جدة
بواسطة : محمد سعيدالغامدي -جدة 13-10-2026 10:43 مساءً 12.2K
المصدر - تقرير خاص - غرب  
ليست الحروب مجرد مواجهة بالسلاح والعتاد، بل هي أيضًا ميدان لاختبار العقيدة، وصدق التوكل على الله، ومدى قدرة الإنسان على التمييز بين الإيمان الصحيح والخرافة التي تستغل خوفه من الموت ورغبته في النجاة.

وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات تستحق البحث والتحقيق بشأن ما نُشر في بعض التقارير اليمنية عن العثور على حُجُب وتمائم وطلاسم بحوزة مقاتلين تابعين للمليشيات الحوثية، وما أثير حول استخدام هذه الممارسات لإيهام المقاتلين بالحماية من الرصاص والشظايا، وتعزيز شعورهم بالجرأة والإقدام في ميادين القتال.

إن خطورة هذه الممارسات، إن ثبت استخدامها لهذا الغرض، لا تقف عند حدود الشعوذة، بل تمتد إلى استغلال حاجة الإنسان إلى الطمأنينة، وتوجيه معتقداته نحو أوهام قد تؤثر في قراراته، وتدفعه إلى المخاطرة بحياته اعتمادًا على مزاعم لا تستند إلى دليل شرعي أو علمي.

أولًا: المليشيات الحوثية وتساؤلات استغلال الحُجُب والطلاسم

تداولت وسائل إعلام يمنية تقارير وروايات ميدانية تحدثت عن العثور على أوراق وحُجُب وطلاسم بحوزة بعض المقاتلين الحوثيين، وربطت تلك الروايات بين هذه الأشياء وبين الاعتقاد بالحماية من الرصاص أو اكتساب قوة معنوية في القتال.

وهنا تبرز ضرورة التحقيق في حقيقة هذه الممارسات، ومصدر تلك الحُجُب، وما إذا كانت تُوزع على المقاتلين بصورة منظمة، وما الاعتقادات التي تُربط بها، وهل تُستخدم لإقناع الجنود بأنهم محميون من الموت أو أن قتالهم مضمون العاقبة.

فإذا ثبت أن جهةً ما تتعمد استغلال السحر والشعوذة لتعبئة المقاتلين، أو إيهامهم بحماية خارقة، فإن ذلك يمثل خطرًا على سلامة العقيدة والوعي، ويكشف عن استغلال الخوف والإيمان لتحقيق أهداف عسكرية.

ولا يصح، في المقابل، اعتبار كل رواية متداولة دليلًا قاطعًا على وجود سياسة منظمة لدى قيادة الجماعة؛ بل يجب توثيق الوقائع، وفحص المضبوطات، والتحقق من مصادرها، والتمييز بين الادعاءات والأدلة المثبتة.

ثانيًا: استغلال المقاتل الزيدي بين الانتماء المذهبي والتعبئة العسكرية

من المهم التأكيد أن المذهب الزيدي، بوصفه انتماءً دينيًا، لا يجوز الخلط بينه وبين المليشيات الحوثية أو تحميل أتباعه جميعًا مسؤولية ممارسات جماعة سياسية وعسكرية.

لكن التساؤل المشروع يتمثل في مدى استغلال بعض القيادات الحوثية للمعتقدات الدينية والموروثات الشعبية، إن ثبت ذلك، لدفع المقاتلين إلى الحرب وتعزيز استعدادهم للمخاطرة بأرواحهم.

فالجندي، سواء أكان زيديًا أم غير ذلك، له حق في معرفة حقيقة ما يُقدَّم إليه من معتقدات ووعود، ولا يجوز استغلال ثقته الدينية لإقناعه بأن حجابًا أو طِلسمًا سيمنع عنه الموت أو يضمن له النجاة.

إن كرامة الإنسان وعقيدته تقتضيان حمايته من الدجل، وصيانة وعيه من كل من يحاول تحويل الخرافة إلى أداة للتعبئة أو السيطرة.

ثالثًا: موقف الإسلام من السحر والحُجُب

حذّر الإسلام من السحر، وجعل سلامة التوحيد أساسًا لعلاقة المسلم بربه، فلا يجوز أن تتحول الرغبة في النصر إلى مبرر للاستعانة بالشياطين أو ممارسة الشعوذة.

قال الله تعالى:

﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102].

وقال سبحانه:

﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 69].

والحُجُب والتمائم ليست كلها في حكم واحد من حيث التفاصيل؛ فالمشتمل منها على طلاسم شركية أو استعانة بغير الله محرّم، وقد يصل إلى الشرك الأكبر بحسب مضمونه واعتقاد صاحبه. أما الرقية الشرعية بالقرآن والأدعية الصحيحة فهي مشروعة بضوابطها.

ومن ثم، فإن أي محاولة لتقديم السحر أو الشعوذة على أنها وسيلة شرعية لحماية المقاتلين أو ضمان النصر هي محاولة يجب بيان خطئها، والتحذير من آثارها على العقيدة والوعي.

رابعًا: هل يمكن أن تتحول الخرافة إلى أداة لتأجيج الحرب؟

إن إيهام المقاتل بأنه محمي من الرصاص أو أن الموت لن يصيبه بسبب تعويذة أو حجاب قد يمنحه شعورًا زائفًا بالأمان، ويجعله أقل تقديرًا للمخاطر الحقيقية.

وإذا ثبت أن بعض الجهات تستغل هذه المعتقدات لدفع الجنود إلى القتال، فإن المسألة تتجاوز الاعتقاد الفردي إلى مسؤولية أخلاقية تتعلق بحياة الإنسان وحقه في ألا يُخدع بادعاءات لا دليل عليها.

لكن يجب التفريق بين ثلاثة أمور: العثور على حجاب، والاعتقاد بأنه يحمي حامله، ووجود قيادة تتعمد توزيعه لتأجيج المقاتلين. فكل واحدة من هذه المسائل تحتاج إلى دليل يناسبها، ولا يجوز القفز من إحداها إلى الأخرى دون تحقق.

خامسًا: التوعية حماية للعقيدة والإنسان

إن مواجهة السحر والشعوذة لا تكون بالاتهامات المجردة، وإنما بالعلم الشرعي، والتحقيق الموثوق، والتوعية التي تحمي المقاتلين وأسرهم من الدجالين ومن كل من يستغل حاجتهم إلى الأمان.

كما أن من واجب المؤسسات الدينية والإعلامية توضيح الفرق بين الشجاعة القائمة على الإيمان والوعي والأخذ بالأسباب، وبين الاندفاع المبني على أوهام الحماية الخارقة.

فالمقاتل لا ينبغي أن يُدفع إلى الحرب بوعود زائفة، ولا أن يُستغل انتماؤه المذهبي أو تدينه لإقناعه بأن حياته أصبحت بمنأى عن الخطر.

الخاتمة: العقيدة الصحيحة لا تحتاج إلى طلاسم

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات في أوقات الحرب هو أن تختلط العقيدة بالخرافة، وأن تتحول الثقة الدينية إلى وسيلة لاستغلال الإنسان وتوجيهه دون وعي.

ومن هنا، فإن التقارير المتعلقة بالحُجُب والطلاسم المنسوبة إلى بعض المقاتلين الحوثيين تستحق التحقيق الجاد والتوثيق المسؤول، بعيدًا عن التعميم أو تحويل الادعاءات إلى حقائق قطعية قبل ثبوتها.

فالعقيدة الصحيحة تقوم على توحيد الله، والصدق، والبصيرة، والأخذ بالأسباب المشروعة، لا على السحر والشعوذة. وحماية الإنسان من الخداع واجب ديني وأخلاقي، سواء أكان في ميدان القتال أم خارجه.

نسأل الله أن يحفظ اليمن وأهله، وأن يجنب المسلمين الفتن والاقتتال، وأن يرد الجميع إلى الحق والعدل، وأن يحفظ الأرواح من كل استغلال أو تضليل.

والله ولي التوفيق.


image