المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الجمعة 4 سبتمبر 2026

سلسلة المقالات الأدبية التوثيقية للإعلامي محمد عطية الشرقي

سلسلة مشروع "القنفذة‬⁩ … سِفرُ المكان وذاكرةُ الزمان 14": أحد بني زيد‬⁩ … على ضفاف التاريخ
محمد عطية الشرقي - المشرف العام رئيس التحرير
المصدر -  ثمة أمكنةٌ لا يكفي أن نعرف موقعها على الخريطة، ولا أن نقيس المسافة بينها وبين المدن، ولا أن نختصرها في اسمٍ إداري وحدودٍ جغرافية، لأن المكان حين يعبر أجيالًا من الناس، ويحتفظ في ترابه بخطوات الآباء، وفي طرقاته بأصوات العابرين، وفي بيوته بحكايات الأسر، يتحول من جغرافيا صامتة إلى ذاكرة حية، ومن رقعة على الأرض إلى معنى يسكن الوجدان، ومن اسمٍ يرد في السجلات إلى سيرةٍ طويلة يكتبها الإنسان بحضوره وأيامه ومواقفه وارتباطه بالأرض، ومن هذه الأمكنة يطل مركز أحد بني زيد بمحافظة القنفذة، مكانًا لا تُقرأ حكايته من جهات الطريق وحدها، وإنما من تاريخ الإنسان الذي عاش فيه، ومن القرى التي انتشرت في محيطه، ومن المجالس التي حفظت أسماء الرجال، ومن الأزمنة التي تعاقبت عليه فغيرت ملامح الحياة، ولم تستطع أن تنتزع من المكان أصالته الأولى ولا ذاكرته التي بقيت ممتدة في نفوس أبنائه جيلًا بعد جيل.

إلى الشرق من مدينة القنفذة، حيث تبدأ الأرض في مغادرة رائحة الساحل شيئًا فشيئًا نحو امتداد الداخل، يستقر أحد بني زيد شاهدًا على التنوع الجغرافي والاجتماعي الذي امتازت به محافظة القنفذة، تلك المحافظة التي جمعت البحر والوادي والسهل والقرية، وصاغت من هذه العناصر جميعًا شخصية مكانية فريدة، فليس أحد بني زيد مجرد مركز تتبعه قرى متفرقة، بل هو فضاء اجتماعي تتجاور فيه البيوت، وتتصل فيه الطرق، وتتقاطع فيه الأنساب والمصاهرات والمصالح والذكريات، حتى يصبح اسم المكان مظلة واسعة تحتضن تاريخًا من العلاقات الإنسانية التي صنعت ملامحه وحفظت توازنه، فالقرية هنا ليست عددًا من المنازل المتجاورة، بل شبكة كاملة من المعرفة والقرب والجوار، يعرف فيها الناس بعضهم بعضًا، وتنتقل فيها الحكايات من مجلس إلى آخر، وتبقى أسماء الرجال حاضرة حتى بعد رحيل أصحابها، وتظل الذاكرة أكبر من حدود العمران نفسه.

إن الأماكن الحقيقية لا تحتاج إلى الأسوار كي تتماسك، لأنها تتماسك بالإنسان، وهذا ما يمنح أحد بني زيد جانبًا من فرادته، فالقادم إليه لا يدخل جغرافيا واحدة مغلقة، وإنما يدخل إلى عالم من القرى والطرق والبيوت والوجوه والذكريات، عالم تتعدد فيه الأسماء لكن الروح واحدة، ولكل موضع فيه حكايته، ولكل بيت تاريخ، ولكل طريق أثرٌ بقي في الوجدان، وقد تتغير أشكال البيوت وتتسع الشوارع وتظهر المباني الحديثة، غير أن بعض التفاصيل لا تتغير بسهولة، لأن الذاكرة لا تُهدم بالجرافات، ولا تمحوها الطرق الجديدة، ولا تنتهي حين يتبدل شكل المكان، بل قد تصبح أكثر حضورًا كلما ابتعد الإنسان عن زمنها الأول.

وقرب أحد بني زيد من مدينة القنفذة صنع عبر الزمن علاقة متصلة بين المركز والمدينة، وبين الداخل والساحل، وبين القرية والحاضرة، فقد كانت القنفذة بما عرفته من حركة اقتصادية وإدارية واجتماعية نافذة مهمة لأهالي القرى المحيطة بها، وكانت القرى في المقابل تمد المدينة بالإنسان والعمل والحضور الاجتماعي، ومن هذا التبادل تشكلت شخصية المنطقة كلها، فلا المدينة منفصلة عن قراها، ولا القرى بعيدة عن نبض المدينة، وأحد بني زيد واحد من أبرز الشواهد على هذه العلاقة، قريب في المسافة من القنفذة، لكنه محتفظ بخصوصيته المحلية، واقف بين عالمين جميلين، عالم المدينة بما يحمله من حركة واتساع، وعالم القرية بما يختزنه من قرب ودفء وانتماء، وهذه المسافة المتوسطة منحته شيئًا من شخصيته الخاصة، فلا هو بعيد حتى تنقطع صلته بالمشهد الحضري، ولا هو ذائب في المدينة حتى يفقد ملامحه، بل بقي مكانًا يعرف الطريق إلى القنفذة ويعرف في الوقت نفسه الطريق إلى ذاته.

ولأن الجغرافيا في تهامة لا تنفصل عن الأودية، فإن الحديث عن أحد بني زيد يقود بالضرورة إلى استحضار تلك العلاقة القديمة بين الإنسان والوادي، فالأودية هنا لم تكن مجرد مسارات للمياه، وإنما كانت شرايين للحياة، حولها عرف الناس الزراعة، وبقربها اختاروا مواطن الاستقرار، ومن سيولها تعلموا قراءة المواسم، وفي تربتها تشكلت علاقة طويلة بين الإنسان والأرض، ولم يكن المطر خبرًا عابرًا كما أصبح في عصر الشاشات والتطبيقات، بل كان حدثًا يغير تفاصيل اليوم، ويوقظ الأرض، ويعيد ترتيب المواسم، ويبعث الأمل في النفوس، وكان الناس يرقبون السحاب بعين الخبرة لا بعين الفضول، ويعرفون للأرض لغتها، وللسيل مجراه، وللزرع أوانه، ويتعاملون مع الطبيعة بوصفها كتابًا مفتوحًا تعلموا من صفحاته الصبر والحذر والانتظار.

وفي تلك البيئات لم تكن الحياة القديمة سهلة، بل كانت قائمة على الجهد والتحمل والتكافل، وكان الوصول إلى لقمة العيش يحتاج إلى عمل، والسفر يحتاج إلى صبر، وقضاء الحاجات يتطلب جهدًا أكبر مما نعرفه اليوم، غير أن قلة الإمكانات لم تكن تعني قلة الحياة، بل ربما صنعت تلك المرحلة كثيرًا من الصفات التي بقيت راسخة في المجتمع حتى بعد تغير الظروف، فكان الإنسان يعتمد بعد الله على يديه وأرضه وجماعته، فإذا احتاج بيت إلى البناء تعاون الرجال، وإذا نزلت بأحدهم حاجة وقفت معه الجماعة، وإذا حضر ضيف صار إكرامه شأن الجميع، وإذا وقع حزن انتقلت المواساة من منزل إلى آخر، وإذا جاء الفرح اتسعت له صدور القرية، ولم يكن المجتمع يحتاج إلى تعريف نظري للتكافل لأنه كان يمارسه واقعًا يوميًا، وكانت الثقة رأس مال حقيقيًا، والكلمة عهدًا، والجوار حرمة، وصلة الرحم نسيجًا لا يحتاج إلى مناسبة كي يظهر.

وكانت القرية تعرف أبناءها واحدًا واحدًا، تعرف الصغير حين يكبر، والغائب حين يعود، والمسافر حين يطول غيابه، وتعرف البيوت بما يحمله أصحابها من مكانة وسيرة، ولم يكن الإنسان مجهولًا داخل محيطه، بل كان جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية التي تمنحه الأمان وتحمله في الوقت نفسه مسؤولية الانتماء، فالمرء لا يمثل نفسه وحده، وإنما يحمل اسمه وأسرته ومكانه، ولهذا كانت السمعة قيمة كبيرة، وكان احترام الكبير والتراحم وحفظ الجوار من المعاني التي تنتقل بالممارسة قبل أن تنتقل بالكلمات.

وتغيرت هيئة أحد بني زيد كما تغيرت القرى السعودية كلها، فقد انحسرت كثير من تفاصيل البناء القديم، واتسعت الطرق، ودخلت وسائل النقل الحديثة، وتطورت البيوت والخدمات، وصار ما كان بالأمس صعبًا أمرًا عاديًا اليوم، لكن قيمة هذا التحول لا تكمن في المباني وحدها، بل في الإنسان الذي انتقل من زمن إلى زمن، فهناك رجال أدركوا الطرق الترابية ثم شهدوا الإسفلت، وعاشوا زمن الرسالة التي تنتظر المسافر حتى تصل ثم أدركوا الهاتف الذي يحمل العالم كله في كف الإنسان، وشهدوا ليالي كانت وسائل الإضاءة فيها محدودة ثم رأوا القرى وهي تشتعل بأنوار الكهرباء، وعرفوا قسوة الوصول ثم عاشوا زمن اختصار المسافات، وهذه التحولات ليست تفاصيل صغيرة، بل تاريخ اجتماعي كامل يمكن قراءته في سيرة رجل واحد عاش ثمانين عامًا فشهد في عمره تحولات ربما احتاجت مجتمعات أخرى إلى قرون حتى تعبرها.

وما أجمل أن يجلس حفيد اليوم إلى جده فيسمع منه كيف كانت الرحلة إلى القنفذة، وكيف كان الناس يقضون حاجاتهم، وكيف كانت البيوت، وأين كانت الطرق، وكيف كانت الأفراح، وكيف كان الناس يتعاونون في تفاصيل حياتهم، وعندها يدرك أن المسافة بين الجيلين ليست سنوات فحسب، بل عالمان كاملان من التغيير، وأن ما يراه اليوم من خدمات وسهولة لم يكن أمرًا بديهيًا، بل هو ثمرة تحولات طويلة عاشها المجتمع خطوة خطوة، وأن حفظ هذه التفاصيل ليس مجرد حنين، بل هو وعي بتاريخ المكان وبحجم ما جرى فيه من تبدل.

ومن أجمل ما صنع هوية أحد بني زيد قوة الروابط الاجتماعية التي ظلت لسنوات طويلة أحد أبرز ملامح المجتمعات المحلية في القنفذة، فالفرح لا يبقى داخل بيت واحد، والحزن لا يترك لأهله وحدهم، والنجاح يصبح مبعث فخر للأقارب والجيران، والمرض يستدعي السؤال والزيارة، والغائب تبقى أخباره حاضرة، والمسافر إلى مدينة بعيدة يظل ابن المكان مهما امتدت به الطرق، وهذه العلاقة هي أحد أسرار بقاء القرية في ذاكرة أبنائها حتى بعد أن يسكنوا مدنًا أخرى، فالإنسان قد يغير عنوان منزله لكنه لا يغير بسهولة عنوان ذاكرته، ولهذا يظل ابن المكان يحمل تفاصيله معه، أسماء الرجال، مواقع البيوت، ملامح الطرق، أصوات المساجد، روائح المواسم، وحكايات الطفولة، وقد يعود بعد غياب طويل فيظن للحظة أن المكان تغير كله، ثم يكتشف أن شيئًا عميقًا في داخله لم يتغير.

وكانت المجالس في حياة المجتمع القديم مدارس كاملة للحياة، قبل أن تتعدد وسائل الاتصال وقنوات المعرفة، ففي المجلس لا تقدم القهوة وحدها، بل تقدم معها الحكاية والخبرة والرأي والموقف، ويجلس الشاب إلى جوار الكبير فيسمع أسماء رجال سبقوا، وحوادث جرت، وسنوات قحط ورخاء، ومواسم مطر، ومواقف كرم، ورحلات قديمة، وقصص خلاف انتهى بالصلح، وأخرى بدأ فيها معروف صغير فتحول إلى عهد طويل من المودة، وكانت هذه المجالس سجلات شفوية للمكان، ولولا ما حفظته صدور الرجال لضاعت تفاصيل كثيرة لم تجد طريقها إلى الوثائق، فليس كل التاريخ قرارات رسمية وتواريخ مكتوبة، بل ثمة تاريخ أكثر دفئًا هو تاريخ الإنسان، كيف عاش، وكيف بنى بيته، وكيف استقبل ضيفه، وكيف ربى أبناءه، وكيف تعامل مع الأرض والمطر والسوق والجوار، وهذه الأسئلة الصغيرة هي التي تصنع الصورة الكبرى لأي مكان.

والأسواق الشعبية بدورها كانت من أهم ملامح الحياة القديمة، فلم يكن السوق الأسبوعي متجرًا لبيع السلع فحسب، بل كان موعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا تتقاطع فيه طرق القرى، يأتي إليه صاحب المزرعة بما عنده، ويجيء البائع بسلعته، ويلتقي رجال لم تجمعهم أيام الأسبوع، وتتبادل الأخبار، وتعقد المعاملات، وتبدأ علاقات وتنتهي أخرى، وكان الطريق إلى السوق جزءًا من طقوس الحياة، ومن هنا ارتبطت أسماء بعض المراكز والمواضع بأيام الأسواق حتى صار اليوم جزءًا من هوية المكان، ولم تعد أسماء الأحد والثلاثاء والخميس والسبت مجرد أيام في الذاكرة المحلية، بل أسماء تحمل معها حركة الناس ولقاءاتهم وتجارتهم وحكاياتهم ومساراتهم.

وعرفت قرى أحد بني زيد الأرض وعرفت الأرض أهلها، وكانت الزراعة في مراحل سابقة بابًا من أبواب الرزق ومدرسة للصبر في الوقت نفسه، فالفلاح لا يستطيع استعجال النبتة، وإنما يحرث ويزرع وينتظر ويرقب السماء ويحسب الموسم، ويتعلم أن بين البذرة والحصاد زمنًا لا يمكن اختصاره، ومن هنا اكتسب إنسان الريف شيئًا من فلسفة الأرض نفسها، الصبر، والانتظار، والعمل الهادئ، ومع تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية تراجعت بعض أشكال الزراعة القديمة، لكن صورتها لم تغادر ذاكرة الكبار، وظلت أسماء الحقول وأدوات العمل وقصص المواسم باقية في البيوت والذاكرة، لا حنينًا إلى المشقة، بل تقديرًا لجيل صنع حياته بما أتيح له ولم ينتظر الحياة حتى تصبح سهلة.

وحين تكتب سيرة القرى بإنصاف لا يجوز أن تمر على المرأة مرورًا عابرًا، ففي البيوت القديمة كانت المرأة شريكة كاملة في صناعة الحياة، تدير شؤون المنزل، وتربي الأبناء، وتحفظ صلات القربى، وتشارك في أعمال الأسرة، وتستقبل الضيفات، وتشارك المجتمع أفراحه وأحزانه، وكانت الجدات خزائن حقيقية للذاكرة، يحفظن الأسماء والأنساب والحكايات والأمثال والمناسبات، ويعرفن من تزوج من، ومن انتقل من أين، وما قصة هذا البيت، ومتى حدثت تلك الواقعة، وكم من تاريخ محلي بقي حيًا لأن امرأة مسنة ظلت ترويه لأحفادها، ولذلك فإن ذاكرة أحد بني زيد ليست ذاكرة الرجال وحدهم، بل هي أيضًا ذاكرة الأمهات اللواتي صنعن داخل البيوت أجيالًا خرج منها المعلم والطبيب والعسكري والموظف والتاجر والمثقف.

وحين دخل التعليم النظامي واتسعت المدارس بدأ فصل جديد من حكاية المكان، فقد صار الطفل الذي عرف آباؤه حياة محدودة الخيارات يرى أمامه طريقًا أوسع يمتد من مقاعد الدراسة إلى الجامعات والمهن والمدن المختلفة، ولم تعد القرية نهاية الطريق، بل أصبحت بدايته، وخرج من أبناء المراكز والقرى معلمون وضباط وأطباء ومهندسون وإداريون وأكاديميون وأصحاب أعمال، وانتقل كثير منهم إلى مدن المملكة المختلفة، لكن القرية بقيت حاضرة في سيرهم وذاكرتهم، وهذا من أجمل وجوه التحول الوطني، أن ابن القرية لم يكن مضطرًا إلى التخلي عن جذره كي يصل، بل حمل جذره معه إلى فضاءات أوسع، وعاد بعضهم إلى مكانه بصورة أخرى، طبيبًا يعالج، أو معلمًا يربي، أو مسؤولًا يحمل هم احتياجات مجتمعه، أو مثقفًا يوثق تاريخه، وهكذا يصبح التعليم دائرة تبدأ من المكان ثم تعود إليه.

وبقي المسجد في قلب القرية أحد أهم مكونات الحياة، فمن مآذنه يعرف الناس أوقات يومهم، وإليه تتجه خطواتهم خمس مرات، وفيه يلتقي الكبير بالصغير والغني بالفقير، وحوله تتشكل علاقة الناس بالقيم والتعليم والقرآن والمناسبات، ولم يكن المسجد مبنى منفصلًا عن الحياة، بل قلبًا داخلها، منه تخرج الجنائز فيسير المجتمع خلف الراحل مودعًا، وفيه تقام الصلوات الجامعة، وعند أبوابه يتصافح الناس، وفي حلقاته يتعلم الأطفال أول الحروف التي يقرأون بها كتاب الله، ومن منبره يسمع الناس الموعظة، وهذه التفاصيل صنعت للقرية توازنها الأخلاقي والاجتماعي، وكانت من أسباب حفظ قيم التراحم والتواصل بين أبنائها.

وأحد بني زيد اليوم ليس محصورًا في حدوده الجغرافية، فأبناؤه منتشرون في مدن متعددة، يعملون في ميادين مختلفة، ويحمل كل واحد منهم شيئًا من المكان أينما ذهب، وهذه الصورة الحديثة للقرية تجعلها أكبر من جغرافيتها، فهي هوية تنتقل مع أبنائها، وقد يولد الابن بعيدًا عنها لكنه يعرف بيت جده، ويحفظ أسماء أقاربه، وينتظر مناسبة يعود فيها إلى أهله، ويعرف نفسه بانتمائه إلى موطن أسرته، وهكذا تنتقل الأمكنة بين الأجيال، لا بالملكية وحدها، بل بالرواية، يقول الأب لابنه هنا كان بيت جدك، وهذا الطريق كنا نسلكه، وهناك عشنا، وفي هذا الموضع حدثت قصة ما زال الناس يذكرونها، وبهذه الجمل البسيطة تستمر الذاكرة.

وحين تغيرت الطرق تغير معنى المسافة، فما كان يحتاج قديمًا إلى وقت وجهد أصبح اليوم رحلة قصيرة، والطريق حين يشق لا يصل بين نقطتين فقط، بل يصل الطالب بمدرسته، والمريض بمستشفاه، والمزارع بسوقه، والموظف بعمله، والأسرة بأقاربها، ولهذا يصبح الطريق جزءًا من قصة التنمية، لا مجرد إسفلت، ومع توسع الخدمات والسفلتة والإنارة والمرافق تغيرت حياة القرى ومداخلها، وطويت صفحات من العزلة القديمة، غير أن التنمية الحقيقية ليست أن تتحول القرية إلى نسخة صغيرة من المدينة، بل أن تحصل على حاجات العصر وتحفظ في الوقت نفسه روحها، وأن توجد الطرق دون أن يضيع الترابط، وأن تصل التقنية دون أن تنقطع المجالس، وأن تتطور البيوت دون أن تغلق أبوابها أمام الجار، وأن يتعلم الأبناء في أفضل الجامعات دون أن يشعروا أن العودة إلى قريتهم عودة إلى الوراء، فالأصالة ليست نقيض الحداثة، والتراث ليس رفضًا للمستقبل، وإنما أجمل المجتمعات هي التي تعرف كيف تتقدم دون أن تنسى نفسها.

وتحتفظ كل قرية بأسماء رجال لا تظهر أسماؤهم في كتب التاريخ، لكن المكان يعرفهم جيدًا، رجل كان يصلح بين الناس، وآخر اشتهر بالكرم، وثالث كان باب بيته مفتوحًا، ورابع علّم أجيالًا، وخامس عرف بالحكمة، وسادس كان الناس يقصدونه في الملمات، وهؤلاء هم جزء أصيل من التاريخ الاجتماعي، فالتاريخ لا يصنعه المشاهير وحدهم، بل تصنعه أيضًا الشخصيات الهادئة التي عاشت داخل مجتمع صغير وتركت أثرًا أكبر من المساحة التي عاشت فيها، وقد يموت الرجل ثم يبقى اسمه حيًا لعشرات السنين في جملة بسيطة يرددها الناس، كان رجلًا لا يرد محتاجًا، أو كان صاحب مروءة، أو كان من أهل الإصلاح، وأي سيرة أعظم من أن يبقى الإنسان بعد رحيله دعاءً حسنًا على ألسنة الناس.

وحين نتأمل أحد بني زيد ندرك أن الوطن لا تصنعه المدن الكبرى وحدها، بل تصنعه كذلك القرى والمراكز والهجر والوديان والبيوت المتناثرة في السهول، فكل مكان يضيف لونًا إلى صورة المملكة الكبرى، ومن هنا فإن الحديث عن أحد بني زيد ليس حديثًا عن مساحة محلية معزولة، بل هو قراءة في نموذج من نماذج التحول السعودي الكبير، جيل عاش شظف الحياة، وجيل شهد بداية الخدمات، وجيل دخل المدارس والجامعات، وجيل يعيش اليوم عصرًا رقميًا مفتوحًا على العالم، وربما تجتمع هذه المراحل كلها في بيت واحد، جد ولد في زمن مختلف، وأب شهد التحولات الكبرى، وحفيد يمسك هاتفًا يصل به إلى أقصى الدنيا، ثلاثة أجيال وثلاثة عوالم وبيت واحد، وهذه من أكثر صور التحول الاجتماعي إدهاشًا.

وللمكان معنى خاص عند من يغادره، فالذي يبقى فيه كل يوم قد يألف تفاصيله حتى لا ينتبه إليها، أما الغائب فتتحول التفاصيل الصغيرة في ذاكرته إلى كنوز، يتذكر الطريق، ورائحة التراب بعد المطر، وصوت مؤذن عرفه في طفولته، ومجلسًا كان يجلس فيه أبوه، وشجرة أمام منزل قديم، ورجلًا مسنًا كان يحييه كلما مر، وتصبح أشياء لم تكن تلفت الانتباه يومًا أسبابًا كاملة للحنين، وهذا هو سر الأمكنة الأولى، فهي لا تطالب أبناءها بأن يتذكروها، بل تسكنهم من البداية، وقد يعود الإنسان بعد غياب طويل فيرى أن بيتًا هدم، وطريقًا اتسع، ومتجرًا تغير، ووجوهًا غابت، فيشعر للحظة أنه يبحث عن قريته القديمة داخل القرية الجديدة، ثم يسمع اسمًا يعرفه، أو يلتقي وجهًا يشبه وجه أبيه، أو يعبر موضعًا حفظه في طفولته، فيعود المكان كله دفعة واحدة.

وليس من الوفاء للمكان أن نحوله إلى متحف للماضي، كما أنه ليس من الوفاء أن نهدم ذاكرته باسم المستقبل، وإنما المطلوب أن يمشي الاثنان معًا، أن نوثق أسماء المواضع قبل أن تضيع، وأن نسأل كبار السن قبل أن ترحل معهم الحكايات، وأن نحفظ الصور القديمة والوثائق والروايات، وأن نعرف كيف عاش السابقون لا لأننا نريد العودة إلى حياتهم، بل لأننا نريد معرفة الطريق الذي أوصلنا إلى حياتنا، فكل جيل مدين لمن قبله بشيء، والذاكرة صورة من صور رد الدين، ومن هنا تصبح الكتابة عن أحد بني زيد مسؤولية ثقافية قبل أن تكون متعة أدبية، لأن هناك أسماء لا تزال بحاجة إلى توثيق، وحكايات لم تكتب، وشخصيات لم تدون سيرها، وصورًا قديمة محفوظة في البيوت، ومواضع تحمل أسماء ربما لا يعرف الجيل القادم قصتها ما لم ترو له اليوم، وإنقاذ هذه الذاكرة ليس ترفًا، بل حفظ لجزء من تاريخ القنفذة.

وحين يذكر اسم القنفذة يذهب الخيال سريعًا إلى البحر والساحل والميناء القديم والأسواق والتاريخ التجاري، لكن القنفذة أوسع من شاطئها، وخلف الساحل عالم كامل من المراكز والأودية والقرى والمزارع والطرق القديمة، وأحد بني زيد واحد من الوجوه التي تكمل صورة المحافظة، وجه الأرض الداخلية، وجه القرية، وجه الوادي، وجه المجتمع المتماسك، وجه الإنسان الذي صنع حياته بعيدًا عن ضجيج المدن الكبرى لكنه كان شريكًا أصيلًا في نهضة وطنه، ولذلك فإن من يريد قراءة القنفذة قراءة صحيحة لا يجوز له أن يقف على شاطئها فقط، بل عليه أن يتجه إلى الداخل، ويسلك طرق القرى، ويسمع أسماء المواضع، ويجلس إلى كبار السن، ويسأل عن الأرض والسوق والوادي والمزرعة، عندها فقط سيدرك أن القنفذة ليست مدينة تطل على البحر، بل عالم كامل يمتد من الموج غربًا إلى القرى والأودية والمرتفعات شرقًا.

والأماكن تصنع شيئًا في أبنائها، طريقة الكلام، وطبيعة العلاقات، ونظرتهم إلى الضيف، وصلتهم بالأقارب، وقدرتهم على الصبر، بل حتى تفاصيل المزاح والحزن والفرح قد تحمل شيئًا من بيئة المكان، لكن الإنسان في المقابل يعيد تشكيل المكان، يبني فيه، ويزرع، ويفتح طريقًا، ويقيم مدرسة، ويبني مسجدًا، ويؤسس مشروعًا، ويزرع شجرة، ثم يأتي جيل آخر فيجد أثره دون أن يعرف ربما اسم صاحبه، وهكذا تستمر الحضارة المحلية، جهود صغيرة تتراكم حتى تصبح مكانًا كاملًا، ولو نزعت من قرية ما جميع آثار الذين عاشوا فيها لما بقي منها سوى التراب، فالإنسان هو الذي يمنح الأرض معناها.

وليس لأحد بني زيد خاتمة، لأن الحديث عن المكان الحي لا ينتهي بكلمة كان، فهناك أطفال يذهبون كل صباح إلى مدارسهم وسيصبح بعضهم بعد أعوام أطباء ومهندسين ومعلمين وقادة، وهناك أسر تبني بيوتًا جديدة، وشوارع تتغير، ومشروعات تولد، وأجيال ترحل وأخرى تأتي، وكل يوم يضيف سطرًا إلى كتاب المكان، وقد تختلف هيئة أحد بني زيد بعد عشرين عامًا كثيرًا عما نراه اليوم، لكن السؤال الأهم سيظل حاضرًا، كم بقي من روحه، فإذا ظل أبناؤه يعرفون بعضهم، وإذا بقي الكبير مكرمًا، والجار قريبًا، والضيف مرحبًا به، والرحم موصولًا، والماضي محفوظًا، والأجيال فخورة بالمكان دون أن تنغلق فيه، فإن أحد بني زيد لن يفقد نفسه مهما تغير شكله، لأن هوية الأمكنة الحقيقية ليست في الحجر وحده، بل في المعنى.

وفي نهاية الرحلة تبدو أحد بني زيد أكثر من مركز يقع إلى الشرق من القنفذة، إنها مجموعة كبيرة من الذكريات الموزعة بين القرى والأودية والبيوت والطرقات، هي أسماء رجال مضوا، وأمهات تركن الدعاء في زوايا المنازل، وأطفال كبروا ثم غادروا وعادوا، ومجالس اختفت وبقيت أحاديثها، ومزارع تغيرت وبقيت أسماؤها، وطرق سلكتها أقدام لم تعد بيننا، إنها المكان حين يتحول إلى سيرة، والجغرافيا حين تصبح ذاكرة، والأرض حين يكتب الإنسان عليها تاريخه دون حبر، وعندما يقف ابن أحد بني زيد اليوم أمام أرضه فإنه لا يقف أمام تراب فقط، بل يقف فوق طبقات من الزمن، هنا مشى أبوه، ومن هنا عبر جده، وفي هذا الفضاء عاش أناس حملوا هم الحياة قبله، وزرعوا وحصدوا وبنوا وفرحوا وحزنوا، ثم مضوا وتركوا له المكان أمانة، ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يقال في أحد بني زيد ليس تعداد مبانيه ولا طرقه ولا خدماته، بل أن يقال إن هنا ظل الإنسان وفيًا للأرض، وظلت الأرض تحفظ أسماء أبنائها، وما بين الاثنين كتبت حكاية أحد بني زيد، حكاية مكان من أرض القنفذة، عتيق الجذور، متجدد الحياة، يمضي إلى مستقبله وفي قلبه شيء لا يشيخ من الماضي.