سلسلة المقالات الأدبية التوثيقية للإعلامي محمد عطية الشرقي

المصدر - حين تمضي شرقًا من مدينة القنفذة، وتدع زرقة البحر الأحمر وراء ظهرك شيئًا فشيئًا، تبدأ الأرض في تبديل ملامحها على مهل؛ تتراجع رائحة الساحل، وتتسع سهول تهامة، ثم تلوح الجبال من بعيد وكأنها تستقبل العابر إلى وجهٍ آخر من وجوه المحافظة، وهناك، على مسافة تقارب ثمانيةً وستين كيلومترًا شرقي مدينة القنفذة، يستقر خميس حرب؛ مركزًا عريقًا في ذاكرة المكان، ومجتمعًا تشكلت حكايته بين السهل والوادي والجبل، وظلت الأرض فيه أكثر من رقعة جغرافية، لأنها كانت للناس موطنًا وذاكرةً ورزقًا وانتماءً ممتدًا عبر الأجيال.
ولخميس حرب مكانة خاصة في الخارطة الإدارية لمحافظة القنفذة؛ فهو أحد مراكزها التسعة، ويتبع إداريًا لمنطقة مكة المكرمة، ويصنف مركزًا من الفئة «ب»، وهو المركز الوحيد من هذه الفئة بين مراكز المحافظة، في حين تنتمي المراكز الثمانية الأخرى إلى الفئة «أ»، غير أن قيمة المكان في حقيقته لا تختصرها الفئات والتقسيمات الإدارية، فلكل أرض تاريخها الخاص، ولكل مجتمع وزنه بما صنعه أبناؤه وما تركته الأيام فيه من أثر.
ولعل أول ما يلفت النظر في خميس حرب هو ذلك التآلف الفريد بين طبيعة تهامة وملامح الجبال القريبة، فالمكان يقف في منطقة انتقال جغرافي تمنحه تنوعًا ظاهرًا؛ غربه يميل إلى الأرض الأكثر انبساطًا واتساعًا، وشرقه يقترب شيئًا فشيئًا من التضاريس الجبلية، وبينهما تتوزع الأودية والشعاب والقرى والأراضي التي التصقت حياة الناس بها منذ زمن بعيد.
وفي شمال المركز يمر وادي شَسَع، واحدًا من أبرز المعالم الطبيعية القريبة من خميس حرب، وهو اسم حاضر في جغرافية المكان وفي ذاكرة أهله، فلا تكاد الأودية في هذه الجهات تكون مجرد مجارٍ للمياه، بل هي خطوط حياة قديمة؛ حولها عرفت الأرض الزراعة، ومنها تشكلت مسارات التنقل، وعلى ضفافها نشأت مواطن وأماكن حفظ الناس أسماءها جيلاً بعد جيل.
والوادي في الذاكرة التهامية حكاية مستقلة؛ ينتظر الناس غيمه، ويرقبون مجراه، ويعرفون شعابه ومسالكه، فإذا أقبل موسم المطر تبدلت الأرض، وخرجت من سكونها، واخضر ما كان بالأمس ساكن اللون، وانحدرت المياه من الشعاب والمرتفعات لتعيد تشكيل المشهد، حتى يبدو المكان وكأنه يسترد في أيام المطر وجهًا آخر ظل مختبئًا تحت حرارة الصيف.
وفي خميس حرب تتجاور صور متعددة للطبيعة؛ أرض مفتوحة تمتد في بعض الجهات، ومناطق زراعية، وشعاب وأودية، ومرتفعات تظهر في الأفق، وقرى تتناثر في الجغرافيا كأنما اختارت كل واحدة منها موضعًا يعرفه أهلها وتعرفهم تربته، ومن هذا التنوع الطبيعي تشكلت حياة اجتماعية واقتصادية ظلت لسنوات طويلة مرتبطة بالأرض أكثر من ارتباطها بأي شيء آخر.
وقد عاشت مجتمعات خميس حرب والقرى المحيطة بها، شأن كثير من مجتمعات تهامة قديمًا، على مزيج من الزراعة وتربية المواشي والتجارة وما تمنحه البيئة المحلية من موارد، فكان الموسم الزراعي حدثًا في حياة الأسرة، وكانت الماشية جزءًا من الثروة، وكان السوق مساحةً تتجاوز البيع والشراء إلى التلاقي ومعرفة الأخبار وتبادل المنافع وتعزيز الروابط بين الناس.
ومن هنا يحمل اسم خميس حرب نفسه إيحاءً بذاكرة الأسواق الأسبوعية التي اشتهرت بها بلاد تهامة والحجاز؛ تلك الأسواق التي ارتبط كثير منها بيوم محدد من أيام الأسبوع حتى أصبح اليوم عَلَمًا على المكان، ولم تكن الأسواق في الأزمنة الماضية مجرد صفوف من الباعة، بل مؤسسات اجتماعية مفتوحة؛ يتلاقى فيها أهل القرى والأودية، ويعرض المزارع محصوله، ويأتي صاحب الماشية بما لديه، ويقضي الناس حوائجهم، ويتناقلون أخبارهم، ثم يعود كل منهم إلى قريته وفي ذاكرته شيء من حكايات ذلك اليوم.
وكان السوق، في زمن كانت فيه المسافات أشق والطرق أقل، بمثابة الموعد الذي تتقاطع عنده جهات متعددة، ولهذا بقيت الأسواق الشعبية من أهم مفاتيح فهم التاريخ الاجتماعي للمراكز والقرى في محافظة القنفذة، إذ تخبرنا عن حركة الناس، وعن طبيعة المنتجات، وعن صلات القرى بعضها ببعض، وعن عالم اقتصادي واجتماعي تشكل قبل أن تصل السيارات والطرق الحديثة ووسائل الاتصال إلى صورتها التي نعرفها اليوم.
أما لفظ حرب في اسم المركز، فهو متصل بالانتماء القبلي المعروف لأهالي هذه الديار من قبيلة حرب، وهي من القبائل العربية الكبيرة ذات الامتداد الواسع في غربي المملكة، وقد حفظ اسم المكان هذه الصلة حتى أصبح «خميس حرب» اسمًا مستقلاً حاضرًا في التقسيم الإداري والجغرافيا المحلية، جامعًا بين اسم السوق والمكان والانتماء الاجتماعي في عبارة واحدة تناقلتها الأجيال حتى استقرت عنوانًا معروفًا لهذا الجزء من محافظة القنفذة.
وللقبيلة في المجتمع القديم معنى يتجاوز النسب المجرد؛ فهي إطار للتكافل والحماية والتناصر وصلة الرحم وتحمل المسؤولية، وفي المجتمعات الريفية والبعيدة عن المدن الكبرى ظلت تلك الروابط عاملًا مهمًا في استقرار الناس وتعاونهم، فكان الجار سندًا لجاره، وكان صاحب الحاجة يجد من يقف معه، وكانت الأفراح والأتراح شأنًا اجتماعيًا عامًا تتقاسم فيه الأسر الحضور والمواساة والمساندة.
ولعل من أجمل ما بقي من تلك الملامح في مجتمعات خميس حرب حضور المجالس، وما تمثله من قيمة اجتماعية متوارثة، فالمجلس لم يكن مكانًا للضيافة وحدها، وإنما مدرسة غير مكتوبة للأخبار والأنساب والتاريخ المحلي والحكايات والأشعار ومعرفة الرجال والمواضع، وفي مجالس كبار السن بقيت أجزاء مهمة من تاريخ المكان محفوظة، بعضها لم يدخل كتابًا ولم تستوعبه وثيقة رسمية، لكنه ظل حيًا في الرواية الشفهية.
وتلك الرواية الشفهية تمثل كنزًا يستحق العناية، لأن تاريخ القرى لا يكتب كله في سجلات الدوائر الرسمية، بل إن بعضه يعيش في ذاكرة رجل كبير يعرف لماذا سميت هذه الأرض باسمها، وآخر يتذكر أول طريق مر من هنا، وثالثًا يعرف أسماء الآبار القديمة، ورابعًا يحفظ حكاية سوق أو موسم مطر أو سنة قحط أو بداية مدرسة أو وصول أول سيارة أو افتتاح أول مرفق خدمي عرفته القرية.
ومن هنا فإن تاريخ خميس حرب الحقيقي لا يمكن أن يقرأ من زاوية واحدة، فهو تاريخ أرض وإنسان معًا؛ تاريخ المنازل القديمة ومسالك الناس، وتاريخ المزارع والآبار والأودية، وتاريخ السفر من القرية وإليها، وتاريخ مجتمع كان يقيس المسافة بما تستغرقه الرحلة لا بما تظهره الخرائط الإلكترونية في ثوانٍ.
وقبل أن تعبر الطرق الحديثة هذه الجغرافيا، كانت حركة الناس بين القنفذة وداخلها ومرتفعات الشرق تقوم على مسارات يعرفها المسافرون وأصحاب القوافل وأهالي القرى، وكانت القنفذة بحكم موقعها الساحلي التاريخي مركزًا لحركة البشر والسلع، ولذلك لا تنفصل ذاكرة المراكز الواقعة شرقها عن تاريخ الطرق التي ربطت الساحل بداخل البلاد، ولا عن الرحلات القديمة التي كانت تمر بين تهامة والمرتفعات.
وفي الذاكرة المحلية لخميس حرب إشارات إلى طرق قديمة ومسالك للقوافل والحجاج والعابرين في جهات المركز، وهي روايات جديرة بأن تجمع على نحو علمي، وتدرس ميدانيًا، وتربط بما بقي من معالم الطريق والمواضع القديمة، لأن الطرق ليست ترابًا عابرًا فحسب؛ فهي شرايين التاريخ، وكل طريق قديم يعني أن أناسًا مروا من هنا، وحملوا بضائعهم وأخبارهم وذكرياتهم ودعواتهم، ثم مضوا وتركوا للمكان شيئًا من أثر خطاهم.
والجبال المحيطة بخميس حرب ليست خلفية جمالية للمشهد فقط، بل جزء من الشخصية الطبيعية للمكان؛ بها تتحدد الشعاب، ومنها تنحدر المياه، وحولها عرفت جماعات من السكان مواضع الرعي ومسارات التنقل، وهي كذلك عنصر بصري يميز المركز عن مناطق الساحل المنبسطة في غرب المحافظة.
ولهذا يستطيع القادم من مدينة القنفذة أن يشعر أثناء الطريق إلى خميس حرب بأنه ينتقل بين صورتين داخل محافظة واحدة؛ من أرض يسكن البحر أفقها الغربي، إلى أرض تتقدم فيها الجبال شيئًا فشيئًا حتى تغدو جزءًا من المشهد اليومي، وكأن القنفذة تريد أن تقول لزائرها هويتها ليست بحرًا فحسب، وإنما بحر ووادي وسهل وجبل في جغرافيا واحدة.
وفي مواسم الأمطار يتجلى هذا الاختلاف بأوضح صوره، فالأودية تمتلئ، والأرض تكسوها الخضرة في مواضع كثيرة، وتتبدل المساحات المفتوحة، ويظهر أثر الماء في النبات والتربة، ويتحول الطريق إلى لوحة طبيعية تتدرج فيها الخضرة مع الجبال والسحب، وهو مشهد عرفه أهل خميس حرب طويلًا وربطوا به مواسمهم وذاكرتهم الزراعية.
والزراعة هنا ليست موضوعًا اقتصاديًا وحسب، بل جزء من ثقافة المكان؛ فالمزارع القديم يعرف الأرض بطبيعتها، ويميّز مواقعها، ويعرف متى يزرع ومتى ينتظر المطر ومتى يحصد، ويستدل بما ورثه من خبرات الآباء، وكانت تلك المعرفة تنتقل بالتجربة والمعايشة، لا في الكتب والفصول.
وبجانب الزراعة، كانت تربية الأغنام والماشية إحدى صور الاقتصاد المحلي في كثير من قرى المركز، فالبيئة الريفية واتساع الأراضي ومواسم النبات جعلت الرعي نشاطًا مألوفًا، وكانت الماشية تمثل مصدر غذاء ودخل وادخار للأسرة، كما كانت حاضرةً في الأسواق والمناسبات والضيافة والحياة اليومية.
ثم جاءت التحولات الكبرى التي عرفتها المملكة في العقود الماضية، فتغيرت أنماط الحياة، ووصلت الطرق والخدمات، واتسعت حركة السيارات، وانتشرت الكهرباء والاتصالات، وازداد حضور الوظيفة والتعليم والتجارة الحديثة، فانتقل المجتمع من نمط الحياة الريفية التقليدية إلى حياة حديثة دون أن يفقد صلته الكاملة بماضيه.
وكان التعليم واحدًا من أبرز أبواب ذلك التحول، إذ فتح أمام أبناء وبنات خميس حرب آفاقًا جديدة، وحوّل المسافة بين القرية والمدينة من عائق إلى طريق يمكن عبوره، وأصبح الطالب الذي يبدأ تعليمه في مدارس المركز قادرًا على مواصلة دراسته في الجامعات والكليات، ثم العودة إلى مجتمعه طبيبًا أو معلمًا أو مهندسًا أو إداريًا أو عسكريًا أو متخصصًا في مجالات الدولة المختلفة.
والتعليم لا يغير الفرد وحده؛ بل يعيد تشكيل المجتمع بكامله، لأن كل جيل متعلم يضيف إلى المكان خبرة جديدة، ولذلك أصبح أبناء القرى الذين خرجوا إلى الجامعات والمدن جزءًا من قصة التطور في خميس حرب، يحملون معهم انتماءهم للمكان ولو أبعدتهم الوظائف والدراسة عنه.
ومما يعكس استمرار الاهتمام بالتعليم في المركز وجود عمل أهلي متخصص يخدم المجتمع التعليمي والطلاب والطالبات، وهو مؤشر على انتقال المجتمع من مرحلة انتظار الخدمة إلى مرحلة المشاركة في صناعتها؛ فالمؤسسات الأهلية الحديثة تمثل وجهًا جديدًا لقيمة قديمة عرفها الناس هنا منذ زمن، وهي التعاون من أجل المصلحة العامة.
كما يحضر العمل الخيري والاجتماعي في خميس حرب والقرى التابعة له من خلال مؤسسات أهلية تسعى إلى خدمة الأسر والمستفيدين، وهي امتداد مؤسسي لقيم التكافل القديمة التي عرفها المجتمع، غير أن الدولة الحديثة نقلت هذه القيم من صورتها الفردية والعائلية إلى أعمال منظمة لها أطرها وبرامجها وأنظمتها.
وفي الجانب الصحي، يخدم المركز مرفق للرعاية الصحية الأولية يقدم مجموعة من الخدمات الأساسية للأهالي، من طب الأسرة ومتابعة الأمراض المزمنة والتطعيمات ورعاية الأطفال والحوامل والأسنان، إلى الخدمات الطبية المساندة، وهي صورة من صور التحول الذي عاشه المكان عندما أصبحت الرعاية الصحية الحديثة أقرب إلى القرى مما كانت عليه في أزمنة مضت.
ومع نمو الخدمات والطرق والتعليم والاتصال بالعالم الأوسع، تغيرت تفاصيل كثيرة في حياة أهالي خميس حرب، لكن المكان ظل محتفظًا بملامح لا تصنعها التنمية المادية وحدها؛ بقيت القرابة، وبقيت المجالس، وبقيت معرفة الناس بعضهم ببعض، وبقي السؤال عن الكبير وزيارة المريض والوقوف مع صاحب المصاب وإكرام الضيف قيمًا حية تستند إلى ميراث اجتماعي طويل.
ولعل تلك الخصوصية هي أثمن ما يمكن أن يحفظه المكان وهو يمضي إلى المستقبل؛ فالتنمية الحقيقية لا تعني أن تصبح القرى نسخًا من المدن، وإنما أن تحصل على حقها من الخدمات والفرص والجودة مع بقاء شخصيتها وهويتها وذاكرتها المحلية.
وخميس حرب، بما يملكه من تنوع طبيعي وامتداد ريفي وقرب من الأودية والمرتفعات، يملك مقومات يمكن أن تجعل منه مساحة واعدة في السياحة الريفية والطبيعية متى ما جرى استثمارها بصورة تحفظ البيئة ولا تفسدها؛ فالزائر اليوم لا يبحث دائمًا عن المباني الضخمة والمشروعات المصطنعة، بل قد يبحث عن طريق جبلي، أو واد بعد المطر، أو مزرعة قديمة، أو سوق شعبي، أو حكاية يرويها شيخ كبير تحت ظل شجرة.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية أن ينظر إلى تاريخ خميس حرب بوصفه موردًا ثقافيًا، لا مجرد ماضٍ انتهى؛ فأسماء الجبال والأودية والآبار والقرى والمواضع، وحكايات الأسواق والطرق، وبدايات التعليم والخدمات، وقصص الرجال الذين أسهموا في حياة المجتمع، كلها عناصر تصلح لبناء ذاكرة محلية مكتوبة تحفظ للأجيال القادمة حقها في معرفة من سبقها.
فكم من اسم موضع يموت حين يموت آخر رجل يحفظ قصته، وكم من طريق قديم تبتلعه التوسعات ولا يبقى من خبره شيء، وكم من بئر ردمت، ومن مزرعة تغيرت، ومن منزل قديم اختفى، بينما كان في الإمكان أن يحفظ بالصورة والرواية والتوثيق.
والمشروع الحقيقي لحفظ ذاكرة خميس حرب يبدأ من كبار السن؛ منهم ينبغي أن تجمع الروايات، وعلى ألسنتهم توثق أسماء الأماكن، ومن ذاكرتهم تستعاد صور الحياة الأولى، ثم تقارن تلك الروايات بالوثائق والخرائط والصور القديمة، حتى يتحول التاريخ الشفهي المتفرق إلى سجل متماسك يليق بالمكان.
ولا يعني ذلك أن نتعامل مع كل رواية شعبية باعتبارها حقيقة تاريخية قاطعة؛ بل إن قيمة التوثيق تكمن في جمع الروايات ومقارنتها وتمييز ما ثبت منها عما بقي في دائرة الذاكرة الشعبية، وهكذا وحده يمكن أن نصنع تاريخًا أمينًا لا يبالغ ولا يهمل.
وحين نتأمل خميس حرب اليوم، فإننا لا نرى مركزًا إداريًا يقع شرقي القنفذة فحسب، وإنما نقرأ جزءًا من التحول السعودي الكبير الذي شهدته القرى والمراكز في أنحاء المملكة؛ من مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على موارده المحلية، إلى مجتمع تصل إليه الخدمات الحديثة، وينتمي أبناؤه إلى الجامعات والقطاعات الحكومية والخاصة، ويتصل بالعالم في اللحظة ذاتها التي يبقى فيها محتفظًا ببيت الأسرة ومجلس القرية وذاكرة الوادي.
وهذا التوازن بين القديم والجديد هو ما يمنح المكان جماله؛ فلا الماضي ينبغي أن يتحول إلى قيد يمنع المستقبل، ولا المستقبل ينبغي أن يصبح جرافة تمحو الماضي، وإنما الحضارة الحقيقية هي أن تعرف إلى أين تمضي، وأنت لا تزال تعرف من أين أتيت.
وخميس حرب يعرف من أين أتى؛ من أرضٍ عرفت المطر والجفاف، ومن وادٍ حفظ آثار السيل، ومن أسواق جمعت الناس، ومن بيوت تقاسمت الأفراح والأحزان، ومن رجال ونساء بنوا الأسرة، وعلموا الأبناء، وزرعوا الأرض، وحملوا للمكان اسمه وسمعته جيلاً بعد جيل.
وفي هذه الجهات الشرقية من محافظة القنفذة تكتسب الشمس عند المغيب مشهدًا مختلفًا؛ تنخفض خلف امتداد الأرض، وتبقى ظلال الجبال مرسومة في الأفق، ويسكن الطريق بعد يوم طويل، وكأن المكان يعود كل مساء إلى صمته القديم، ذلك الصمت الذي مر عليه أناس كثيرون وتغيرت أمامه أزمنة كثيرة لكنه بقي شاهدًا لا يتكلم.
ولو تكلمت أودية خميس حرب، لحدثتنا عن مواسم مطر مرت منذ عشرات السنين، وعن رجال عبروها على ظهور الدواب، وعن صبية كانوا يقطعون الطريق إلى مدارسهم، وعن مزارعين ينتظرون السحاب، وعن أمهات كن يودعن أبناءهن المسافرين ويترقبن عودتهم، وعن عالم كامل كان بسيط الأدوات، عظيم المعنى.
ولو تكلمت طرقها القديمة، لروت كيف كانت المسافات طويلة في حساب الناس، وكيف أصبح ما كان يستغرق مشقةً وزمنًا طريقًا تعبره المركبات اليوم في وقت يسير، ولعرف الجيل الجديد أن ما يراه من سهولة لم يكن دائمًا كذلك، وأن وراء كل طريق معبد حكاية تنمية طويلة عاشها الآباء والأجداد.
ولو تكلمت مجالسها، لقالت إن التاريخ ليس أسماء الحكام والسنوات وحدها، بل هو كذلك قصة رجل أصلح بين متخاصمين، وجار وقف مع جاره، ومعلم فتح لأول مرة أمام طفل نافذة القراءة، وأب باع من ماله ليعلّم ابنه، ومزارع بقي متعلقًا بأرضه حتى آخر العمر.
ذلك هو التاريخ الذي يستحق أن يكتب؛ تاريخ الناس العاديين الذين لا تدخل أسماؤهم الكتب عادةً، بينما هم الذين صنعوا الحياة اليومية للمكان، وبهم اكتسبت القرية روحها واستمر المجتمع.
وخميس حرب اليوم يقف على أرض ذات ماضٍ، ويتطلع كغيره من مراكز الوطن إلى مستقبل أوسع في التعليم والصحة والطرق والاستثمار والخدمات وجودة الحياة، ومن حق أهله أن تتواكب التنمية مع امتدادهم الجغرافي واحتياجات قراهم، وأن تصبح طبيعة المكان عنصر قوة في مستقبله، لا عائقًا أمام تطوره.
خميس حرب ليس محطةً عابرة في الطريق إلى الشرق، ولا اسمًا يرد ضمن قائمة المراكز الإدارية ثم ينتهي الأمر، بل صفحة كاملة من صفحات القنفذة؛ صفحة كتبت حروفها الأودية والجبال والأسواق والمزارع والبيوت، وكتب سطورها رجال ونساء ظلوا أوفياء لأرضهم حتى أصبحت الأرض تعرفهم كما يعرفونها.
وإذا كانت القنفذة قد عرفت تاريخيًا ببحرها وساحلها ومينائها القديم، فإن تمام صورتها لا يظهر إلا حين نلتفت من البحر شرقًا، ونسير مع الأودية والسهول حتى مشارف الجبال، فهناك تعيش مجتمعات صنعت جزءًا أصيلًا من هوية المحافظة، وكان خميس حرب واحدًا من أبرز تلك المواضع التي تذكرنا بأن القنفذة أوسع من ساحل، وأغنى من صورة واحدة.
هي محافظة يبدأ بعض تاريخها عند البحر، ولكنه لا ينتهي هناك؛ يمتد إلى حلي وواديها، والقوز وسهولها، والمظيلف ودوقة وسبت الجارة وكنانة وأحد بني زيد وثلاثاء الخرم، ويذهب شرقًا حتى خميس حرب، حيث تتبدل التضاريس وتبقى الهوية واحدة، وحيث يلتقي الإنسان بالأرض في قصة طويلة اسمها القنفذة.
وهنا، في خميس حرب، لا يحتاج المكان إلى كثير من الزينة كي يكون جميلًا؛ يكفيه وادٍ بعد المطر، وجبل في آخر الأفق، وطريق يمتد بين الأرض والسماء، وبيت يعرف أهله جيرانهم، وشيخ كبير ما زال يحفظ اسم موضع نسيته الخرائط، وطفل يمضي إلى مدرسته حاملًا في حقيبته مستقبلًا مختلفًا عما عرفه جده.
بين ذلك الشيخ وذلك الطفل تختصر سيرة خميس حرب كلها؛ ذاكرة تمضي من جيل إلى جيل، وأرض لا تتوقف عن رواية نفسها بصور مختلفة.
خميس حرب؛ أرضٌ إذا أقبل المطر اخضرت، وإذا جرى الوادي تحدثت، وإذا أقبل المساء أسندت الجبال رؤوسها إلى الأفق، وإذا سُئل أهلها عنها اختصروا كل هذه الجغرافيا في كلمة واحدة لا تحتاج إلى شرح طويل: الدار.
والدار لا تقاس بعدد مبانيها، ولا بطول طرقها، ولا بما تحمله الجداول الإدارية من أرقام، وإنما بما تتركه في قلوب أهلها حين يبتعدون عنها، وبذلك الشعور الغامض الذي يجعل ابن المكان يعرف أنه عاد قبل أن يرى بيته؛ لمجرد أن تلوح أمامه الجبال، أو يعرف انعطافة الطريق، أو يشم رائحة الأرض بعد المطر.
ومن تلك المعاني الكبيرة يستحق خميس حرب أن يحضر في «سِفر المكان وذاكرة الزمان»؛ لا باعتباره اسمًا في آخر خارطة القنفذة الشرقية، بل باعتباره حكاية إنسانٍ وأرض، وسوقٍ ووادي، وسهلٍ وجبل، وماضٍ ما يزال بعضه حيًا في صدور الرجال، ومستقبلٍ تمضي إليه الأجيال الجديدة وهي تحمل اسم المكان معها.
وهكذا يبقى خميس حرب شاهدًا على تلك الحقيقة التي تتكرر في كل قرية عريقة: أن الأماكن لا تشيخ ما دام هناك من يروي حكايتها، وأن الأرض لا تصبح تاريخًا منسيًا ما دام أبناؤها يعرفون أسماءها، وأن أعظم وفاء يمكن أن نقدمه للموطن الصغير هو أن نحفظ ذاكرته قبل أن تأخذها الأيام.
فهنا كانت خطى السابقين، وهنا تمضي خطى اللاحقين، وبين الخطوتين تاريخ طويل يستحق أن يكتب.
ولخميس حرب مكانة خاصة في الخارطة الإدارية لمحافظة القنفذة؛ فهو أحد مراكزها التسعة، ويتبع إداريًا لمنطقة مكة المكرمة، ويصنف مركزًا من الفئة «ب»، وهو المركز الوحيد من هذه الفئة بين مراكز المحافظة، في حين تنتمي المراكز الثمانية الأخرى إلى الفئة «أ»، غير أن قيمة المكان في حقيقته لا تختصرها الفئات والتقسيمات الإدارية، فلكل أرض تاريخها الخاص، ولكل مجتمع وزنه بما صنعه أبناؤه وما تركته الأيام فيه من أثر.
ولعل أول ما يلفت النظر في خميس حرب هو ذلك التآلف الفريد بين طبيعة تهامة وملامح الجبال القريبة، فالمكان يقف في منطقة انتقال جغرافي تمنحه تنوعًا ظاهرًا؛ غربه يميل إلى الأرض الأكثر انبساطًا واتساعًا، وشرقه يقترب شيئًا فشيئًا من التضاريس الجبلية، وبينهما تتوزع الأودية والشعاب والقرى والأراضي التي التصقت حياة الناس بها منذ زمن بعيد.
وفي شمال المركز يمر وادي شَسَع، واحدًا من أبرز المعالم الطبيعية القريبة من خميس حرب، وهو اسم حاضر في جغرافية المكان وفي ذاكرة أهله، فلا تكاد الأودية في هذه الجهات تكون مجرد مجارٍ للمياه، بل هي خطوط حياة قديمة؛ حولها عرفت الأرض الزراعة، ومنها تشكلت مسارات التنقل، وعلى ضفافها نشأت مواطن وأماكن حفظ الناس أسماءها جيلاً بعد جيل.
والوادي في الذاكرة التهامية حكاية مستقلة؛ ينتظر الناس غيمه، ويرقبون مجراه، ويعرفون شعابه ومسالكه، فإذا أقبل موسم المطر تبدلت الأرض، وخرجت من سكونها، واخضر ما كان بالأمس ساكن اللون، وانحدرت المياه من الشعاب والمرتفعات لتعيد تشكيل المشهد، حتى يبدو المكان وكأنه يسترد في أيام المطر وجهًا آخر ظل مختبئًا تحت حرارة الصيف.
وفي خميس حرب تتجاور صور متعددة للطبيعة؛ أرض مفتوحة تمتد في بعض الجهات، ومناطق زراعية، وشعاب وأودية، ومرتفعات تظهر في الأفق، وقرى تتناثر في الجغرافيا كأنما اختارت كل واحدة منها موضعًا يعرفه أهلها وتعرفهم تربته، ومن هذا التنوع الطبيعي تشكلت حياة اجتماعية واقتصادية ظلت لسنوات طويلة مرتبطة بالأرض أكثر من ارتباطها بأي شيء آخر.
وقد عاشت مجتمعات خميس حرب والقرى المحيطة بها، شأن كثير من مجتمعات تهامة قديمًا، على مزيج من الزراعة وتربية المواشي والتجارة وما تمنحه البيئة المحلية من موارد، فكان الموسم الزراعي حدثًا في حياة الأسرة، وكانت الماشية جزءًا من الثروة، وكان السوق مساحةً تتجاوز البيع والشراء إلى التلاقي ومعرفة الأخبار وتبادل المنافع وتعزيز الروابط بين الناس.
ومن هنا يحمل اسم خميس حرب نفسه إيحاءً بذاكرة الأسواق الأسبوعية التي اشتهرت بها بلاد تهامة والحجاز؛ تلك الأسواق التي ارتبط كثير منها بيوم محدد من أيام الأسبوع حتى أصبح اليوم عَلَمًا على المكان، ولم تكن الأسواق في الأزمنة الماضية مجرد صفوف من الباعة، بل مؤسسات اجتماعية مفتوحة؛ يتلاقى فيها أهل القرى والأودية، ويعرض المزارع محصوله، ويأتي صاحب الماشية بما لديه، ويقضي الناس حوائجهم، ويتناقلون أخبارهم، ثم يعود كل منهم إلى قريته وفي ذاكرته شيء من حكايات ذلك اليوم.
وكان السوق، في زمن كانت فيه المسافات أشق والطرق أقل، بمثابة الموعد الذي تتقاطع عنده جهات متعددة، ولهذا بقيت الأسواق الشعبية من أهم مفاتيح فهم التاريخ الاجتماعي للمراكز والقرى في محافظة القنفذة، إذ تخبرنا عن حركة الناس، وعن طبيعة المنتجات، وعن صلات القرى بعضها ببعض، وعن عالم اقتصادي واجتماعي تشكل قبل أن تصل السيارات والطرق الحديثة ووسائل الاتصال إلى صورتها التي نعرفها اليوم.
أما لفظ حرب في اسم المركز، فهو متصل بالانتماء القبلي المعروف لأهالي هذه الديار من قبيلة حرب، وهي من القبائل العربية الكبيرة ذات الامتداد الواسع في غربي المملكة، وقد حفظ اسم المكان هذه الصلة حتى أصبح «خميس حرب» اسمًا مستقلاً حاضرًا في التقسيم الإداري والجغرافيا المحلية، جامعًا بين اسم السوق والمكان والانتماء الاجتماعي في عبارة واحدة تناقلتها الأجيال حتى استقرت عنوانًا معروفًا لهذا الجزء من محافظة القنفذة.
وللقبيلة في المجتمع القديم معنى يتجاوز النسب المجرد؛ فهي إطار للتكافل والحماية والتناصر وصلة الرحم وتحمل المسؤولية، وفي المجتمعات الريفية والبعيدة عن المدن الكبرى ظلت تلك الروابط عاملًا مهمًا في استقرار الناس وتعاونهم، فكان الجار سندًا لجاره، وكان صاحب الحاجة يجد من يقف معه، وكانت الأفراح والأتراح شأنًا اجتماعيًا عامًا تتقاسم فيه الأسر الحضور والمواساة والمساندة.
ولعل من أجمل ما بقي من تلك الملامح في مجتمعات خميس حرب حضور المجالس، وما تمثله من قيمة اجتماعية متوارثة، فالمجلس لم يكن مكانًا للضيافة وحدها، وإنما مدرسة غير مكتوبة للأخبار والأنساب والتاريخ المحلي والحكايات والأشعار ومعرفة الرجال والمواضع، وفي مجالس كبار السن بقيت أجزاء مهمة من تاريخ المكان محفوظة، بعضها لم يدخل كتابًا ولم تستوعبه وثيقة رسمية، لكنه ظل حيًا في الرواية الشفهية.
وتلك الرواية الشفهية تمثل كنزًا يستحق العناية، لأن تاريخ القرى لا يكتب كله في سجلات الدوائر الرسمية، بل إن بعضه يعيش في ذاكرة رجل كبير يعرف لماذا سميت هذه الأرض باسمها، وآخر يتذكر أول طريق مر من هنا، وثالثًا يعرف أسماء الآبار القديمة، ورابعًا يحفظ حكاية سوق أو موسم مطر أو سنة قحط أو بداية مدرسة أو وصول أول سيارة أو افتتاح أول مرفق خدمي عرفته القرية.
ومن هنا فإن تاريخ خميس حرب الحقيقي لا يمكن أن يقرأ من زاوية واحدة، فهو تاريخ أرض وإنسان معًا؛ تاريخ المنازل القديمة ومسالك الناس، وتاريخ المزارع والآبار والأودية، وتاريخ السفر من القرية وإليها، وتاريخ مجتمع كان يقيس المسافة بما تستغرقه الرحلة لا بما تظهره الخرائط الإلكترونية في ثوانٍ.
وقبل أن تعبر الطرق الحديثة هذه الجغرافيا، كانت حركة الناس بين القنفذة وداخلها ومرتفعات الشرق تقوم على مسارات يعرفها المسافرون وأصحاب القوافل وأهالي القرى، وكانت القنفذة بحكم موقعها الساحلي التاريخي مركزًا لحركة البشر والسلع، ولذلك لا تنفصل ذاكرة المراكز الواقعة شرقها عن تاريخ الطرق التي ربطت الساحل بداخل البلاد، ولا عن الرحلات القديمة التي كانت تمر بين تهامة والمرتفعات.
وفي الذاكرة المحلية لخميس حرب إشارات إلى طرق قديمة ومسالك للقوافل والحجاج والعابرين في جهات المركز، وهي روايات جديرة بأن تجمع على نحو علمي، وتدرس ميدانيًا، وتربط بما بقي من معالم الطريق والمواضع القديمة، لأن الطرق ليست ترابًا عابرًا فحسب؛ فهي شرايين التاريخ، وكل طريق قديم يعني أن أناسًا مروا من هنا، وحملوا بضائعهم وأخبارهم وذكرياتهم ودعواتهم، ثم مضوا وتركوا للمكان شيئًا من أثر خطاهم.
والجبال المحيطة بخميس حرب ليست خلفية جمالية للمشهد فقط، بل جزء من الشخصية الطبيعية للمكان؛ بها تتحدد الشعاب، ومنها تنحدر المياه، وحولها عرفت جماعات من السكان مواضع الرعي ومسارات التنقل، وهي كذلك عنصر بصري يميز المركز عن مناطق الساحل المنبسطة في غرب المحافظة.
ولهذا يستطيع القادم من مدينة القنفذة أن يشعر أثناء الطريق إلى خميس حرب بأنه ينتقل بين صورتين داخل محافظة واحدة؛ من أرض يسكن البحر أفقها الغربي، إلى أرض تتقدم فيها الجبال شيئًا فشيئًا حتى تغدو جزءًا من المشهد اليومي، وكأن القنفذة تريد أن تقول لزائرها هويتها ليست بحرًا فحسب، وإنما بحر ووادي وسهل وجبل في جغرافيا واحدة.
وفي مواسم الأمطار يتجلى هذا الاختلاف بأوضح صوره، فالأودية تمتلئ، والأرض تكسوها الخضرة في مواضع كثيرة، وتتبدل المساحات المفتوحة، ويظهر أثر الماء في النبات والتربة، ويتحول الطريق إلى لوحة طبيعية تتدرج فيها الخضرة مع الجبال والسحب، وهو مشهد عرفه أهل خميس حرب طويلًا وربطوا به مواسمهم وذاكرتهم الزراعية.
والزراعة هنا ليست موضوعًا اقتصاديًا وحسب، بل جزء من ثقافة المكان؛ فالمزارع القديم يعرف الأرض بطبيعتها، ويميّز مواقعها، ويعرف متى يزرع ومتى ينتظر المطر ومتى يحصد، ويستدل بما ورثه من خبرات الآباء، وكانت تلك المعرفة تنتقل بالتجربة والمعايشة، لا في الكتب والفصول.
وبجانب الزراعة، كانت تربية الأغنام والماشية إحدى صور الاقتصاد المحلي في كثير من قرى المركز، فالبيئة الريفية واتساع الأراضي ومواسم النبات جعلت الرعي نشاطًا مألوفًا، وكانت الماشية تمثل مصدر غذاء ودخل وادخار للأسرة، كما كانت حاضرةً في الأسواق والمناسبات والضيافة والحياة اليومية.
ثم جاءت التحولات الكبرى التي عرفتها المملكة في العقود الماضية، فتغيرت أنماط الحياة، ووصلت الطرق والخدمات، واتسعت حركة السيارات، وانتشرت الكهرباء والاتصالات، وازداد حضور الوظيفة والتعليم والتجارة الحديثة، فانتقل المجتمع من نمط الحياة الريفية التقليدية إلى حياة حديثة دون أن يفقد صلته الكاملة بماضيه.
وكان التعليم واحدًا من أبرز أبواب ذلك التحول، إذ فتح أمام أبناء وبنات خميس حرب آفاقًا جديدة، وحوّل المسافة بين القرية والمدينة من عائق إلى طريق يمكن عبوره، وأصبح الطالب الذي يبدأ تعليمه في مدارس المركز قادرًا على مواصلة دراسته في الجامعات والكليات، ثم العودة إلى مجتمعه طبيبًا أو معلمًا أو مهندسًا أو إداريًا أو عسكريًا أو متخصصًا في مجالات الدولة المختلفة.
والتعليم لا يغير الفرد وحده؛ بل يعيد تشكيل المجتمع بكامله، لأن كل جيل متعلم يضيف إلى المكان خبرة جديدة، ولذلك أصبح أبناء القرى الذين خرجوا إلى الجامعات والمدن جزءًا من قصة التطور في خميس حرب، يحملون معهم انتماءهم للمكان ولو أبعدتهم الوظائف والدراسة عنه.
ومما يعكس استمرار الاهتمام بالتعليم في المركز وجود عمل أهلي متخصص يخدم المجتمع التعليمي والطلاب والطالبات، وهو مؤشر على انتقال المجتمع من مرحلة انتظار الخدمة إلى مرحلة المشاركة في صناعتها؛ فالمؤسسات الأهلية الحديثة تمثل وجهًا جديدًا لقيمة قديمة عرفها الناس هنا منذ زمن، وهي التعاون من أجل المصلحة العامة.
كما يحضر العمل الخيري والاجتماعي في خميس حرب والقرى التابعة له من خلال مؤسسات أهلية تسعى إلى خدمة الأسر والمستفيدين، وهي امتداد مؤسسي لقيم التكافل القديمة التي عرفها المجتمع، غير أن الدولة الحديثة نقلت هذه القيم من صورتها الفردية والعائلية إلى أعمال منظمة لها أطرها وبرامجها وأنظمتها.
وفي الجانب الصحي، يخدم المركز مرفق للرعاية الصحية الأولية يقدم مجموعة من الخدمات الأساسية للأهالي، من طب الأسرة ومتابعة الأمراض المزمنة والتطعيمات ورعاية الأطفال والحوامل والأسنان، إلى الخدمات الطبية المساندة، وهي صورة من صور التحول الذي عاشه المكان عندما أصبحت الرعاية الصحية الحديثة أقرب إلى القرى مما كانت عليه في أزمنة مضت.
ومع نمو الخدمات والطرق والتعليم والاتصال بالعالم الأوسع، تغيرت تفاصيل كثيرة في حياة أهالي خميس حرب، لكن المكان ظل محتفظًا بملامح لا تصنعها التنمية المادية وحدها؛ بقيت القرابة، وبقيت المجالس، وبقيت معرفة الناس بعضهم ببعض، وبقي السؤال عن الكبير وزيارة المريض والوقوف مع صاحب المصاب وإكرام الضيف قيمًا حية تستند إلى ميراث اجتماعي طويل.
ولعل تلك الخصوصية هي أثمن ما يمكن أن يحفظه المكان وهو يمضي إلى المستقبل؛ فالتنمية الحقيقية لا تعني أن تصبح القرى نسخًا من المدن، وإنما أن تحصل على حقها من الخدمات والفرص والجودة مع بقاء شخصيتها وهويتها وذاكرتها المحلية.
وخميس حرب، بما يملكه من تنوع طبيعي وامتداد ريفي وقرب من الأودية والمرتفعات، يملك مقومات يمكن أن تجعل منه مساحة واعدة في السياحة الريفية والطبيعية متى ما جرى استثمارها بصورة تحفظ البيئة ولا تفسدها؛ فالزائر اليوم لا يبحث دائمًا عن المباني الضخمة والمشروعات المصطنعة، بل قد يبحث عن طريق جبلي، أو واد بعد المطر، أو مزرعة قديمة، أو سوق شعبي، أو حكاية يرويها شيخ كبير تحت ظل شجرة.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية أن ينظر إلى تاريخ خميس حرب بوصفه موردًا ثقافيًا، لا مجرد ماضٍ انتهى؛ فأسماء الجبال والأودية والآبار والقرى والمواضع، وحكايات الأسواق والطرق، وبدايات التعليم والخدمات، وقصص الرجال الذين أسهموا في حياة المجتمع، كلها عناصر تصلح لبناء ذاكرة محلية مكتوبة تحفظ للأجيال القادمة حقها في معرفة من سبقها.
فكم من اسم موضع يموت حين يموت آخر رجل يحفظ قصته، وكم من طريق قديم تبتلعه التوسعات ولا يبقى من خبره شيء، وكم من بئر ردمت، ومن مزرعة تغيرت، ومن منزل قديم اختفى، بينما كان في الإمكان أن يحفظ بالصورة والرواية والتوثيق.
والمشروع الحقيقي لحفظ ذاكرة خميس حرب يبدأ من كبار السن؛ منهم ينبغي أن تجمع الروايات، وعلى ألسنتهم توثق أسماء الأماكن، ومن ذاكرتهم تستعاد صور الحياة الأولى، ثم تقارن تلك الروايات بالوثائق والخرائط والصور القديمة، حتى يتحول التاريخ الشفهي المتفرق إلى سجل متماسك يليق بالمكان.
ولا يعني ذلك أن نتعامل مع كل رواية شعبية باعتبارها حقيقة تاريخية قاطعة؛ بل إن قيمة التوثيق تكمن في جمع الروايات ومقارنتها وتمييز ما ثبت منها عما بقي في دائرة الذاكرة الشعبية، وهكذا وحده يمكن أن نصنع تاريخًا أمينًا لا يبالغ ولا يهمل.
وحين نتأمل خميس حرب اليوم، فإننا لا نرى مركزًا إداريًا يقع شرقي القنفذة فحسب، وإنما نقرأ جزءًا من التحول السعودي الكبير الذي شهدته القرى والمراكز في أنحاء المملكة؛ من مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على موارده المحلية، إلى مجتمع تصل إليه الخدمات الحديثة، وينتمي أبناؤه إلى الجامعات والقطاعات الحكومية والخاصة، ويتصل بالعالم في اللحظة ذاتها التي يبقى فيها محتفظًا ببيت الأسرة ومجلس القرية وذاكرة الوادي.
وهذا التوازن بين القديم والجديد هو ما يمنح المكان جماله؛ فلا الماضي ينبغي أن يتحول إلى قيد يمنع المستقبل، ولا المستقبل ينبغي أن يصبح جرافة تمحو الماضي، وإنما الحضارة الحقيقية هي أن تعرف إلى أين تمضي، وأنت لا تزال تعرف من أين أتيت.
وخميس حرب يعرف من أين أتى؛ من أرضٍ عرفت المطر والجفاف، ومن وادٍ حفظ آثار السيل، ومن أسواق جمعت الناس، ومن بيوت تقاسمت الأفراح والأحزان، ومن رجال ونساء بنوا الأسرة، وعلموا الأبناء، وزرعوا الأرض، وحملوا للمكان اسمه وسمعته جيلاً بعد جيل.
وفي هذه الجهات الشرقية من محافظة القنفذة تكتسب الشمس عند المغيب مشهدًا مختلفًا؛ تنخفض خلف امتداد الأرض، وتبقى ظلال الجبال مرسومة في الأفق، ويسكن الطريق بعد يوم طويل، وكأن المكان يعود كل مساء إلى صمته القديم، ذلك الصمت الذي مر عليه أناس كثيرون وتغيرت أمامه أزمنة كثيرة لكنه بقي شاهدًا لا يتكلم.
ولو تكلمت أودية خميس حرب، لحدثتنا عن مواسم مطر مرت منذ عشرات السنين، وعن رجال عبروها على ظهور الدواب، وعن صبية كانوا يقطعون الطريق إلى مدارسهم، وعن مزارعين ينتظرون السحاب، وعن أمهات كن يودعن أبناءهن المسافرين ويترقبن عودتهم، وعن عالم كامل كان بسيط الأدوات، عظيم المعنى.
ولو تكلمت طرقها القديمة، لروت كيف كانت المسافات طويلة في حساب الناس، وكيف أصبح ما كان يستغرق مشقةً وزمنًا طريقًا تعبره المركبات اليوم في وقت يسير، ولعرف الجيل الجديد أن ما يراه من سهولة لم يكن دائمًا كذلك، وأن وراء كل طريق معبد حكاية تنمية طويلة عاشها الآباء والأجداد.
ولو تكلمت مجالسها، لقالت إن التاريخ ليس أسماء الحكام والسنوات وحدها، بل هو كذلك قصة رجل أصلح بين متخاصمين، وجار وقف مع جاره، ومعلم فتح لأول مرة أمام طفل نافذة القراءة، وأب باع من ماله ليعلّم ابنه، ومزارع بقي متعلقًا بأرضه حتى آخر العمر.
ذلك هو التاريخ الذي يستحق أن يكتب؛ تاريخ الناس العاديين الذين لا تدخل أسماؤهم الكتب عادةً، بينما هم الذين صنعوا الحياة اليومية للمكان، وبهم اكتسبت القرية روحها واستمر المجتمع.
وخميس حرب اليوم يقف على أرض ذات ماضٍ، ويتطلع كغيره من مراكز الوطن إلى مستقبل أوسع في التعليم والصحة والطرق والاستثمار والخدمات وجودة الحياة، ومن حق أهله أن تتواكب التنمية مع امتدادهم الجغرافي واحتياجات قراهم، وأن تصبح طبيعة المكان عنصر قوة في مستقبله، لا عائقًا أمام تطوره.
خميس حرب ليس محطةً عابرة في الطريق إلى الشرق، ولا اسمًا يرد ضمن قائمة المراكز الإدارية ثم ينتهي الأمر، بل صفحة كاملة من صفحات القنفذة؛ صفحة كتبت حروفها الأودية والجبال والأسواق والمزارع والبيوت، وكتب سطورها رجال ونساء ظلوا أوفياء لأرضهم حتى أصبحت الأرض تعرفهم كما يعرفونها.
وإذا كانت القنفذة قد عرفت تاريخيًا ببحرها وساحلها ومينائها القديم، فإن تمام صورتها لا يظهر إلا حين نلتفت من البحر شرقًا، ونسير مع الأودية والسهول حتى مشارف الجبال، فهناك تعيش مجتمعات صنعت جزءًا أصيلًا من هوية المحافظة، وكان خميس حرب واحدًا من أبرز تلك المواضع التي تذكرنا بأن القنفذة أوسع من ساحل، وأغنى من صورة واحدة.
هي محافظة يبدأ بعض تاريخها عند البحر، ولكنه لا ينتهي هناك؛ يمتد إلى حلي وواديها، والقوز وسهولها، والمظيلف ودوقة وسبت الجارة وكنانة وأحد بني زيد وثلاثاء الخرم، ويذهب شرقًا حتى خميس حرب، حيث تتبدل التضاريس وتبقى الهوية واحدة، وحيث يلتقي الإنسان بالأرض في قصة طويلة اسمها القنفذة.
وهنا، في خميس حرب، لا يحتاج المكان إلى كثير من الزينة كي يكون جميلًا؛ يكفيه وادٍ بعد المطر، وجبل في آخر الأفق، وطريق يمتد بين الأرض والسماء، وبيت يعرف أهله جيرانهم، وشيخ كبير ما زال يحفظ اسم موضع نسيته الخرائط، وطفل يمضي إلى مدرسته حاملًا في حقيبته مستقبلًا مختلفًا عما عرفه جده.
بين ذلك الشيخ وذلك الطفل تختصر سيرة خميس حرب كلها؛ ذاكرة تمضي من جيل إلى جيل، وأرض لا تتوقف عن رواية نفسها بصور مختلفة.
خميس حرب؛ أرضٌ إذا أقبل المطر اخضرت، وإذا جرى الوادي تحدثت، وإذا أقبل المساء أسندت الجبال رؤوسها إلى الأفق، وإذا سُئل أهلها عنها اختصروا كل هذه الجغرافيا في كلمة واحدة لا تحتاج إلى شرح طويل: الدار.
والدار لا تقاس بعدد مبانيها، ولا بطول طرقها، ولا بما تحمله الجداول الإدارية من أرقام، وإنما بما تتركه في قلوب أهلها حين يبتعدون عنها، وبذلك الشعور الغامض الذي يجعل ابن المكان يعرف أنه عاد قبل أن يرى بيته؛ لمجرد أن تلوح أمامه الجبال، أو يعرف انعطافة الطريق، أو يشم رائحة الأرض بعد المطر.
ومن تلك المعاني الكبيرة يستحق خميس حرب أن يحضر في «سِفر المكان وذاكرة الزمان»؛ لا باعتباره اسمًا في آخر خارطة القنفذة الشرقية، بل باعتباره حكاية إنسانٍ وأرض، وسوقٍ ووادي، وسهلٍ وجبل، وماضٍ ما يزال بعضه حيًا في صدور الرجال، ومستقبلٍ تمضي إليه الأجيال الجديدة وهي تحمل اسم المكان معها.
وهكذا يبقى خميس حرب شاهدًا على تلك الحقيقة التي تتكرر في كل قرية عريقة: أن الأماكن لا تشيخ ما دام هناك من يروي حكايتها، وأن الأرض لا تصبح تاريخًا منسيًا ما دام أبناؤها يعرفون أسماءها، وأن أعظم وفاء يمكن أن نقدمه للموطن الصغير هو أن نحفظ ذاكرته قبل أن تأخذها الأيام.
فهنا كانت خطى السابقين، وهنا تمضي خطى اللاحقين، وبين الخطوتين تاريخ طويل يستحق أن يكتب.
