المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الجمعة 7 أغسطس 2026

سلسلة المقالات الأدبية التوثيقية للإعلامي محمد عطية الشرقي

سلسلة مشروع" القنفذة … سِفْرُ المكان وذاكرةُ الزَّمان 6 : وادي يبه … شريان الأرض وذاكرة الإنسان
محمد عطية الشرقي - المشرف العام رئيس التحرير
المصدر -  ليست الأودية في ذاكرة الشُّعوب مجرَّد مجارٍ طبيعيَّة تنتظر مواسم المطر، ولا أخاديد تشقُّ الأرض ثمَّ تنتهي عند البحر، بل هي مواطن للنَّشأة والاستقرار، ومسالك للسَّفر والعبور، ومصادر للماء والزَّرع، وصفحات مفتوحة كتبت الطَّبيعة فوقها سيرة الإنسان.

وعلى ضفاف الأودية نشأت التَّجمُّعات البشريَّة، وحُفرت الآبار، وامتدَّت المزارع، وسارت القوافل، وتعارف النَّاس، وتوارثت الأجيال أسماء الأرض، ومواضع الماء، وحكايات السُّيول، ومواسم الخصب والجفاف.

وفي جنوب المملكة، حيث تنحدر جبال السَّروات نحو سهول تهامة، وتتَّجه مياه الأمطار من الشَّرق إلى الغرب في رحلة طويلة بين الجبال والشِّعاب والسُّهول، يبرز وادي يَبَه بوصفه واحدًا من أشهر الأودية التِّهاميَّة وأعرقها، وأحد أبرز المعالم الطَّبيعيَّة والتَّاريخيَّة في جنوب محافظة القنفذة.

وادٍ لم يصنع الماء معالمه الجغرافيَّة وحدها، بل صنع حوله حياة كاملة، لها مزارعها، وطرقاتها، وأسواقها، وذاكرتها الممتدَّة منذ مئات السِّنين.

وادي يَبَه جنوب المملكة

يقع وادي يَبَه في نطاق مركز القوز جنوب محافظة القنفذة، في جنوب المملكة العربيَّة السُّعوديَّة، ويُعدُّ من أشهر الأودية التِّهاميَّة وأكبرها في هذه الجهة.

ويمتدُّ الوادي من الجهات الجبليَّة الشَّرقيَّة، منحدرًا من أعالي المرتفعات المتَّصلة بجبال السَّروات، مارًّا بالشِّعاب والأودية الفرعيَّة والمناطق الجبليَّة، ثمَّ يتَّجه غربًا نحو سهول تهامة، حتَّى يبلغ نطاق مركز القوز، وينتهي إلى ساحل البحر الأحمر.

وتذكر المصادر المتاحة أنَّ طول الوادي يقلُّ عن مئة كيلومتر بقليل، وأنَّ مجراه يقطع نطاقًا واسعًا من الأراضي التِّهاميَّة، ويتغيَّر اتِّساعه تبعًا لطبيعة الأرض، فيضيق في المواضع الصَّخريَّة والجبليَّة، ثمَّ يتَّسع عند وصوله إلى الأراضي المنبسطة والسُّهول التِّهاميَّة.

ويشكِّل الوادي بذلك طريقًا طبيعيًّا يصل الجبال بالسَّاحل، والمرتفعات بسهول تهامة، ويحمل معه مياه الأمطار والرَّواسب والطَّمي من الشَّرق إلى الغرب، حتَّى يصبَّ في البحر الأحمر.

ولذلك لم يكن وادي يَبَه مجرَّد مجرى موسميٍّ للسُّيول، بل كان شريانًا طبيعيًّا أسهم في تشكيل الأرض، وإخصاب التُّربة، وتغذية الآبار، وقيام المزارع، واستمرار الحياة على ضفافه.

يَبَه … اسم الأرض والموطن

يظهر اسم الوادي في الكتابات بصيغتين متقاربتين، هما يَبَه ويَبَة، إلَّا أنَّ صيغة «يَبَه» هي الأكثر تداولًا على ألسنة أهالي المنطقة، وفي الاستعمال المحلِّي المعاصر.

ولم يبقَ الاسم مقصورًا على مجرى الوادي وحده، بل اتَّسع مدلوله ليشمل نطاقًا جغرافيًّا واجتماعيًّا واسعًا، فقيل: وادي يَبَه، وساحل يَبَه، وأهل يَبَه.

وأصبح الاسم عنوانًا للأرض الممتدَّة حول الوادي، وللمجتمع الذي تكوَّن عبر أجيال متعاقبة داخل هذا المجال الجغرافي.

فحين يقال «ساحل يَبَه»، لا يراد بذلك مجرى الماء وحده، وإنَّما يراد به الأراضي الزِّراعيَّة، والمواضع، والتَّجمُّعات البشريَّة التي ارتبطت بالوادي، وتشكَّلت حياتها حوله.

وقد بلغت قوَّة حضور الاسم في الوجدان والتَّعريف المكاني أنَّ أهالي الوادي كانوا يعرِّفون أنفسهم به، وينسبون ميلادهم ونشأتهم إليه، فيقال: وُلد في يَبَه، أو هو من أهل يَبَه، وكأنَّ الاسم وحده يكفي للدَّلالة على رقعة واسعة من جنوب القنفذة.

يَبَه في الوثائق الرسمية والبطاقات القديمة

لم يكن اسم «يَبَه» حاضرًا في ألسنة الأهالي ورواياتهم الشَّعبيَّة فحسب، بل كان حاضرًا كذلك في بعض الوثائق والبطاقات الرسمية الشَّخصيَّة القديمة، إذ كان يُدوَّن في خانة مكان الميلاد اسم «يَبَه».

فكان المواطن من أبناء الوادي يجد في وثيقته أنَّ مكان ميلاده هو «يَبَه»، قبل أن تتوسَّع التَّقسيمات الإداريَّة الحديثة، ويغلب استخدام أسماء المحافظات والمراكز بصورتها الحاليَّة.

وتحمل هذه الإشارة الوثائقيَّة دلالة تاريخيَّة واجتماعيَّة مهمَّة، فهي تكشف أنَّ يَبَه لم تكن مجرَّد اسم لمجرى سيل، بل كانت موطنًا معلومًا، ونطاقًا جغرافيًّا معروفًا، وهويَّة مكانيَّة يُعرَّف بها الإنسان في وثيقته الرَّسميَّة.

وكان يكفي أن يُقال قديمًا إنَّ فلانًا وُلد في يَبَه، حتَّى يعرف السَّامع الأرض التي ينتسب إليها، وما يحيط بها من مزارع، ومواضع، ومسالك.

وهكذا أصبح اسم الوادي جزءًا من السِّيرة الشَّخصيَّة لأبنائه، يحمله الرَّجل في وثيقته، كما يحمله في ذاكرته، ولهجته، وانتمائه.

رحلة الماء من الجبال إلى البحر

تبدأ قصَّة وادي يَبَه من المرتفعات الشَّرقيَّة، حيث تهطل الأمطار على قمم الجبال وسفوحها، فتتجمَّع المياه في شقوق الصُّخور والشِّعاب الصَّغيرة، ثمَّ تتَّحد المجاري تدريجيًّا لتشكِّل روافد أكبر تصبُّ في الوادي الرَّئيس.

وفي أعالي الوادي تكون الأرض أكثر ارتفاعًا، ويكون المجرى أضيق وأشدَّ انحدارًا، فتحيط به الصُّخور والمرتفعات، وتتسارع فيه المياه عند غزارة الأمطار.

ثمَّ يبدأ الوادي بالاتِّساع كلَّما هبط نحو سهول تهامة، فتخفُّ حدَّة الانحدار، وتنتشر الرِّمال، والحصى، والرَّواسب، والطَّمي على جانبيه.

وعند وصوله إلى نطاق مركز القوز، يصبح مجراه أكثر انبساطًا واتِّساعًا، ويمرُّ بين الأراضي الزِّراعيَّة والمواضع المأهولة، ثمَّ يكمل طريقه نحو الغرب حتَّى ينتهي إلى ساحل البحر الأحمر.

وتتغيَّر هيئة الوادي بتغيُّر الفصول والأعوام، فقد يبدو في أوقات الجفاف أرضًا فسيحة هادئة، تتخلَّلها الأشجار والرِّمال وآثار المجاري القديمة، ثمَّ يتحوَّل عند هطول الأمطار الغزيرة على المرتفعات إلى مجرى هادر يحمل الماء، والحصى، والطَّمي، والأخشاب.

وفي الحالتين يبقى الوادي حاضرًا في حياة النَّاس، ففي هدوئه طريق، ومزرعة، ومرعى، ومجلس، وفي جريانه ماء، وخصب، وتجدُّد، مع ما قد يصاحب السُّيول الكبيرة من خوف، واحتياط، ومخاطر.

الوادي الذي صنع الأرض

لا تمرُّ السُّيول في وادي يَبَه دون أن تترك أثرًا واضحًا في الأرض.

فالمياه المنحدرة من الجبال تحمل معها الحصى، والرِّمال، والتُّربة الدَّقيقة، والموادَّ العضويَّة، ثمَّ تتباطأ سرعتها عند وصولها إلى السُّهول، فتترسَّب تلك الموادُّ على امتداد المجرى، وفي الأراضي المجاورة له.

ومع تكرار هذه العمليَّة عبر مئات السِّنين، تشكَّلت على ضفاف الوادي أراضٍ خصبة، وأصبحت مواضع عديدة صالحة للزِّراعة، والرَّعي، والاستقرار.

وكان السَّيل يجدِّد التُّربة، ويغيِّر بعض معالمها، ويضيف إليها طبقات جديدة من الطَّمي، وقد يفتح مجرى في موضع، ويغلق آخر، أو يوسِّع مجرى قديمًا، ويعيد رسم حدود بعض المزارع.

أمَّا المياه التي تتسرَّب إلى باطن الأرض، فتسهم في تغذية المخزون الجوفيِّ والآبار، ولذلك لا تقتصر قيمة الوادي على المياه التي يراها النَّاس جارية فوق سطحه، بل تمتدُّ إلى ما يختزن في باطن أرضه من مياه.

ومن هنا يمكن النَّظر إلى وادي يَبَه بوصفه منظومة طبيعيَّة متكاملة، تبدأ بالمطر في المرتفعات، ثمَّ تمرُّ بالشِّعاب، والرَّوافد، والمجرى الرَّئيس، وتنتهي بإخصاب التُّربة، وتغذية الآبار، والمزارع، والمراعي.

السُّيول بين الخصب والخطر

ارتبط سكَّان وادي يَبَه بالسَّيل بعلاقة تجمع الرَّجاء والحذر.

فالسَّيل عند أهالي الوادي بشارة بموسم الخصب، وعلامة على امتلاء الأرض بالماء، وتجدُّد المراعي، وتحسُّن حال الآبار، واستعداد المزارعين لموسم جديد.

وكان النَّاس ينتظرون أخبار الأمطار في المرتفعات، ويتناقلون أنباء الشِّعاب التي جرت، ويتوقَّعون زمن وصول الماء إلى السُّهول.

وحين يأتي السَّيل في مجراه المعتاد، وبمقدار متوازن، يحمل الخير والنَّماء، فتنتفع به المزارع، وترتوي الأرض، وتزداد النَّباتات والأعشاب.

لكنَّه قد يتحوَّل عند شدَّته إلى قوَّة عاتية، تهدِّد البيوت، والمزارع، والطُّرق، وتقطع مسالك النَّاس، وتجرف ما يقع في طريقها.

وتحتفظ الذَّاكرة المحلِّيَّة لوادي يَبَه بحوادث سيول كبيرة تركت أثرًا في حياة السُّكَّان، ومن أشهرها ما عُرف محلِّيًّا باسم سيل الجمعة (سيل جمعان)، الذي وقع في الثَّالث من رمضان سنة 1418هـ، وكان سببًا في أضرار واسعة، وتغيُّر بعض ملامح المكان، وانتقال عدد من السُّكَّان عن مواضعهم القديمة.

ولم تكن آثار السُّيول تقتصر على المباني، بل كانت تعيد أحيانًا تشكيل جغرافيَّة المكان، فقد تتحوَّل أرض زراعيَّة إلى مجرى، أو يردم الطَّمي بئرًا، أو تتغيَّر الطُّرق، أو تضطرُّ الأسر إلى الانتقال إلى مواضع أكثر أمنًا.

ولهذا تعلَّم أهالي الوادي، بتجارب الأجيال، أن يحترموا مجراه، وأن يراقبوا تغيُّراته، وأن يتجنَّبوا مواطن الخطر عند جريان السُّيول.

الزِّراعة على ضفاف يَبَه

كانت الزِّراعة من أقدم الأنشطة التي ارتبطت بحياة سكَّان وادي يَبَه.

فقد استفاد الأهالي من خصوبة التُّربة التي تجدِّدها السُّيول، ومن مياه الآبار، ومن الخبرات المتوارثة في معرفة المواسم، وأوقات الحرث، والبذر، والحصاد.

وعُرفت سهول الوادي بزراعة الحبوب، ولا سيَّما الذُّرة والدُّخن، إلى جانب عدد من المحاصيل الموسميَّة، والأعلاف، والخضراوات التي تختلف باختلاف الماء، والتُّربة، والفصل.

ولم تكن الزِّراعة مجرَّد وسيلة لكسب الرِّزق، بل كانت نظام حياة كاملًا، ترتبط بها مواسم النَّاس، وأعمالهم اليوميَّة، وعلاقاتهم الاجتماعيَّة، ومخزون بيوتهم من الطَّعام.

وكان الرَّجل يخرج إلى مزرعته في الصَّباح الباكر، ويتفقَّد الماء، والتُّربة، والمحصول، وتشارك الأسرة في الحصاد، وتنقية الحبوب، وتجفيفها، وتخزينها.

كما كان الأبناء يتعلَّمون منذ صغرهم أسماء الأراضي، والآبار، والمجاري، ويعرفون حدود المزارع، ومواضع الرَّعي، والعلامات التي يُستدلُّ بها على قرب المطر، أو وصول السَّيل.

وفي مواسم العمل الكبرى، يظهر التَّعاون بين الجيران والأقارب، فيجتمعون للحرث، أو الحصاد، أو إصلاح الآبار والمجاري، ضمن ما عُرف بالعونة، والتَّكافل، وتبادل الجهد.

وكان نجاح الموسم الزِّراعي فرحًا يتقاسمه المجتمع، كما كان ضعفه شأنًا ينعكس على حياة الجميع.

الرَّعي والثَّروة الحيوانيَّة

إلى جانب الزِّراعة، كان الرَّعي وتربية المواشي جزءًا مهمًّا من اقتصاد سكَّان الوادي.

فبعد مواسم الأمطار تخضرُّ ضفاف الوادي، وتنبت الأعشاب والنَّباتات، وتمتلئ المواضع المنخفضة بالمراعي التي تستفيد منها الإبل، والأغنام، والماعز، والأبقار.

وكانت المواشي مصدرًا للحليب، واللَّحم، والسَّمن، ووسيلة للنَّقل والعمل، وثروة تحفظها الأسرة وتعتني بها.

وقد عرف الرُّعاة مسالك الوادي، وشعابه، وأماكن الماء والظِّل، وكانوا يميِّزون بين النَّباتات النَّافعة للماشية، والمواضع التي ينبغي الابتعاد عنها.

وبذلك تكاملت الزِّراعة مع الرَّعي، فالأرض تنتج الحبوب والأعلاف، والمواشي توفِّر الغذاء وتخدم المزارع، والوادي يمنح الطَّرفين الماء والنَّبات.

أشجار الوادي وظلاله

تنتشر على ضفاف وادي يَبَه أنواع متعدِّدة من الأشجار والشُّجيرات التي تلائم البيئة التِّهاميَّة، ومن أبرزها الأثل، والطَّرفاء، والسَّمر، وغيرها من الأشجار البريَّة.

ولم تكن الأشجار مجرَّد منظر طبيعيٍّ، فقد ساعدت جذورها في تثبيت أجزاء من التُّربة، وخفَّفت من تأثير الرِّياح، ووفَّرت الظِّلَّ للإنسان والحيوان، وشكَّلت موائل للطُّيور والكائنات البريَّة.

كما استفاد الأهالي قديمًا من بعض الأشجار في الحطب، والبناء، وصناعة الأدوات البسيطة، واتَّخذوا من ظلالها مجالس ومحطَّات للرَّاحة خلال العمل في المزارع، أو الرَّعي، أو السَّفر.

وبقيت بعض الأشجار الكبيرة علامات مكانيَّة معروفة، فيقال الطَّريق الذي يمرُّ بالسَّمرات، أو الأرض التي تقع بجوار الأثلة، أو المجلس القريب من الطَّرفاء.

وهكذا تحوَّلت الشَّجرة في ذاكرة الوادي من نبات ينمو في الأرض إلى شاهد على المكان وحياة أهله.

الوادي وطريق القوافل والحجَّاج

أدَّى موقع وادي يَبَه بين الجبال والسَّاحل إلى جعله ممرًّا طبيعيًّا لحركة النَّاس والقوافل.

وكان الطَّريق السَّاحلي الممتدُّ بمحاذاة البحر الأحمر واحدًا من طرق السَّفر القديمة التي ربطت جنوب الجزيرة العربيَّة بالحجاز ومكَّة المكرَّمة، وسلكه التُّجَّار، والمسافرون، والحجَّاج في أزمنة مختلفة.

وقد احتاجت القوافل إلى مواضع يتوافر فيها الماء، والظِّلُّ، والأرض المنبسطة، ولذلك كانت الأودية الكبرى محطَّات طبيعيَّة للرَّاحة، والتَّزوُّد، والعبور.

وكانت ضفاف وادي يَبَه، بما فيها من أشجار، ومواضع مأهولة، وأراضٍ منبسطة، صالحة لاستراحة المسافرين والقوافل.

ولم يكن عبور القوافل مجرَّد حركة أشخاص، بل كان وسيلة لانتقال السِّلع، والأخبار، والمعارف، والعادات بين المناطق.

فقد كان أهالي الوادي يبيعون للمسافرين شيئًا من إنتاجهم، ويحصلون منهم على سلع قادمة من جهات أخرى، ويسمعون أخبار المدن، والبلدان، والطُّرق.

وهكذا لم يكن وادي يَبَه منعزلًا عن العالم من حوله، بل كان جزءًا من شبكة طرق، وحركة بشريَّة واسعة تصل جنوب الجزيرة العربيَّة بالحجاز.

الرَّحَّالة ووادي يَبَه

حظي وادي يَبَه بحضور في بعض كتابات الرَّحَّالة الذين مرُّوا بساحل القنفذة وتهامة خلال النِّصف الأوَّل من القرن الرَّابع عشر الهجريِّ.

ومن أشهرهم الرَّحَّالة هاري سانت جون فيلبي، المعروف لاحقًا باسم عبدالله فيلبي، الذي مرَّ بعدد من مواضع ساحل يَبَه في رحلاته بالمنطقة.

وتكتسب أوصاف الرَّحَّالة أهمِّيَّتها من كونها تسجِّل مشاهدات تعود إلى زمن سبق الطُّرق الحديثة والتَّوسُّع العمرانيَّ الكبير.

وتكشف تلك الأوصاف عن أرض زراعيَّة، وأشجار منتشرة، ومسالك عبور، وأسواق، ومواضع استراحة، وهو ما يقدِّم صورة عن الوادي في حقبة تاريخيَّة كانت الحياة فيها أكثر ارتباطًا بالطَّبيعة والماء والطَّريق.

لكنَّ هذه الكتابات ينبغي قراءتها بحذر، ومقارنتها بالرِّواية المحلِّيَّة، والوثائق، والخرائط، لأنَّ الرَّحَّالة قد يخطئ في سماع بعض الأسماء أو كتابتها، وقد تتدخَّل التَّرجمة في تغيير نطق الموضع أو وصفه.

الأسواق والتَّبادل الاجتماعيُّ

كان السُّوق في حياة أهالي وادي يَبَه أكثر من مكان لبيع السِّلع وشرائها، فقد كان ملتقى اجتماعيًّا، ومصدرًا للأخبار، وموعدًا يتقابل فيه النَّاس القادمون من جهات مختلفة.

وكان النَّاس يقصدون الأسواق حاملين ما لديهم من الحبوب، والسَّمن، والمواشي، والمنتجات الزِّراعيَّة، ويعودون بما يحتاجون إليه من أدوات، وملابس، وموادَّ غذائيَّة، وسلع لا تنتج محلِّيًّا.

وفي السُّوق تُعرف أخبار المطر والسُّيول، وتنتقل أخبار المسافرين، وتُعقد الصَّفقات، وتُحلُّ بعض الخلافات، وتتوثَّق العلاقات.

كما كانت الأسواق الأسبوعيَّة ترتبط بيوم معلوم، ويعرف النَّاس السُّوق باسم يوم انعقاده، أو باسم الموضع الذي يقام فيه.

وهكذا أدَّت الأسواق دورًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا مهمًّا، وأسهمت في ربط أطراف الوادي والمناطق المجاورة بعضها ببعض.

الحياة الاجتماعيَّة والتَّكافل

امتازت حياة أهالي وادي يَبَه قديمًا بقوَّة الرَّوابط الاجتماعيَّة، إذ كان النَّاس يعتمد بعضهم على بعض في كثير من شؤون الحياة.

ففي بناء البيوت، وحفر الآبار، وحصاد المزارع، وإقامة المناسبات، ومواجهة السُّيول، يظهر التَّعاون بين الأقارب والجيران.

وكان النَّاس يقفون مع صاحب الحاجة، ويعينون المريض، ويساعدون من تضرَّرت مزرعته أو بيته، ويستقبلون الضَّيف والمسافر.

كما كانت المجالس مواضع للتَّشاور، ونقل الأخبار، وحفظ الرِّوايات، وفيها يتعلَّم الصِّغار من الكبار أسماء الرِّجال، والأماكن، ويسمعون حكايات السُّيول، والمواسم، والأسفار.

ومن خلال هذه المجالس انتقلت الذَّاكرة الشَّفويَّة للوادي، فحفظت أسماء مواضع اندثرت، وآبار رُدمت، وطرق تغيَّرت، وأشجار قُطعت، وأناسًا تركوا أثرًا في حياة مجتمعهم.

المرأة في حياة الوادي

لم تكن المرأة بعيدة عن حياة الأرض والعمل في وادي يَبَه، بل شاركت في جوانب متعدِّدة من الحياة اليوميَّة.

فقد أسهمت في أعمال الحصاد، وتنقية الحبوب، وتجفيفها، وتخزينها، ورعاية الماشية، وإعداد الطَّعام، وجلب الماء، وتربية الأبناء، وحفظ موارد الأسرة.

كما كان لها دور أساسيٌّ في حفظ الموروث الاجتماعيِّ، من الأمثال، والأهازيج، والحكايات، وأسماء المواضع، والعادات المرتبطة بالمناسبات والمواسم.

وحملت نساء الوادي مسؤوليَّات كبيرة في الفترات التي يخرج فيها الرِّجال للسَّفر، أو التِّجارة، أو الرَّعي، فكنَّ عماد البيت، وحافظات تفاصيل الحياة اليوميَّة.

ولذلك فإنَّ توثيق تاريخ يَبَه لا ينبغي أن يقتصر على سير الرِّجال، والزِّراعة، والطُّرق، بل يشمل كذلك دور النِّساء اللَّواتي شاركن في صناعة مجتمع الوادي واستمراره.

التَّحوُّلات الحديثة

شهد وادي يَبَه خلال العقود الأخيرة تحوُّلات واسعة، نتيجة دخول التَّعليم، والخدمات، والطُّرق، والكهرباء، والاتِّصالات، وانتقال السُّكَّان من أنماط الحياة القديمة إلى أشكال جديدة من السَّكن والعمل.

فقد تقلَّص الاعتماد المباشر على الزِّراعة والرَّعي لدى كثير من الأسر، واتَّجه الأبناء إلى التَّعليم، والوظائف الحكوميَّة، والأعمال التِّجاريَّة، وانتقل بعضهم إلى المدن، مع بقاء صلتهم بأرضهم وموطنهم.

كما تغيَّر شكل البيوت، واختفت أجزاء من الطُّرق القديمة، وحلَّت الآلات محلَّ كثير من الأعمال اليدويَّة، وأصبحت وسائل النَّقل الحديثة تربط الوادي بالمراكز والمحافظات خلال وقت قصير.

ومع هذه التَّحوُّلات بقيت الذَّاكرة حاضرة، فما زال كبار السِّنِّ يروون حياة المزارع، والآبار، والأسواق، ويقارنون بين زمن الوادي القديم وحاضره.

غير أنَّ سرعة التَّغيُّر تضع أمام الأهالي والباحثين مسؤوليَّة كبيرة، فكثير من الأسماء والرِّوايات قد تضيع برحيل حفظتها، وبعض المعالم قد تختفي بفعل العمران، والسُّيول، والإهمال.

وادي يَبَه اليوم

لا يزال وادي يَبَه اليوم أحد أبرز المعالم الطَّبيعيَّة في جنوب القنفذة، ومتنفَّسًا يقصده الأهالي والزَّائرون، خصوصًا في مواسم الأمطار، وجريان المياه، واخضرار الأرض.

وقد أسهمت طبيعته، وما يتميَّز به من اتِّساع، وأشجار، ومجاري مياه، في جعله وجهة للمتنزِّهين، وعشَّاق التَّصوير والطَّبيعة.

ويكتسب الوادي جماله من اتِّساع مجراه، وتنوُّع تضاريسه، وتبدُّل ألوان أرضه بين الرِّمال والحصى والطَّمي، وما يظهر فيه من نباتات وأشجار بعد مواسم المطر.

لكنَّ الإقبال على الوادي يفرض مسؤوليَّة المحافظة عليه، ومنع رمي المخلَّفات، وحماية أشجاره وغطائه النَّباتيِّ، وعدم التَّعدِّي على مجاري السُّيول.

كما ينبغي توعية الزَّائرين بمخاطر الاقتراب من الوادي عند جريان السُّيول، وعدم عبور مجراه أثناء الأمطار، لأنَّ جمال المكان لا يلغي قوَّة الماء ولا خطورته.

مسؤوليَّة التَّوثيق والحفظ

تاريخ وادي يَبَه موزَّع بين الأرض، والوثيقة، والرِّواية الشَّفويَّة.

فجزء منه محفوظ في الكتب، والخرائط، والبطاقات القديمة، وجزء آخر محفوظ في أسماء الآبار، والمزارع، والطُّرق، والمواضع، وجزء كبير لا يزال في ذاكرة كبار السِّنِّ.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع توثيقيٍّ شامل يجمع تاريخ الوادي، ويوثِّق أسماء مواضعه القديمة، ومسارات السُّيول، والأسواق، والطُّرق، والحياة الزِّراعيَّة والاجتماعيَّة.

ويمكن أن يشمل هذا المشروع تسجيل مقابلات مصوَّرة مع كبار السِّنِّ، وجمع الوثائق والصُّور القديمة، وإعداد خريطة تاريخيَّة لمسار الوادي ومواضعه.

كما يمكن توثيق أسماء الآبار، والأراضي، والأشجار، والمعابر، وحفظ القصائد، والأهازيج، والأمثال المرتبطة بالمكان.

فإذا لم تُجمع هذه الذَّاكرة اليوم، فقد تضيع غدًا، وحينها سيبقى الوادي في الخرائط، لكنَّه سيفقد جانبًا كبيرًا من قصَّته الإنسانيَّة.

وادي يَبَه … ذاكرة لا يجرفها السَّيل

وادي يَبَه ليس مجرَّد ماء ينحدر من الجبل إلى البحر، بل هو تاريخ يسير في مجرى طويل.

في رماله آثار أقدام المسافرين، وفي ضفافه تعب المزارعين، وتحت أشجاره مجالس العابرين، وفي مسالكه حكايات أجيال عمرت الأرض وحفظتها.

عرف الوادي أعوام الخصب، وأعوام الجفاف، ومرَّت عبره القوافل، وعاشت على أرضه أجيال متعاقبة.

وتغيَّرت الحياة من حوله، لكنَّ اسمه بقي حاضرًا في ذاكرة النَّاس، وفي وثائقهم القديمة، وفي انتمائهم إلى الأرض.

إنَّه الوادي الذي جمع الجبل بالسَّاحل، وربط الماء بالإنسان، وحمل إلى تهامة الطَّمي، والخصوبة، والحياة.

وإذا كانت السُّيول قد غيَّرت بعض معالمه، وجرفت بعض البيوت والمزارع، فإنَّها لم تستطع أن تجرف ذاكرته.

فما زال وادي يَبَه حيًّا في أبنائه، حاضرًا في رواياتهم، ممتدًّا في ذاكرة المكان، وشاهدًا على قصَّة أرض صنعها الماء، وعمرها الإنسان، وحفظها التَّاريخ.

وادي يَبَه … ليس مجرى في الأرض فحسب، بل سِفرٌ من أسفار القنفذة، وذاكرةٌ تسير من جبال السَّروات حتَّى شاطئ البحر الأحمر.