المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الجمعة 24 يوليو 2026
نورٌ لا يُعكس.. القمر في سلسلة النور الإلهي من الله إلى سيدنا النبي ﷺ.
د.هاشم بن محمد الحبشي
بواسطة : د.هاشم بن محمد الحبشي 24-07-2026 02:53 مساءً 1.6K
المصدر -  
ليس الكونُ معجماً فيزيائياً صامتاً، بل هو ديوانٌ إلهيٌّ مفتوحٌ على مصراعيه، والشمسُ والقمرُ فيه قصيدتان متجاورتان، إحداهما تلهبُ البصرَ بضيائها، والأخرى تمسحُ الروحَ بنورها.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ).
وهنا يبرز سؤالٌ محوريٌّ في قلبِ التدبر:
لماذا خصَّ الله الشمسَ بالضياء، والقمرَ بالنور، ولم يقل فيهما لفظاً واحداً؟

الضياء.. صرخةُ النهارِ المقدسة:

الضياءُ في لسان العرب هو القوةُ التي تخطفُ الأبصارَ وتلهبُ المشاعر، وهو يليقُ بالشمس التي جعلها اللهُ مصدرَ الطاقةِ والحياة، يحرقُ الظلامَ بحسمِ الجبار، ويكتبُ على جبينِ الأرضِ فصولَها الأربعةَ بلا ترددٍ. هي آيةُ الجبروتِ العلني، التي لا تخفي وجهها عن أحد، لتقولَ للكونِ كله: "ها أنا ذا، فاعبدوا من أذن لي بهذه العظمة."

وأما النور.. فهو همسُ الليلِ البليغ، وحقيقةٌ وجوديةٌ لا تُختزلُ في معادلاتِ الانعكاسِ الباردة.

وهنا يقفُ المؤمنُ العارفُ وقفةَ إجلالٍ أمامَ سرٍّ إلهيٍّ عظيم: القمرُ في القرآنِ ليس مرآةً لضياءِ الشمسِ، ولا وعاءً لانعكاساتِها، بل هو نورٌ بذاتِه في ميزانِ الخلقِ والتقديرِ. اللهُ لم يقل: "والقمرَ مرآةُ الشمسِ"، بل قال(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا)، فجعله نوراً مستقلاً في وصفه، وأعطاه منزلةً في الوجودِ لا تنتظرُ إذنَ الفيزياءِ لتُثبتَ وجودَها.

إن النورَ في كتابِ اللهِ ليس ظاهرةً طبيعيةً تخضعُ لقوانينِ الانعكاسِ والامتصاصِ فحسب، بل هو حقيقةٌ إلهيةٌ تتجلى في مخلوقاتِه؛ فاللهُ تعالى وصفَ نفسَه بأنه (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وخلقَ الملائكةَ من نورٍ، وجعلَ القمرَ نوراً، وأضاءَ به الليلَ. فكيفَ لنا أن نختزلَ هذا النورَ المقدسَ في مجرَّدِ شعاعٍ منعكسٍ عن جرمٍ صخريٍّ باردٍ؟

بل إن أشرفَ المخلوقاتِ وأولَها في القدرِ والوجودِ، سيدُنا محمدٌ ﷺ، كان نوراً قبضه اللهُ من نورِه الأعلى، كما وردَ في أثرِ النبوةِ وسرِّ الخليقةِ. فكان نُورُه ﷺ سابقاً لجسمِه البشري، ومتقدماً على زمنِه الدنيوي، ليكون بذلك النورِ القُدسيِّ مفتاحَ الوجودِ، ونبراسَ الهدايةِ للعالمين.

فهل يعقلُ أن يكونَ نورُ خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين مجردَ انعكاسٍ لضوءِ غيرِه..؟! كلاَّ، بل النورُ كله من أمرِ الله، يُعطيه من يشاءُ من خلقه كيف يشاءُ، ويُصطفيه لمن اصطفاه.

القمرُ نورٌ لأنه من أمرِ الله، وهو نورٌ في عيونِ المؤمنينَ وبصائرِهم، وهو نورٌ يهدي في الظلماتِ، ويُحسبُ به الزمانُ، وتُضبطُ به المواقيتُ. هذا النورُ ليس انعكاساً، بل هو آيةٌ قائمةٌ بذاتها، تحملُ في طياتِها معنى الإشراقِ الهادي، لا معنى الانعكاسِ الأعمى.

التكاملُ الكونيُّ والزمنُ الإلهي:

وهنا يتجلى أعجبُ المشاهد. الشمسُ تضبطُ اليومَ والفصلَ والسنةَ، والقمرُ يضبطُ الشهرَ والمنازلَ والمواقيتَ. وكأن اللهَ قد جعلَ لهذا الكونِ ساعتَينِ؛ ساعةٌ كبرى للحياة (الشمس)، وساعةٌ صغرى للعباداتِ والمناسك (القمر). وكلاهما يجريان في فلكٍ محسوبٍ، ليس ليخبرانا عن مداراتهما البيضاوية، بل ليذكرانا بأن الزمنَ ليس عبثاً، بل هو صفحاتٌ تُطوى، وحسابٌ يُحصى، وعمرٌ ينفد.

الموقفُ من العلمِ والمعادلات:

لا يُعيبُ العلمَ شيءٌ، فهو كشفٌ لآليةِ الصنعةِ الإلهية، وهو واجبٌ على المسلمِ أن يخوضَ فيه ليُعظِّمَ في نفسه الإيمانَ. لكن الخطأَ كلَّ الخطأِ أن نقرأَ آياتِ القرآنِ كما نقرأُ كُتبَ الفيزياء، فنختزلَ القمرَ في "معاملِ انعكاسٍ"، والشمسَ في "اندماجٍ نوويٍّ"، وننسى أن اللهَ لم يقلْ لنا هذه المصطلحات، بل قال لنا(لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)، وقال(يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).

العلمُ يشرحُ لنا "كيف" يعملُ الكونُ، أما الوحيُ فيشرحُ لنا "لماذا" خُلقَ الكونُ، وماذا يعني ذلك لنا نحن البشرَ في رحلتنا القصيرةِ على ظهرِ هذه الأرض.

إن اللهَ لم يخلقِ الشمسَ والقمرَ لتكونا مجرَّدَ جرمينِ في كتابِ الفضاء، بل خلقهما ليكونا آيتينِ في كتابِ الهدى. فمن نظرَ إليهما بعينِ الفيزيائي، رآهما كتلةً وطاقةً. ومن نظرَ إليهما بعينِ أولي الألباب، رآهما بابينِ مفتوحينِ على الجلالِ الإلهي، أحدهما يصرخُ بالجبروتِ في وضحِ النهار، والآخرُ يهمسُ باللطفِ في هدأةِ السحر، وكِلاهما يدعوانِ الإنسانَ أن يسبحَ في فلكِ الإرادةِ الإلهيةِ، لا في فلكِ الأرقامِ وحدَها.

فلا تجعلِ المعادلاتِ تحجبُ عنك المعنى، ولا تتركِ العلمَ يسرقُ من قلبكَ دهشةَ التدبر. اقرأِ الكونَ كما تقرأُ القرآنَ، بخشوعِ طالبِ حقٍّ، لا بغطرسةِ مالكِ حقيقةٍ. وما زالتِ السماءُ تزدادُ جمالاً كلما نظرتَ إليها بعينِ العابدِ الشاكر.

فإذا نظرتَ إلى القمرِ الليلةَ، فلا تسألهُ عن معاملِ انعكاسِه، بل اسألْ نفسَك: كم مضى من عمري في حسابِ السنين؟ وكم تبقى؟ وهل أنا مستعدٌ للقاءِ من قدَّرَ هذا النورَ، وجعلَ منه آيةً للعالمين، وجعلَ من نورِ نبيهِ ﷺ سبيلاً إلى رضوانِه؟

اللهم اجعلنا من أولي الألباب الذين يتفكرون في خلقِ السماواتِ والأرضِ، ويستبصرون بنورِ هدايتِك، ويتمسكون بنورِ نبيكَ محمدٍ ﷺ، ويحمدونك ويشكرونك على نورِ القمرِ الذي تهتدى به الظلماتُ. آمين.

* إعداد الدكتور هاشم محمد الحبشي عالم وباحث في علم وتقنية النانو، شيفرة النانو9630 وعضو الهيئة العلمية العليا للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، عضو هيئة مجلس العلماء العرب.