سلسلةُ المقالات الأدبيَّة التَّوثيقيَّة للإعلاميِّ محمَّد عطيَّة الشَّرقي

المصدر - «ميناءُ القنفذة … مرفأُ الوطن ومرسى التَّاريخ»
لم تكن القنفذةُ مدينةً أقامت مصادفةً إلى جوار البحر، ولا رقعةً من اليابسة انتهت عندها الطُّرُق وابتدأ الماء، بل كانت مدينةً فتحت للبحر نوافذها، وأصاخت إلى هدير أمواجه، واتَّخذت من زرقة الأفق طريقًا يمتدُّ بها إلى ما وراء الجهات.
كان البحر أمامها كتابًا عظيمًا، صفحاته الموج، وحروفه السُّفُن، ومدادُه ملوحة الماء، وكانت القنفذة تقرأ فيه أخبار البلاد البعيدة، وتستدلُّ بأشرعته على قُدوم الرِّزق، وتعرف من حركة مراكبه أنَّ العالم، مهما امتدَّ واتَّسع، يستطيع أن يبلغ يومًا شاطئها.
وعلى ذلك السَّاحل التِّهاميِّ المديد، نهض ميناء القنفذة شاهدًا على عصرٍ كانت فيه السَّفينة بريدًا، والسَّاحل سوقًا، والمرفأ بابًا من أبواب الحياة.
لم يكن الميناء رصيفًا جامدًا تنتهي عنده رحلة المركب، ولا موضعًا تُلقى على أرضه الأحمال ثمَّ ينفضُّ عنه النَّاس، بل كان قلبًا نابضًا تتَّصل به شرايين المدينة، فإذا أقبلت سفينة من عرض البحر، خفق معها السُّوق، واستيقظت المخازن، وتحفَّز الحمَّالون، وتأهَّبت القوافل، ودبَّت في الأزقَّة حركة تشبه بشارة العيد.
كان الميناء ذاكرةً تتكلَّم بألسنة البحَّارة، وتفوح من أرجائها روائح الحبوب والبُنِّ والتَّوابل والأخشاب والملح، وفي ساحاته التقت لهجات المسافرين، وتعانقت وجوه جاءت من بلاد متباعدة، واختلطت أصوات التُّجَّار بنداءات العمَّال، ودعوات الحُجَّاج وهم يضعون أقدامهم على أرض تقودهم إلى بيت الله الحرام.
ومن هنا، لم يكن تاريخ ميناء القنفذة تاريخ منشأة بحريَّة فحسب، بل كان تاريخ مدينة كاملة، تشكَّلت ملامحها حوله، واتَّسعت أسواقها بسببه، وارتبط اسمها بحركة التِّجارة والحجِّ والبريد والسَّفر، حتَّى أصبح البحر جزءًا من هويَّتها، وأصبح الميناء فصلًا أصيلًا من فصول سيرتها.
القنفذةُ … مدينة وُلِدت وهي تنظر إلى البحر
لم يكن الموقع الجغرافيُّ للقنفذة تفصيلًا ثانويًّا في تاريخها، فقد منحها البحر الأحمر نافذةً على عالم واسع، وجعلها حلقة وصل بين السَّاحل ومناطق الدَّاخل، وبين الطُّرُق البحريَّة الممتدَّة شمالًا وجنوبًا، والطُّرُق البَرِّيَّة الصَّاعدة نحو المرتفعات والقرى والأودية.
كانت القنفذة تقع في موضع تتقاطع عنده الطُّرُق والمصالح، فمن الغرب بحر يحمل السُّفُن، ومن الشَّرق قرًى وأودية وجبال تحتاج إلى ما يأتي عبر الماء من الأقوات والمتاع، وتبعث إلى السَّاحل بما تنتجه أرضها من محاصيل وثمرات.
ويعود تاريخ القنفذة إلى قرون بعيدة، إذ تشير المصادر إلى حضورها في مسارات التِّجارة القديمة الممتدَّة على السَّاحل الشَّرقيِّ للبحر الأحمر، كما عُرفت المنطقة طريقًا تمرُّ به القوافل القادمة من اليمن والمتَّجهة نحو الحجاز والشَّام.
وقد اقترن نموُّ المدينة بازدهار مينائها، فحين ضعفت موانئ قديمة في المنطقة، برزت القنفذة بوصفها مركزًا بحريًّا وتجاريًّا، واتَّسعت فيها حركة البيع والشِّراء، وقامت المخازن، وظهرت المهن المرتبطة بالسُّفُن والنَّقل والتَّحميل والتَّفريغ.
ولم يكن الميناء يخدم أهل القنفذة وحدهم، بل امتدَّ أثره إلى مساحة واسعة من تهامة ومناطق الدَّاخل، وكانت البضائع تصل إليه بحرًا، ثمَّ تُحمَل برًّا إلى القرى والبلدات، وتسلك بها القوافل مسالك طويلة، صاعدةً من حرِّ السَّاحل إلى المرتفعات.
وهكذا غدا الميناء شريانًا تسري فيه الحياة بين البحر والبرِّ، فما يصل إلى القنفذة لا يبقى حبيس أسواقها، بل تمضي به القوافل إلى جهات بعيدة، وما تنتجه الأرض في الأودية والقرى يجد طريقه إلى الميناء، ومنه إلى السُّفُن والعالم المفتوح وراء الماء.
حين كانت السُّفُن تخرج من ضباب الأفق
لنا أن نستعيد بالخيال صباحًا من صباحات القنفذة القديمة.
يخرج البحَّارة إلى السَّاحل قبل أن يشتدَّ ضوء الشَّمس، فيحدِّقون طويلًا في الأفق، ويقرؤون صفحة البحر بعين خبيرة، يعرفون من لون الماء تغيُّر الرِّيح، ومن حركة الموج اقتراب مركب، ومن هيئة الغيم ما إذا كانت السَّفينة ستدخل آمنةً، أو تنتظر بعيدًا حتَّى يهدأ البحر.
ثمَّ تلوح في الأفق نقطة داكنة، لا يكاد يميِّزها إلَّا من طال عهده بالماء.
تكبر النُّقطة شيئًا فشيئًا، وتظهر السَّارية، ثمَّ تتكشَّف هيئة السَّفينة، وتسري البشارة بين النَّاس، لقد أقبلت سفينة جديدة.
يصل الخبر إلى السُّوق قبل أن تصل السَّفينة إلى المرسى، فتُفتح المخازن، ويخرج التُّجَّار، ويتأهَّب الحمَّالون، ويقصد الفضوليُّون السَّاحل، ويتبعهم الصِّغار بأعين تملؤها الدَّهشة.
كان وصول السَّفينة حدثًا تتنفَّس معه المدينة كلُّها، فلا يقتصر أثره على رجال الميناء، بل يمتدُّ إلى الأسواق والبيوت والمجالس والطُّرُق.
أمَّا التَّاجر، فينتظر بضاعته.
وأمَّا صاحب القافلة، فيتهيَّأ لنقلها.
وأمَّا المسافر، فيترقَّب ساعة النُّزول أو الرَّحيل.
وأمَّا الأهالي، فينتظرون ما تحمله السَّفينة من أخبار الغائبين، ورسائل الأقارب، وحكايات البلاد البعيدة.
كانت السَّفينة في ذلك الزَّمن أكثر من وسيلة نقل، فقد كانت نافذةً تأتي منها الأخبار، وجسرًا تعبر عليه الأرزاق، وصندوقًا عظيمًا يحمل بين ألواحه آمال المسافرين وقلق المنتظرين.
وكم من أمٍّ وقفت على السَّاحل، تحدِّق في كلِّ وجه نازل من المركب، علَّها ترى ابنًا غاب عنها.
وكم من تاجر عقد آماله على حمولة سفينة، فإن وصلت سليمةً أقبل عليه الرِّزق، وإن أخَّرتها الرِّياح اضطربت حساباته وضاق انتظاره.
وكم من مسافر ودَّع القنفذة من ذلك الميناء، وظلَّت صورة السَّاحل آخر ما يراه من مدينته، حتَّى غابت البيوت وراء الأفق، ولم يبق له منها إلَّا زرقة البحر ورائحة الملح.
سوقٌ على ضفَّة الماء
كان الميناء والسُّوق وجهين لحياة واحدة.
فما إن تُفرغ السُّفُن أحمالها، حتَّى تنتقل البضائع إلى المخازن والحوانيت، وتبدأ دورة جديدة من البيع والمقايضة والنَّقل.
وتتنوَّع الأحمال بتنوُّع الجهات التي جاءت منها السُّفُن، فتصل الحبوب والأقمشة والأخشاب والزُّيوت والتَّوابل وأدوات الحياة المختلفة، وتخرج من المنطقة منتجاتها ومحاصيلها وما تجود به أرضها.
وكان لكلِّ حمولة رجالها، ولكلِّ بضاعة أصحاب خبرة يعرفون قيمتها وجودتها ومقدار الحاجة إليها، وكانت الموازين تُنصَب، والأكياس تُحمَل، والحبال تُشدُّ، والسِّجِلَّات تُكتب، والأثمان تُقدَّر، في مشهد يمزج بين قوَّة الأجساد ودقَّة الحساب.
ولم يكن الحمَّالون مجرَّد رجال ينقلون الأثقال، بل كانوا عماد الحركة في الميناء، يعرفون السُّفُن، ويألفون البحَّارة، ويحفظون أسماء التُّجَّار، ويعرفون مواضع المخازن ومسالك العربات والقوافل.
على أكتافهم عبرت البضائع من الماء إلى اليابسة، وبخطواتهم انتقلت خيرات البحر إلى قلب المدينة.
وكانت القوافل تنتظر دورها عند أطراف السُّوق، فإذا اكتمل تحميلها، مضت في الطُّرُق القديمة، تحمل ما وصل بحرًا إلى قرًى لم ترَ سفينة قطُّ، وتعود إلى القنفذة بما أنتجته المزارع والأودية.
وبذلك لم يكن الميناء موضع استقبال فحسب، بل كان نقطة توزيع واسعة، تتدفَّق عبرها البضائع إلى الدَّاخل، وتعود إليها منتجات المناطق المحيطة، ثمَّ تجد طريقها إلى البحر.
وتشير الشَّهادات التَّاريخيَّة والصَّحفيَّة إلى أنَّ الميناء استقبل السُّفُن والبضائع، وأسهم في تموين مناطق واسعة، كما ارتبط بتصدير بعض منتجات المنطقة وتحصيل الرُّسوم الجمركيَّة عبر جمرك الميناء.
البندر … الاسم الذي بقي في ذاكرة الأهالي
عُرفت القنفذة في ألسنة كثير من أهلها باسم «البندر»، وهي كلمة ارتبطت في الاستعمال بالمدن السَّاحليَّة ذات الموانئ، حتَّى غدا الاسم في الذاكرة المحلِّيَّة قرينًا للمدينة القديمة ومينائها وأسواقها.
ولم يكن «البندر» اسمًا جامدًا، بل كان صورةً ذهنيَّة لحياة كاملة، فإذا ذُكر، حضرت الأزقَّة القديمة، والدَّكاكين، والمخازن، والسُّفُن الرَّاسية، ورجال البحر، والتُّجَّار القادمون من جهات مختلفة.
كان الاسم يحمل رائحة السَّاحل، وصخب السُّوق، وهيبة السَّفينة حين تظهر في الأفق، ويستدعي زمنًا كانت القنفذة فيه ملتقى للقوافل والمراكب.
ولعلَّ بقاء هذا الاسم على ألسنة الأهالي، بعد تغيُّر كثير من ملامح المكان، دليل على أنَّ الذَّاكرة تحتفظ بما تعجز الأبنية عن الاحتفاظ به.
قد يتغيَّر السَّاحل، وتتوقَّف السُّفُن، وتُغلَق المخازن، ويخفت صخب الأسواق، لكنَّ كلمة واحدة قادرة على إعادة المشهد كلِّه، وكأنَّ الزَّمن لم يمضِ.
ميناء الحُجَّاج … خُطى إلى البيت العتيق
لم تكن السُّفُن القادمة إلى القنفذة تحمل التُّجَّار والبضائع وحدهم، بل حملت كذلك أفواجًا من الحُجَّاج القادمين من جهات مختلفة، ممَّن اتَّخذوا البحر طريقًا إلى الدِّيار المقدَّسة.
كان الحاجُّ يرى ساحل القنفذة بعد أيَّام، وربَّما أسابيع، من تقلُّب المركب بين الموج والرِّيح، فيشعر أنَّ اليابسة التي ظهرت أمامه ليست شاطئًا عاديًّا، بل أوَّل عتبات طريقه إلى مكَّة المكرَّمة.
وحين ينزل من السَّفينة، يكون قد اجتاز فصلًا شاقًّا من رحلته، ليبدأ فصلًا آخر على اليابسة، بين القوافل والمنازل والطُّرُق.
وهنا تتبدَّى القيمة الإنسانيَّة للميناء، فلم يكن بوابةً للتِّجارة وحدها، بل كان بابًا دخل منه ضيوف الرَّحمن، وهم يحملون شوقهم إلى الكعبة، وتعب الأسفار، واختلاف ألسنتهم وألوانهم وبلدانهم.
كانت القنفذة تستقبلهم على ساحلها، فيرون أهلها، ويعبرون أسواقها، ويستريحون في رحابها، ثمَّ يتَّجهون منها نحو مقصدهم الأعظم.
وقد وثَّقت مصادر صحفيَّة ووثائق تاريخيَّة اهتمام الملك عبدالعزيز بالميناء وتهيئته لاستقبال الحُجَّاج، ووردت مراسلات في عام 1343هـ بشأن استعداد ميناء القنفذة لاستقبال القادمين بحرًا من عدن والهند وغيرها من البلاد الإسلاميَّة.
ولنا أن نتخيَّل تلك الوجوه المرهقة وهي تطأ اليابسة، وتتعالى من بينها التَّلبية والدُّعاء، وتمتلئ العيون بفرحة الاقتراب من بيت الله الحرام.
كم حمل ذلك الميناء من أمنيات.
وكم سمع من دعوات.
وكم مرَّ على أرضه حاجٌّ غريب لا يعرف من القنفذة إلَّا أنَّها كانت أوَّل أرض استقبلته في طريقه إلى المشاعر المقدَّسة.
البريد الذي كان يعبر البحر في زمن لم تكن فيه الرَّسائل تبلغ أصحابها في لحظة، ولم تكن الأخبار تنتقل عبر الشَّاشات، كان البحر يحمل البريد كما يحمل البضائع والمسافرين.
كانت الرِّسالة تقطع مسافات طويلة بين ميناء وآخر، وتنام في صناديق السُّفُن، وتقاوم رطوبة البحر وتأخُّر الرِّحلة، حتَّى تصل إلى القنفذة، ثمَّ تبدأ منها طريقًا جديدًا نحو أصحابها.
كان في الورقة الصغيرة شوق بيت كامل، أو أمر دولة، أو خبر تاجر، أو سلام غائب، وكانت قيمة الرِّسالة لا تُقاس بحجمها، بل بمقدار الانتظار الذي سبق وصولها.
وقد ارتبط ميناء القنفذة في بدايات العهد السُّعوديِّ بخدمة البريد والمراسلات، وتشير وثائق منشورة إلى أنَّ بريد الدَّولة كان يصل عن طريق الميناء، ثمَّ يُستلم ويُوزَّع إلى جهاته، كما اتُّخذت القنفذة مركزًا لتبادل بعض الرَّسائل مع الخارج.
وهنا تتَّسع صورة الميناء من جديد.
فهو ليس موضعًا للحبال والمراسي والأحمال فحسب، بل نقطة اتِّصال بين الدَّولة والعالم، تعبر من خلاله الكلمات والقرارات والأخبار.
وربَّما كانت رسالة واحدة تصل عبر ميناء القنفذة قادرة على تغيير مصير إنسان، أو طمأنة أسرة، أو تحريك تجارة، أو إيصال توجيه إلى مكان بعيد.
إنَّ للموانئ أصواتًا ظاهرةً، كصوت السُّفُن والعمَّال والأمواج، ولها أصوات خفيَّة أيضًا، كصوت الرَّسائل حين تُفتح، وزفرة المنتظر حين يرى خطَّ الغائب، وفرحة القلب حين يصل خبر طال انتظاره.
تحت راية التَّوحيد
دخلت القنفذة تحت حكم الملك عبدالعزيز في عام 1343هـ، الموافق لعام 1924م، وأُعيد تنظيم شؤونها الإداريَّة والماليَّة، وأخذ ميناؤها موقعه في مرحلة بناء الدَّولة وتوحيد البلاد.
وفي تلك المرحلة، لم تكن الموانئ مجرَّد مرافق اقتصاديَّة، بل كانت منافذ للدَّولة النَّاشئة، تصلها بالعالم، وتدخل من خلالها المؤن والبضائع، وتصدر عبرها المراسلات، وتتحرَّك منها وإليها السُّفُن.
وقد اشتهر في الكتابات المحلِّيَّة وصف ميناء القنفذة بـ«ميناء الوطن»، ونُسب إطلاق هذا الاسم إلى الملك عبدالعزيز، تقديرًا لأهمِّيَّة الميناء في خدمة البلاد وإمداد مناطق واسعة باحتياجاتها.
ومهما يكن من تفصيل التَّسمية وتوثيقها، فإنَّ الوصف يعبِّر عن منزلة الميناء في ذاكرة الأهالي، وعن شعورهم بأنَّه لم يكن ميناء مدينة واحدة، بل منفذًا أدَّى دورًا يتجاوز حدود القنفذة إلى نطاق أوسع.
كان الميناء في تلك المرحلة يستقبل السُّفُن المحمَّلة بالمؤن، ويسهم في إيصالها إلى مناطق مختلفة، كما استمرَّت عبره حركة المسافرين والحُجَّاج والبريد.
وتكشف الأخبار المنشورة في صحيفة «أمِّ القرى» في عام 1343هـ عن حركة بحريَّة نشطة، إذ ورد خبر وصول باخرة تحمل أكثر من ألفي طرد إلى ميناءَي القنفذة واللِّيث، وهو شاهد على حجم الدَّور الذي أدَّته تلك المرافئ في ذلك العهد.
وهذه الطُّرود لم تكن أرقامًا جامدةً في خبر قديم، بل كانت مؤنًا وأدوات وحاجات تنتظرها الأسواق والبيوت، وكان وراء كلِّ طرد يد تحمله، وتاجر ينتظره، وقافلة تستعدُّ لنقله.
مدينة تتبدَّل مع وصول كلِّ سفينة
كان لكلِّ سفينة تصل إلى القنفذة أثرها في وجه المدينة.
تصل سفينة، فتتَّسع حركة السُّوق.
وتغادر أخرى، فتترك وراءها مسافرين وذكريات.
وتتأخَّر سفينة، فيكثر السُّؤال عنها، وتضطرب أسعار بعض السِّلع، ويطول انتظار أصحابها.
كانت حياة النَّاس مرتبطةً إلى حدٍّ بعيد بمزاج البحر، فإذا صفا وسكنت رياحه، أقبلت السُّفُن، وإذا هاج واضطربت أمواجه، تعطَّلت الرِّحلات، وتأخَّرت البضائع، وامتدَّ الانتظار.
ولهذا نشأت بين أهل الميناء والبحر معرفة لا تُكتسب من الكتب، بل من طول المعايشة.
كان البحَّار يقرأ الرِّيح، ويعرف تقلُّب الفصول، ويتأمَّل حركة النُّجوم، ويحفظ طبائع الموج.
وكان التَّاجر يضع في حسابه احتمال التَّأخير، وتغيُّر الطَّقس، ومخاطر الرِّحلة.
وكانت الأسرة تودِّع مسافرها وهي تعلم أنَّ البحر واسع، وأنَّ العودة ليست موعدًا مضمونًا.
ومن هذه العلاقة بين الإنسان والماء، تشكَّلت في القنفذة ثقافة ساحليَّة عريقة، قوامها الصَّبر والشَّجاعة وانتظار الغائب، والثِّقة برجال خبروا البحر وعرفوا أسراره.
حكايات لم تكتبها السِّجِلَّات
ليست كلُّ حكاية في تاريخ الميناء محفوظةً في وثيقة، وليست كلُّ سفينة مذكورةً في سجلٍّ، وليست أسماء جميع البحَّارة والحمَّالين والتُّجَّار باقيةً في الكتب.
هناك تاريخ آخر عاش في صدور النَّاس.
تاريخٌ روته الجدَّات عن سفينة تأخَّرت، أو مسافر عاد بعد غياب، أو عاصفة هبَّت على السَّاحل، أو حمولة غريبة أدهشت أهل السُّوق.
وهناك رجال قضوا أعمارهم بين المرسى والمخزن، ولم تُلتقط لهم صورة، ولم يُكتب عنهم خبر، مع أنَّ أكتافهم حملت جانبًا من تاريخ المدينة.
وهناك بحَّارة حفظوا دروب الماء كما يحفظ أهل البرِّ مسالك الصَّحراء، وعرفوا الموانئ من روائحها، والرِّياح من ملامستها للوجوه، والسَّواحل من أشكالها البعيدة.
وهناك تجَّار كانوا يرقبون البحر بقلوب معلَّقة، يعرفون أنَّ رزقهم يقترب في صورة شراع، وقد يبتعد في لحظة تغيُّر فيها الرِّيح وجهتها.
إنَّ تاريخ المكان لا تصنعه القرارات الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضًا تلك الأيدي المجهولة التي عملت بصمت، والأقدام التي مشت فوق الرَّصيف، والأصوات التي ضاعت في صخب الميناء، والوجوه التي عبرت ثمَّ لم تعد.
ولهذا، فإنَّ الكتابة عن ميناء القنفذة ليست كتابةً عن حجر وماء، بل محاولة لإنصاف أولئك الذين منحوا المكان حياته، ثمَّ مضوا وبقي أثرهم مبثوثًا في ذاكرة المدينة.
حين تغيَّرت الطُّرُق وخفت صوت الميناء
ليس في حياة الأمكنة ازدهار دائم.
تتغيَّر الطُّرُق، وتتبدَّل وسائل النَّقل، وتظهر موانئ أكبر، وتمتدُّ الطُّرُق المعبَّدة، وتصبح المركبات قادرةً على حمل ما كانت تحمله القوافل والسُّفُن الصَّغيرة.
ومع تحوُّل شبكات النَّقل والتِّجارة، أخذ الدَّور التِّجاريُّ القديم لميناء القنفذة في التَّراجع، وخفت ذلك الصَّخب الذي كان يملأ السَّاحل.
غابت السُّفُن الكبيرة عن المشهد.
وسكتت المخازن.
وقلَّت نداءات الحمَّالين.
ولم تعد المدينة تنتظر ظهور شراع في الأفق لتعرف أنَّ مؤنها قد وصلت.
لكنَّ توقُّف الحركة لا يعني موت المكان.
فالميناء الذي خرج من دورة التِّجارة ظلَّ حاضرًا في دورة الذَّاكرة، وبقيت حكايته كامنةً في أسماء المواضع، وفي روايات كبار السِّنِّ، وفي الوثائق والصُّور، وفي الحنين إلى زمن كان البحر فيه أقرب إلى تفاصيل الحياة.
لقد تغيَّر وجه السَّاحل، لكنَّ البحر ما زال هو البحر.
وما زالت الأمواج تضرب الشَّاطئ الذي عرف أقدام البحَّارة والحُجَّاج والتُّجَّار.
وما زالت الرِّيح تمرُّ فوق المكان نفسه، كأنَّها تبحث عن أشرعة غابت، أو تستعيد همسات رجال كانوا يقفون هنا ذات صباح.
الميناء بوصفه ذاكرةً وطنيَّة إنَّ قيمة ميناء القنفذة لا تنحصر في إمكان إعادته إلى العمل، ولا في قياس جدواه الاقتصاديَّة وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى قيمته بوصفه شاهدًا على تاريخ المدينة، وعلى صلتها بالبحر، وعلى دورها في التِّجارة والحجِّ والبريد وبدايات بناء الدَّولة.
فالأماكن التَّاريخيَّة لا تُصان لأنَّ حجارتها قديمة فحسب، بل لأنَّها تحفظ جزءًا من قصَّة الإنسان.
وميناء القنفذة يحفظ قصص أجيال عملت وسافرت وانتظرت وودَّعت واستقبلت على ذلك السَّاحل.
إنَّه ذاكرة اقتصاديَّة، لأنَّ الأسواق والقوافل ارتبطت به.
وذاكرة اجتماعيَّة، لأنَّ حياة الأسر والمهن تشكَّلت حوله.
وذاكرة إنسانيَّة، لأنَّ الحُجَّاج والمسافرين عبروا من خلاله.
وذاكرة وطنيَّة، لأنَّه أدَّى دورًا في مرحلة توحيد البلاد واتِّصالها بالعالم.
ومن هنا، فإنَّ حفظ تاريخه ليس ترفًا ثقافيًّا، بل واجب تجاه ذاكرة المكان.
وحفظه لا يكون بمجرد وضع لوحة صغيرة تحمل اسمه، بل بجمع وثائقه، وتسجيل الرِّوايات الشَّفهيَّة عمَّن عاصروه، وحصر صوره، ودراسة آثاره، وإبراز قصَّته للأجيال.
فالجيل الجديد الذي يقف اليوم أمام البحر، من حقِّه أن يعرف أنَّ هذا السَّاحل لم يكن دائمًا موضعًا للنُّزهة والهدوء، بل كان يومًا بابًا يدخل منه العالم إلى القنفذة.
من حقِّه أن يعرف أنَّ السُّفُن كانت تظهر هنا، وأنَّ التُّجَّار كانوا ينتظرونها، وأنَّ الحُجَّاج عبروا من هذا المكان، وأنَّ البريد حمل رسائل الدَّولة والغائبين فوق أمواج البحر.
ومن حقِّ القنفذة نفسها أن تُروى حكايتها كاملةً، لا أن يبقى تاريخها موزَّعًا بين ذاكرة شيخ، ووثيقة قديمة، وصورة باهتة، وخبرٍ مطويٍّ في صحيفة.
بين الطَّاحونة والميناء.
في الحلقة الأولى، وقفنا عند طاحونة القنفذة، حيث كانت الرِّيح تدير الرَّحى، وتعين الإنسان على صناعة قوته، وفي هذه الحلقة، نقف عند الميناء، حيث كانت الرِّيح نفسها تدفع أشرعة السُّفُن، وتفتح للمدينة أبواب التِّجارة والسَّفر.
هناك، كانت الرِّيح تدير حجرًا.
وهنا، كانت الرِّيح تقود سفينةً.
هناك، كانت الحبوب تدخل الطَّاحونة لتخرج دقيقًا.
وهنا، كانت البضائع تدخل الميناء لتخرج إلى الأسواق والقرى والمدن.
وكأنَّ الرِّيح كانت شريكًا خفيًّا في صناعة تاريخ القنفذة، مرَّةً فوق الطَّاحونة، ومرَّةً بين أشرعة المراكب.
وكأنَّ المدينة القديمة بُنيت بين شاهدين، طاحونة تحفظ ذاكرة البرِّ، وميناء يحفظ ذاكرة البحر.
وبينهما عاش الإنسان، يصنع قوته، ويتاجر، ويسافر، وينتظر، ويكتب يومًا بعد يوم فصولًا من سِفْر المكان وذاكرة الزَّمان.
الميناء الذي ما زال ينتظر سفينته يمرُّ الزَّائر اليوم على ساحل القنفذة، فيرى بحرًا هادئًا، وأفقًا مفتوحًا، وموجًا يأتي ثمَّ يعود.
لكنَّ من يعرف تاريخ المكان، لا يرى البحر وحده.
يرى ساريةً ترتفع في البعيد.
ويرى سفينةً تشقُّ الماء.
ويسمع نداء بحَّار.
ويرى حمَّالًا ينحني تحت ثقل كيس.
ويلمح حاجًّا يرفع يديه شكرًا لله بعد أن بلغ اليابسة.
ويرى طفلًا يقف عند الشَّاطئ، مأخوذًا بعظمة المركب القادم من وراء الأفق.
إنَّ الأمكنة العريقة لا تفقد أصواتها، بل تخفيها في طبقات الصَّمت.
وما علينا إلَّا أن نقترب منها بقلوب مصغية، حتَّى نسمع ما تقوله.
وميناء القنفذة ما زال يقول إنَّ هنا مدينةً لم تكن منقطعةً عن العالم، بل كانت بابًا من أبوابه.
ويقول إنَّ البحر لم يكن زينةً على طرف المدينة، بل كان شريكًا في صنع تاريخها.
ويقول إنَّ السُّفُن التي غابت لم تأخذ معها الحكاية، لأنَّ الحكاية بقيت في الرَّمل، وفي أسماء الأماكن، وفي ذاكرة الأهالي، وفي كلِّ موجة تعود إلى الشَّاطئ، كأنَّها رسول قديم لا يملُّ العودة.
سيظلُّ ميناء القنفذة، وإن خفت صوته، واحدًا من أجلِّ شواهد المدينة وأعمقها دلالةً.
وسيظلُّ «ميناء الوطن» اسمًا يوقظ في الذَّاكرة زمنًا كانت فيه القنفذة بوابةً للبحر، ومرفأً للتُّجَّار والحُجَّاج، ومحطَّةً للرَّسائل والسُّفُن والعابرين.
هنا كان البحر يطرق أبواب المدينة.
وهنا كانت القنفذة تفتح له قلبها.
وهنا مرَّت وجوه، ورست سُفُن، ووصلت رسائل، وتفرَّقت قوافل، وغاب رجال، وبقي المكان شاهدًا لا يشيخ.
فإذا سألت البحر عنهم، ردَّت أمواجه على الشَّاطئ.
وإذا سألت الرِّيح عن أشرعتهم، مرَّت فوق الميناء بحنين قديم.
وإذا سألت القنفذة عن مينائها، قالت:
هنا كان بابي إلى العالم، وهنا ما زال بعض قلبي معلَّقًا بين السَّاحل والأفق.
لم تكن القنفذةُ مدينةً أقامت مصادفةً إلى جوار البحر، ولا رقعةً من اليابسة انتهت عندها الطُّرُق وابتدأ الماء، بل كانت مدينةً فتحت للبحر نوافذها، وأصاخت إلى هدير أمواجه، واتَّخذت من زرقة الأفق طريقًا يمتدُّ بها إلى ما وراء الجهات.
كان البحر أمامها كتابًا عظيمًا، صفحاته الموج، وحروفه السُّفُن، ومدادُه ملوحة الماء، وكانت القنفذة تقرأ فيه أخبار البلاد البعيدة، وتستدلُّ بأشرعته على قُدوم الرِّزق، وتعرف من حركة مراكبه أنَّ العالم، مهما امتدَّ واتَّسع، يستطيع أن يبلغ يومًا شاطئها.
وعلى ذلك السَّاحل التِّهاميِّ المديد، نهض ميناء القنفذة شاهدًا على عصرٍ كانت فيه السَّفينة بريدًا، والسَّاحل سوقًا، والمرفأ بابًا من أبواب الحياة.
لم يكن الميناء رصيفًا جامدًا تنتهي عنده رحلة المركب، ولا موضعًا تُلقى على أرضه الأحمال ثمَّ ينفضُّ عنه النَّاس، بل كان قلبًا نابضًا تتَّصل به شرايين المدينة، فإذا أقبلت سفينة من عرض البحر، خفق معها السُّوق، واستيقظت المخازن، وتحفَّز الحمَّالون، وتأهَّبت القوافل، ودبَّت في الأزقَّة حركة تشبه بشارة العيد.
كان الميناء ذاكرةً تتكلَّم بألسنة البحَّارة، وتفوح من أرجائها روائح الحبوب والبُنِّ والتَّوابل والأخشاب والملح، وفي ساحاته التقت لهجات المسافرين، وتعانقت وجوه جاءت من بلاد متباعدة، واختلطت أصوات التُّجَّار بنداءات العمَّال، ودعوات الحُجَّاج وهم يضعون أقدامهم على أرض تقودهم إلى بيت الله الحرام.
ومن هنا، لم يكن تاريخ ميناء القنفذة تاريخ منشأة بحريَّة فحسب، بل كان تاريخ مدينة كاملة، تشكَّلت ملامحها حوله، واتَّسعت أسواقها بسببه، وارتبط اسمها بحركة التِّجارة والحجِّ والبريد والسَّفر، حتَّى أصبح البحر جزءًا من هويَّتها، وأصبح الميناء فصلًا أصيلًا من فصول سيرتها.
القنفذةُ … مدينة وُلِدت وهي تنظر إلى البحر
لم يكن الموقع الجغرافيُّ للقنفذة تفصيلًا ثانويًّا في تاريخها، فقد منحها البحر الأحمر نافذةً على عالم واسع، وجعلها حلقة وصل بين السَّاحل ومناطق الدَّاخل، وبين الطُّرُق البحريَّة الممتدَّة شمالًا وجنوبًا، والطُّرُق البَرِّيَّة الصَّاعدة نحو المرتفعات والقرى والأودية.
كانت القنفذة تقع في موضع تتقاطع عنده الطُّرُق والمصالح، فمن الغرب بحر يحمل السُّفُن، ومن الشَّرق قرًى وأودية وجبال تحتاج إلى ما يأتي عبر الماء من الأقوات والمتاع، وتبعث إلى السَّاحل بما تنتجه أرضها من محاصيل وثمرات.
ويعود تاريخ القنفذة إلى قرون بعيدة، إذ تشير المصادر إلى حضورها في مسارات التِّجارة القديمة الممتدَّة على السَّاحل الشَّرقيِّ للبحر الأحمر، كما عُرفت المنطقة طريقًا تمرُّ به القوافل القادمة من اليمن والمتَّجهة نحو الحجاز والشَّام.
وقد اقترن نموُّ المدينة بازدهار مينائها، فحين ضعفت موانئ قديمة في المنطقة، برزت القنفذة بوصفها مركزًا بحريًّا وتجاريًّا، واتَّسعت فيها حركة البيع والشِّراء، وقامت المخازن، وظهرت المهن المرتبطة بالسُّفُن والنَّقل والتَّحميل والتَّفريغ.
ولم يكن الميناء يخدم أهل القنفذة وحدهم، بل امتدَّ أثره إلى مساحة واسعة من تهامة ومناطق الدَّاخل، وكانت البضائع تصل إليه بحرًا، ثمَّ تُحمَل برًّا إلى القرى والبلدات، وتسلك بها القوافل مسالك طويلة، صاعدةً من حرِّ السَّاحل إلى المرتفعات.
وهكذا غدا الميناء شريانًا تسري فيه الحياة بين البحر والبرِّ، فما يصل إلى القنفذة لا يبقى حبيس أسواقها، بل تمضي به القوافل إلى جهات بعيدة، وما تنتجه الأرض في الأودية والقرى يجد طريقه إلى الميناء، ومنه إلى السُّفُن والعالم المفتوح وراء الماء.
حين كانت السُّفُن تخرج من ضباب الأفق
لنا أن نستعيد بالخيال صباحًا من صباحات القنفذة القديمة.
يخرج البحَّارة إلى السَّاحل قبل أن يشتدَّ ضوء الشَّمس، فيحدِّقون طويلًا في الأفق، ويقرؤون صفحة البحر بعين خبيرة، يعرفون من لون الماء تغيُّر الرِّيح، ومن حركة الموج اقتراب مركب، ومن هيئة الغيم ما إذا كانت السَّفينة ستدخل آمنةً، أو تنتظر بعيدًا حتَّى يهدأ البحر.
ثمَّ تلوح في الأفق نقطة داكنة، لا يكاد يميِّزها إلَّا من طال عهده بالماء.
تكبر النُّقطة شيئًا فشيئًا، وتظهر السَّارية، ثمَّ تتكشَّف هيئة السَّفينة، وتسري البشارة بين النَّاس، لقد أقبلت سفينة جديدة.
يصل الخبر إلى السُّوق قبل أن تصل السَّفينة إلى المرسى، فتُفتح المخازن، ويخرج التُّجَّار، ويتأهَّب الحمَّالون، ويقصد الفضوليُّون السَّاحل، ويتبعهم الصِّغار بأعين تملؤها الدَّهشة.
كان وصول السَّفينة حدثًا تتنفَّس معه المدينة كلُّها، فلا يقتصر أثره على رجال الميناء، بل يمتدُّ إلى الأسواق والبيوت والمجالس والطُّرُق.
أمَّا التَّاجر، فينتظر بضاعته.
وأمَّا صاحب القافلة، فيتهيَّأ لنقلها.
وأمَّا المسافر، فيترقَّب ساعة النُّزول أو الرَّحيل.
وأمَّا الأهالي، فينتظرون ما تحمله السَّفينة من أخبار الغائبين، ورسائل الأقارب، وحكايات البلاد البعيدة.
كانت السَّفينة في ذلك الزَّمن أكثر من وسيلة نقل، فقد كانت نافذةً تأتي منها الأخبار، وجسرًا تعبر عليه الأرزاق، وصندوقًا عظيمًا يحمل بين ألواحه آمال المسافرين وقلق المنتظرين.
وكم من أمٍّ وقفت على السَّاحل، تحدِّق في كلِّ وجه نازل من المركب، علَّها ترى ابنًا غاب عنها.
وكم من تاجر عقد آماله على حمولة سفينة، فإن وصلت سليمةً أقبل عليه الرِّزق، وإن أخَّرتها الرِّياح اضطربت حساباته وضاق انتظاره.
وكم من مسافر ودَّع القنفذة من ذلك الميناء، وظلَّت صورة السَّاحل آخر ما يراه من مدينته، حتَّى غابت البيوت وراء الأفق، ولم يبق له منها إلَّا زرقة البحر ورائحة الملح.
سوقٌ على ضفَّة الماء
كان الميناء والسُّوق وجهين لحياة واحدة.
فما إن تُفرغ السُّفُن أحمالها، حتَّى تنتقل البضائع إلى المخازن والحوانيت، وتبدأ دورة جديدة من البيع والمقايضة والنَّقل.
وتتنوَّع الأحمال بتنوُّع الجهات التي جاءت منها السُّفُن، فتصل الحبوب والأقمشة والأخشاب والزُّيوت والتَّوابل وأدوات الحياة المختلفة، وتخرج من المنطقة منتجاتها ومحاصيلها وما تجود به أرضها.
وكان لكلِّ حمولة رجالها، ولكلِّ بضاعة أصحاب خبرة يعرفون قيمتها وجودتها ومقدار الحاجة إليها، وكانت الموازين تُنصَب، والأكياس تُحمَل، والحبال تُشدُّ، والسِّجِلَّات تُكتب، والأثمان تُقدَّر، في مشهد يمزج بين قوَّة الأجساد ودقَّة الحساب.
ولم يكن الحمَّالون مجرَّد رجال ينقلون الأثقال، بل كانوا عماد الحركة في الميناء، يعرفون السُّفُن، ويألفون البحَّارة، ويحفظون أسماء التُّجَّار، ويعرفون مواضع المخازن ومسالك العربات والقوافل.
على أكتافهم عبرت البضائع من الماء إلى اليابسة، وبخطواتهم انتقلت خيرات البحر إلى قلب المدينة.
وكانت القوافل تنتظر دورها عند أطراف السُّوق، فإذا اكتمل تحميلها، مضت في الطُّرُق القديمة، تحمل ما وصل بحرًا إلى قرًى لم ترَ سفينة قطُّ، وتعود إلى القنفذة بما أنتجته المزارع والأودية.
وبذلك لم يكن الميناء موضع استقبال فحسب، بل كان نقطة توزيع واسعة، تتدفَّق عبرها البضائع إلى الدَّاخل، وتعود إليها منتجات المناطق المحيطة، ثمَّ تجد طريقها إلى البحر.
وتشير الشَّهادات التَّاريخيَّة والصَّحفيَّة إلى أنَّ الميناء استقبل السُّفُن والبضائع، وأسهم في تموين مناطق واسعة، كما ارتبط بتصدير بعض منتجات المنطقة وتحصيل الرُّسوم الجمركيَّة عبر جمرك الميناء.
البندر … الاسم الذي بقي في ذاكرة الأهالي
عُرفت القنفذة في ألسنة كثير من أهلها باسم «البندر»، وهي كلمة ارتبطت في الاستعمال بالمدن السَّاحليَّة ذات الموانئ، حتَّى غدا الاسم في الذاكرة المحلِّيَّة قرينًا للمدينة القديمة ومينائها وأسواقها.
ولم يكن «البندر» اسمًا جامدًا، بل كان صورةً ذهنيَّة لحياة كاملة، فإذا ذُكر، حضرت الأزقَّة القديمة، والدَّكاكين، والمخازن، والسُّفُن الرَّاسية، ورجال البحر، والتُّجَّار القادمون من جهات مختلفة.
كان الاسم يحمل رائحة السَّاحل، وصخب السُّوق، وهيبة السَّفينة حين تظهر في الأفق، ويستدعي زمنًا كانت القنفذة فيه ملتقى للقوافل والمراكب.
ولعلَّ بقاء هذا الاسم على ألسنة الأهالي، بعد تغيُّر كثير من ملامح المكان، دليل على أنَّ الذَّاكرة تحتفظ بما تعجز الأبنية عن الاحتفاظ به.
قد يتغيَّر السَّاحل، وتتوقَّف السُّفُن، وتُغلَق المخازن، ويخفت صخب الأسواق، لكنَّ كلمة واحدة قادرة على إعادة المشهد كلِّه، وكأنَّ الزَّمن لم يمضِ.
ميناء الحُجَّاج … خُطى إلى البيت العتيق
لم تكن السُّفُن القادمة إلى القنفذة تحمل التُّجَّار والبضائع وحدهم، بل حملت كذلك أفواجًا من الحُجَّاج القادمين من جهات مختلفة، ممَّن اتَّخذوا البحر طريقًا إلى الدِّيار المقدَّسة.
كان الحاجُّ يرى ساحل القنفذة بعد أيَّام، وربَّما أسابيع، من تقلُّب المركب بين الموج والرِّيح، فيشعر أنَّ اليابسة التي ظهرت أمامه ليست شاطئًا عاديًّا، بل أوَّل عتبات طريقه إلى مكَّة المكرَّمة.
وحين ينزل من السَّفينة، يكون قد اجتاز فصلًا شاقًّا من رحلته، ليبدأ فصلًا آخر على اليابسة، بين القوافل والمنازل والطُّرُق.
وهنا تتبدَّى القيمة الإنسانيَّة للميناء، فلم يكن بوابةً للتِّجارة وحدها، بل كان بابًا دخل منه ضيوف الرَّحمن، وهم يحملون شوقهم إلى الكعبة، وتعب الأسفار، واختلاف ألسنتهم وألوانهم وبلدانهم.
كانت القنفذة تستقبلهم على ساحلها، فيرون أهلها، ويعبرون أسواقها، ويستريحون في رحابها، ثمَّ يتَّجهون منها نحو مقصدهم الأعظم.
وقد وثَّقت مصادر صحفيَّة ووثائق تاريخيَّة اهتمام الملك عبدالعزيز بالميناء وتهيئته لاستقبال الحُجَّاج، ووردت مراسلات في عام 1343هـ بشأن استعداد ميناء القنفذة لاستقبال القادمين بحرًا من عدن والهند وغيرها من البلاد الإسلاميَّة.
ولنا أن نتخيَّل تلك الوجوه المرهقة وهي تطأ اليابسة، وتتعالى من بينها التَّلبية والدُّعاء، وتمتلئ العيون بفرحة الاقتراب من بيت الله الحرام.
كم حمل ذلك الميناء من أمنيات.
وكم سمع من دعوات.
وكم مرَّ على أرضه حاجٌّ غريب لا يعرف من القنفذة إلَّا أنَّها كانت أوَّل أرض استقبلته في طريقه إلى المشاعر المقدَّسة.
البريد الذي كان يعبر البحر في زمن لم تكن فيه الرَّسائل تبلغ أصحابها في لحظة، ولم تكن الأخبار تنتقل عبر الشَّاشات، كان البحر يحمل البريد كما يحمل البضائع والمسافرين.
كانت الرِّسالة تقطع مسافات طويلة بين ميناء وآخر، وتنام في صناديق السُّفُن، وتقاوم رطوبة البحر وتأخُّر الرِّحلة، حتَّى تصل إلى القنفذة، ثمَّ تبدأ منها طريقًا جديدًا نحو أصحابها.
كان في الورقة الصغيرة شوق بيت كامل، أو أمر دولة، أو خبر تاجر، أو سلام غائب، وكانت قيمة الرِّسالة لا تُقاس بحجمها، بل بمقدار الانتظار الذي سبق وصولها.
وقد ارتبط ميناء القنفذة في بدايات العهد السُّعوديِّ بخدمة البريد والمراسلات، وتشير وثائق منشورة إلى أنَّ بريد الدَّولة كان يصل عن طريق الميناء، ثمَّ يُستلم ويُوزَّع إلى جهاته، كما اتُّخذت القنفذة مركزًا لتبادل بعض الرَّسائل مع الخارج.
وهنا تتَّسع صورة الميناء من جديد.
فهو ليس موضعًا للحبال والمراسي والأحمال فحسب، بل نقطة اتِّصال بين الدَّولة والعالم، تعبر من خلاله الكلمات والقرارات والأخبار.
وربَّما كانت رسالة واحدة تصل عبر ميناء القنفذة قادرة على تغيير مصير إنسان، أو طمأنة أسرة، أو تحريك تجارة، أو إيصال توجيه إلى مكان بعيد.
إنَّ للموانئ أصواتًا ظاهرةً، كصوت السُّفُن والعمَّال والأمواج، ولها أصوات خفيَّة أيضًا، كصوت الرَّسائل حين تُفتح، وزفرة المنتظر حين يرى خطَّ الغائب، وفرحة القلب حين يصل خبر طال انتظاره.
تحت راية التَّوحيد
دخلت القنفذة تحت حكم الملك عبدالعزيز في عام 1343هـ، الموافق لعام 1924م، وأُعيد تنظيم شؤونها الإداريَّة والماليَّة، وأخذ ميناؤها موقعه في مرحلة بناء الدَّولة وتوحيد البلاد.
وفي تلك المرحلة، لم تكن الموانئ مجرَّد مرافق اقتصاديَّة، بل كانت منافذ للدَّولة النَّاشئة، تصلها بالعالم، وتدخل من خلالها المؤن والبضائع، وتصدر عبرها المراسلات، وتتحرَّك منها وإليها السُّفُن.
وقد اشتهر في الكتابات المحلِّيَّة وصف ميناء القنفذة بـ«ميناء الوطن»، ونُسب إطلاق هذا الاسم إلى الملك عبدالعزيز، تقديرًا لأهمِّيَّة الميناء في خدمة البلاد وإمداد مناطق واسعة باحتياجاتها.
ومهما يكن من تفصيل التَّسمية وتوثيقها، فإنَّ الوصف يعبِّر عن منزلة الميناء في ذاكرة الأهالي، وعن شعورهم بأنَّه لم يكن ميناء مدينة واحدة، بل منفذًا أدَّى دورًا يتجاوز حدود القنفذة إلى نطاق أوسع.
كان الميناء في تلك المرحلة يستقبل السُّفُن المحمَّلة بالمؤن، ويسهم في إيصالها إلى مناطق مختلفة، كما استمرَّت عبره حركة المسافرين والحُجَّاج والبريد.
وتكشف الأخبار المنشورة في صحيفة «أمِّ القرى» في عام 1343هـ عن حركة بحريَّة نشطة، إذ ورد خبر وصول باخرة تحمل أكثر من ألفي طرد إلى ميناءَي القنفذة واللِّيث، وهو شاهد على حجم الدَّور الذي أدَّته تلك المرافئ في ذلك العهد.
وهذه الطُّرود لم تكن أرقامًا جامدةً في خبر قديم، بل كانت مؤنًا وأدوات وحاجات تنتظرها الأسواق والبيوت، وكان وراء كلِّ طرد يد تحمله، وتاجر ينتظره، وقافلة تستعدُّ لنقله.
مدينة تتبدَّل مع وصول كلِّ سفينة
كان لكلِّ سفينة تصل إلى القنفذة أثرها في وجه المدينة.
تصل سفينة، فتتَّسع حركة السُّوق.
وتغادر أخرى، فتترك وراءها مسافرين وذكريات.
وتتأخَّر سفينة، فيكثر السُّؤال عنها، وتضطرب أسعار بعض السِّلع، ويطول انتظار أصحابها.
كانت حياة النَّاس مرتبطةً إلى حدٍّ بعيد بمزاج البحر، فإذا صفا وسكنت رياحه، أقبلت السُّفُن، وإذا هاج واضطربت أمواجه، تعطَّلت الرِّحلات، وتأخَّرت البضائع، وامتدَّ الانتظار.
ولهذا نشأت بين أهل الميناء والبحر معرفة لا تُكتسب من الكتب، بل من طول المعايشة.
كان البحَّار يقرأ الرِّيح، ويعرف تقلُّب الفصول، ويتأمَّل حركة النُّجوم، ويحفظ طبائع الموج.
وكان التَّاجر يضع في حسابه احتمال التَّأخير، وتغيُّر الطَّقس، ومخاطر الرِّحلة.
وكانت الأسرة تودِّع مسافرها وهي تعلم أنَّ البحر واسع، وأنَّ العودة ليست موعدًا مضمونًا.
ومن هذه العلاقة بين الإنسان والماء، تشكَّلت في القنفذة ثقافة ساحليَّة عريقة، قوامها الصَّبر والشَّجاعة وانتظار الغائب، والثِّقة برجال خبروا البحر وعرفوا أسراره.
حكايات لم تكتبها السِّجِلَّات
ليست كلُّ حكاية في تاريخ الميناء محفوظةً في وثيقة، وليست كلُّ سفينة مذكورةً في سجلٍّ، وليست أسماء جميع البحَّارة والحمَّالين والتُّجَّار باقيةً في الكتب.
هناك تاريخ آخر عاش في صدور النَّاس.
تاريخٌ روته الجدَّات عن سفينة تأخَّرت، أو مسافر عاد بعد غياب، أو عاصفة هبَّت على السَّاحل، أو حمولة غريبة أدهشت أهل السُّوق.
وهناك رجال قضوا أعمارهم بين المرسى والمخزن، ولم تُلتقط لهم صورة، ولم يُكتب عنهم خبر، مع أنَّ أكتافهم حملت جانبًا من تاريخ المدينة.
وهناك بحَّارة حفظوا دروب الماء كما يحفظ أهل البرِّ مسالك الصَّحراء، وعرفوا الموانئ من روائحها، والرِّياح من ملامستها للوجوه، والسَّواحل من أشكالها البعيدة.
وهناك تجَّار كانوا يرقبون البحر بقلوب معلَّقة، يعرفون أنَّ رزقهم يقترب في صورة شراع، وقد يبتعد في لحظة تغيُّر فيها الرِّيح وجهتها.
إنَّ تاريخ المكان لا تصنعه القرارات الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضًا تلك الأيدي المجهولة التي عملت بصمت، والأقدام التي مشت فوق الرَّصيف، والأصوات التي ضاعت في صخب الميناء، والوجوه التي عبرت ثمَّ لم تعد.
ولهذا، فإنَّ الكتابة عن ميناء القنفذة ليست كتابةً عن حجر وماء، بل محاولة لإنصاف أولئك الذين منحوا المكان حياته، ثمَّ مضوا وبقي أثرهم مبثوثًا في ذاكرة المدينة.
حين تغيَّرت الطُّرُق وخفت صوت الميناء
ليس في حياة الأمكنة ازدهار دائم.
تتغيَّر الطُّرُق، وتتبدَّل وسائل النَّقل، وتظهر موانئ أكبر، وتمتدُّ الطُّرُق المعبَّدة، وتصبح المركبات قادرةً على حمل ما كانت تحمله القوافل والسُّفُن الصَّغيرة.
ومع تحوُّل شبكات النَّقل والتِّجارة، أخذ الدَّور التِّجاريُّ القديم لميناء القنفذة في التَّراجع، وخفت ذلك الصَّخب الذي كان يملأ السَّاحل.
غابت السُّفُن الكبيرة عن المشهد.
وسكتت المخازن.
وقلَّت نداءات الحمَّالين.
ولم تعد المدينة تنتظر ظهور شراع في الأفق لتعرف أنَّ مؤنها قد وصلت.
لكنَّ توقُّف الحركة لا يعني موت المكان.
فالميناء الذي خرج من دورة التِّجارة ظلَّ حاضرًا في دورة الذَّاكرة، وبقيت حكايته كامنةً في أسماء المواضع، وفي روايات كبار السِّنِّ، وفي الوثائق والصُّور، وفي الحنين إلى زمن كان البحر فيه أقرب إلى تفاصيل الحياة.
لقد تغيَّر وجه السَّاحل، لكنَّ البحر ما زال هو البحر.
وما زالت الأمواج تضرب الشَّاطئ الذي عرف أقدام البحَّارة والحُجَّاج والتُّجَّار.
وما زالت الرِّيح تمرُّ فوق المكان نفسه، كأنَّها تبحث عن أشرعة غابت، أو تستعيد همسات رجال كانوا يقفون هنا ذات صباح.
الميناء بوصفه ذاكرةً وطنيَّة إنَّ قيمة ميناء القنفذة لا تنحصر في إمكان إعادته إلى العمل، ولا في قياس جدواه الاقتصاديَّة وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى قيمته بوصفه شاهدًا على تاريخ المدينة، وعلى صلتها بالبحر، وعلى دورها في التِّجارة والحجِّ والبريد وبدايات بناء الدَّولة.
فالأماكن التَّاريخيَّة لا تُصان لأنَّ حجارتها قديمة فحسب، بل لأنَّها تحفظ جزءًا من قصَّة الإنسان.
وميناء القنفذة يحفظ قصص أجيال عملت وسافرت وانتظرت وودَّعت واستقبلت على ذلك السَّاحل.
إنَّه ذاكرة اقتصاديَّة، لأنَّ الأسواق والقوافل ارتبطت به.
وذاكرة اجتماعيَّة، لأنَّ حياة الأسر والمهن تشكَّلت حوله.
وذاكرة إنسانيَّة، لأنَّ الحُجَّاج والمسافرين عبروا من خلاله.
وذاكرة وطنيَّة، لأنَّه أدَّى دورًا في مرحلة توحيد البلاد واتِّصالها بالعالم.
ومن هنا، فإنَّ حفظ تاريخه ليس ترفًا ثقافيًّا، بل واجب تجاه ذاكرة المكان.
وحفظه لا يكون بمجرد وضع لوحة صغيرة تحمل اسمه، بل بجمع وثائقه، وتسجيل الرِّوايات الشَّفهيَّة عمَّن عاصروه، وحصر صوره، ودراسة آثاره، وإبراز قصَّته للأجيال.
فالجيل الجديد الذي يقف اليوم أمام البحر، من حقِّه أن يعرف أنَّ هذا السَّاحل لم يكن دائمًا موضعًا للنُّزهة والهدوء، بل كان يومًا بابًا يدخل منه العالم إلى القنفذة.
من حقِّه أن يعرف أنَّ السُّفُن كانت تظهر هنا، وأنَّ التُّجَّار كانوا ينتظرونها، وأنَّ الحُجَّاج عبروا من هذا المكان، وأنَّ البريد حمل رسائل الدَّولة والغائبين فوق أمواج البحر.
ومن حقِّ القنفذة نفسها أن تُروى حكايتها كاملةً، لا أن يبقى تاريخها موزَّعًا بين ذاكرة شيخ، ووثيقة قديمة، وصورة باهتة، وخبرٍ مطويٍّ في صحيفة.
بين الطَّاحونة والميناء.
في الحلقة الأولى، وقفنا عند طاحونة القنفذة، حيث كانت الرِّيح تدير الرَّحى، وتعين الإنسان على صناعة قوته، وفي هذه الحلقة، نقف عند الميناء، حيث كانت الرِّيح نفسها تدفع أشرعة السُّفُن، وتفتح للمدينة أبواب التِّجارة والسَّفر.
هناك، كانت الرِّيح تدير حجرًا.
وهنا، كانت الرِّيح تقود سفينةً.
هناك، كانت الحبوب تدخل الطَّاحونة لتخرج دقيقًا.
وهنا، كانت البضائع تدخل الميناء لتخرج إلى الأسواق والقرى والمدن.
وكأنَّ الرِّيح كانت شريكًا خفيًّا في صناعة تاريخ القنفذة، مرَّةً فوق الطَّاحونة، ومرَّةً بين أشرعة المراكب.
وكأنَّ المدينة القديمة بُنيت بين شاهدين، طاحونة تحفظ ذاكرة البرِّ، وميناء يحفظ ذاكرة البحر.
وبينهما عاش الإنسان، يصنع قوته، ويتاجر، ويسافر، وينتظر، ويكتب يومًا بعد يوم فصولًا من سِفْر المكان وذاكرة الزَّمان.
الميناء الذي ما زال ينتظر سفينته يمرُّ الزَّائر اليوم على ساحل القنفذة، فيرى بحرًا هادئًا، وأفقًا مفتوحًا، وموجًا يأتي ثمَّ يعود.
لكنَّ من يعرف تاريخ المكان، لا يرى البحر وحده.
يرى ساريةً ترتفع في البعيد.
ويرى سفينةً تشقُّ الماء.
ويسمع نداء بحَّار.
ويرى حمَّالًا ينحني تحت ثقل كيس.
ويلمح حاجًّا يرفع يديه شكرًا لله بعد أن بلغ اليابسة.
ويرى طفلًا يقف عند الشَّاطئ، مأخوذًا بعظمة المركب القادم من وراء الأفق.
إنَّ الأمكنة العريقة لا تفقد أصواتها، بل تخفيها في طبقات الصَّمت.
وما علينا إلَّا أن نقترب منها بقلوب مصغية، حتَّى نسمع ما تقوله.
وميناء القنفذة ما زال يقول إنَّ هنا مدينةً لم تكن منقطعةً عن العالم، بل كانت بابًا من أبوابه.
ويقول إنَّ البحر لم يكن زينةً على طرف المدينة، بل كان شريكًا في صنع تاريخها.
ويقول إنَّ السُّفُن التي غابت لم تأخذ معها الحكاية، لأنَّ الحكاية بقيت في الرَّمل، وفي أسماء الأماكن، وفي ذاكرة الأهالي، وفي كلِّ موجة تعود إلى الشَّاطئ، كأنَّها رسول قديم لا يملُّ العودة.
سيظلُّ ميناء القنفذة، وإن خفت صوته، واحدًا من أجلِّ شواهد المدينة وأعمقها دلالةً.
وسيظلُّ «ميناء الوطن» اسمًا يوقظ في الذَّاكرة زمنًا كانت فيه القنفذة بوابةً للبحر، ومرفأً للتُّجَّار والحُجَّاج، ومحطَّةً للرَّسائل والسُّفُن والعابرين.
هنا كان البحر يطرق أبواب المدينة.
وهنا كانت القنفذة تفتح له قلبها.
وهنا مرَّت وجوه، ورست سُفُن، ووصلت رسائل، وتفرَّقت قوافل، وغاب رجال، وبقي المكان شاهدًا لا يشيخ.
فإذا سألت البحر عنهم، ردَّت أمواجه على الشَّاطئ.
وإذا سألت الرِّيح عن أشرعتهم، مرَّت فوق الميناء بحنين قديم.
وإذا سألت القنفذة عن مينائها، قالت:
هنا كان بابي إلى العالم، وهنا ما زال بعض قلبي معلَّقًا بين السَّاحل والأفق.
