
المصدر -
"في تصريحات خاصة أكد الدكتور خالد حسن استشاري في التحول المؤسسي أن هناك فجوة تزداد يوما بعد يوم في قيمة الخبرة البشرية كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر تطورا
كما اضاف : الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ الحاجة إلى الخبراء، بل كشف الفرق بين من يمتلك الخبرة ومن يمتلك القدرة على كتابة سؤال."
لم يشهد العالم في تاريخه تقنية انتشرت بالسرعة التي انتشر بها الذكاء الاصطناعي. ففي غضون سنوات قليلة، انتقل من كونه تقنية متخصصة إلى أداة يستخدمها الملايين يوميًا في الأعمال، والتعليم، والطب، والهندسة، والإدارة، وصنع القرار.
ورغم هذا الانتشار غير المسبوق، أعتقد أننا بدأنا نواجه تحديًا أكبر من الذكاء الاصطناعي نفسه، وهو الاعتقاد بأن التكنولوجيا أصبحت بديلًا عن الخبرة.
خلال أكثر من ثلاثة عقود من العمل في تطوير المؤسسات الحكومية والخاصة، وتنفيذ مشاريع للتحول المؤسسي والحوكمة والتطوير الاستراتيجي، تعلمت درسًا لم يتغير رغم تغير الأدوات: التكنولوجيا لا تطور المؤسسات، وإنما المؤسسات الجاهزة هي التي تنجح في توظيف التكنولوجيا.
في الماضي، كانت المشكلة تتمثل في صعوبة الوصول إلى المعلومات. أما اليوم، فقد أصبحت المعلومات متاحة للجميع تقريبًا، وأصبح بالإمكان إعداد تقرير، أو خطة استراتيجية، أو دراسة سوق، أو تحليل مالي خلال دقائق.
لكن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نحصل على المعلومات؟
بل أصبح: كيف نعرف أن هذه المعلومات صحيحة، ومناسبة، وقابلة للتطبيق؟
لقد انخفضت تكلفة إنتاج المحتوى بصورة غير مسبوقة، بينما ارتفعت قيمة القدرة على الحكم على جودة هذا المحتوى.
وهنا تظهر ما أسميه "فجوة الخبرة والذكاء الاصطناعي."
هذه الفجوة لا تتعلق بقدرات الذكاء الاصطناعي، وإنما تتعلق بقدرة الإنسان والمؤسسة على فهم مخرجاته، وتقييمها، وربطها بسياقها الحقيقي، ثم تحويلها إلى قرارات مسؤولة.
لقد ظهرت في السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة يمكن وصفها بـ "وهم الخبرة الرقمية." فبمجرد أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، بدأ البعض يخلط بين إنتاج المحتوى وإنتاج المعرفة.
أصبح بالإمكان أن ينتج أي شخص تقريرًا يبدو احترافيًا، أو دراسة جدوى، أو خطة تسويقية، أو تحليلًا ماليًا، أو مسودة لسياسة عامة خلال وقت قصير. وقد تبدو هذه المخرجات دقيقة ومنظمة، لكنها ليست بالضرورة صحيحة أو مناسبة للواقع.
وهنا تكمن المشكلة.
فالذكاء الاصطناعي لا يعرف أهداف المؤسسة إلا إذا عُرّفت له بوضوح، ولا يفهم بيئتها القانونية أو التنظيمية أو السياسية إلا إذا زُوِّد بهذه المعلومات، ولا يستطيع أن يحدد ما إذا كانت الافتراضات التي بُني عليها السؤال صحيحة أم خاطئة.
وبالتالي، فإن جودة الإجابة لا تعتمد فقط على قوة النموذج، بل تعتمد أيضًا على خبرة الشخص الذي يطرح السؤال، وقدرته على تفسير الإجابة، واكتشاف ما قد يكون فيها من قصور أو افتراضات غير صحيحة.
ولهذا السبب، فإنني لا أرى أن الذكاء الاصطناعي يقلل من قيمة الخبرة، بل أرى أنه يجعلها أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لقد بدأت ألاحظ داخل بعض المؤسسات ظاهرة جديدة؛ إذ أصبحت عبارة "تم إعداد هذا باستخدام الذكاء الاصطناعي" تُستخدم أحيانًا كأنها دليل على الجودة، بينما يفترض أن تكون بداية عملية المراجعة والتحقق، لا نهايتها.
فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج مخرجات مقنعة، لكنه لا يتحمل مسؤولية نتائج القرار.
المسؤولية تبقى دائمًا على الإنسان.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول مخرجات الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن التفكير النقدي، لا إلى أداة تدعمه.
تشير العديد من الدراسات الحديثة الصادرة عن مؤسسات بحثية واستشارية عالمية إلى أن تعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي لا يرتبط غالبًا بضعف التكنولوجيا، وإنما بضعف القيادة، وغياب الحوكمة، وسوء جودة البيانات، وضعف إدارة التغيير، وعدم جاهزية المؤسسات للاستفادة من هذه التقنيات.
وهذا ينسجم مع ما نراه عمليًا في كثير من المؤسسات؛ فالمشكلة ليست في امتلاك أحدث الحلول، وإنما في غياب المنهجية التي تضمن استخدامها بصورة صحيحة.
ولعل أفضل تشبيه لذلك هو أن امتلاك أحدث طائرة في العالم لا يجعل صاحبها طيارًا محترفًا. فالطائرة قد تكون مزودة بأحدث الأنظمة، لكن سلامة الرحلة تعتمد في النهاية على خبرة قائدها، وكفاءة الطاقم، والإجراءات، ونظم الرقابة، وثقافة السلامة.
والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي.
إن المؤسسة التي تفتقر إلى الخبرة، والحوكمة، وآليات التحقق، وثقافة التفكير النقدي، قد تصبح أكثر سرعة في إنتاج التقارير، لكنها ليست بالضرورة أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة.
بل إن الخطر الحقيقي لا يظهر فورًا.
فالقرارات المبنية على تحليلات غير دقيقة قد تبدو ناجحة في بدايتها، ثم تتراكم آثارها تدريجيًا لتتحول بعد أشهر أو سنوات إلى مشروعات متعثرة، أو استثمارات غير مجدية، أو سياسات لم تحقق أهدافها. وعندها يصبح من الصعب تحديد موضع الخطأ، لأن الجميع يفترض أن القرار كان "مبنيًا على الذكاء الاصطناعي".
ولهذا، أرى أن المرحلة المقبلة لن تشهد منافسة بين المؤسسات التي تمتلك أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، بل بين المؤسسات التي تمتلك أفضل قدرة على توظيف تلك الأدوات.
فالذكاء الاصطناعي سيصبح متاحًا للجميع، أما الخبرة، والحكم المهني، والقدرة على تقييم المخرجات، فستظل عوامل تميز لا يمكن شراؤها أو تنزيلها أو تثبيتها ببرنامج.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل رئيس تنفيذي، وكل وزير، وكل مجلس إدارة، لم يعد:
"ما أفضل منصة ذكاء اصطناعي يمكننا شراؤها؟"
بل أصبح: "هل نمتلك داخل مؤسساتنا الخبرة التي تمكننا من تحويل مخرجات الذكاء الاصطناعي إلى قرارات تحقق قيمة حقيقية؟"
إن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكًا للتكنولوجيا، بل للأكثر قدرة على فهمها، وتوجيهها، ومساءلتها.
فالذكاء الاصطناعي سيغير طريقة عملنا، لكنه لن يلغي الحاجة إلى الخبرة.
بل على العكس، سيجعلها أكثر قيمة من أي وقت مضى.
لقد خفّض الذكاء الاصطناعي تكلفة إنتاج الإجابات، لكنه رفع قيمة الخبرة اللازمة للحكم عليها.
وربما تكون هذه هي الميزة التنافسية الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي: ليست قوة الخوارزميات، بل جودة الحكم البشري الذي يقودها
كما اضاف : الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ الحاجة إلى الخبراء، بل كشف الفرق بين من يمتلك الخبرة ومن يمتلك القدرة على كتابة سؤال."
لم يشهد العالم في تاريخه تقنية انتشرت بالسرعة التي انتشر بها الذكاء الاصطناعي. ففي غضون سنوات قليلة، انتقل من كونه تقنية متخصصة إلى أداة يستخدمها الملايين يوميًا في الأعمال، والتعليم، والطب، والهندسة، والإدارة، وصنع القرار.
ورغم هذا الانتشار غير المسبوق، أعتقد أننا بدأنا نواجه تحديًا أكبر من الذكاء الاصطناعي نفسه، وهو الاعتقاد بأن التكنولوجيا أصبحت بديلًا عن الخبرة.
خلال أكثر من ثلاثة عقود من العمل في تطوير المؤسسات الحكومية والخاصة، وتنفيذ مشاريع للتحول المؤسسي والحوكمة والتطوير الاستراتيجي، تعلمت درسًا لم يتغير رغم تغير الأدوات: التكنولوجيا لا تطور المؤسسات، وإنما المؤسسات الجاهزة هي التي تنجح في توظيف التكنولوجيا.
في الماضي، كانت المشكلة تتمثل في صعوبة الوصول إلى المعلومات. أما اليوم، فقد أصبحت المعلومات متاحة للجميع تقريبًا، وأصبح بالإمكان إعداد تقرير، أو خطة استراتيجية، أو دراسة سوق، أو تحليل مالي خلال دقائق.
لكن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نحصل على المعلومات؟
بل أصبح: كيف نعرف أن هذه المعلومات صحيحة، ومناسبة، وقابلة للتطبيق؟
لقد انخفضت تكلفة إنتاج المحتوى بصورة غير مسبوقة، بينما ارتفعت قيمة القدرة على الحكم على جودة هذا المحتوى.
وهنا تظهر ما أسميه "فجوة الخبرة والذكاء الاصطناعي."
هذه الفجوة لا تتعلق بقدرات الذكاء الاصطناعي، وإنما تتعلق بقدرة الإنسان والمؤسسة على فهم مخرجاته، وتقييمها، وربطها بسياقها الحقيقي، ثم تحويلها إلى قرارات مسؤولة.
لقد ظهرت في السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة يمكن وصفها بـ "وهم الخبرة الرقمية." فبمجرد أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، بدأ البعض يخلط بين إنتاج المحتوى وإنتاج المعرفة.
أصبح بالإمكان أن ينتج أي شخص تقريرًا يبدو احترافيًا، أو دراسة جدوى، أو خطة تسويقية، أو تحليلًا ماليًا، أو مسودة لسياسة عامة خلال وقت قصير. وقد تبدو هذه المخرجات دقيقة ومنظمة، لكنها ليست بالضرورة صحيحة أو مناسبة للواقع.
وهنا تكمن المشكلة.
فالذكاء الاصطناعي لا يعرف أهداف المؤسسة إلا إذا عُرّفت له بوضوح، ولا يفهم بيئتها القانونية أو التنظيمية أو السياسية إلا إذا زُوِّد بهذه المعلومات، ولا يستطيع أن يحدد ما إذا كانت الافتراضات التي بُني عليها السؤال صحيحة أم خاطئة.
وبالتالي، فإن جودة الإجابة لا تعتمد فقط على قوة النموذج، بل تعتمد أيضًا على خبرة الشخص الذي يطرح السؤال، وقدرته على تفسير الإجابة، واكتشاف ما قد يكون فيها من قصور أو افتراضات غير صحيحة.
ولهذا السبب، فإنني لا أرى أن الذكاء الاصطناعي يقلل من قيمة الخبرة، بل أرى أنه يجعلها أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لقد بدأت ألاحظ داخل بعض المؤسسات ظاهرة جديدة؛ إذ أصبحت عبارة "تم إعداد هذا باستخدام الذكاء الاصطناعي" تُستخدم أحيانًا كأنها دليل على الجودة، بينما يفترض أن تكون بداية عملية المراجعة والتحقق، لا نهايتها.
فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج مخرجات مقنعة، لكنه لا يتحمل مسؤولية نتائج القرار.
المسؤولية تبقى دائمًا على الإنسان.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول مخرجات الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن التفكير النقدي، لا إلى أداة تدعمه.
تشير العديد من الدراسات الحديثة الصادرة عن مؤسسات بحثية واستشارية عالمية إلى أن تعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي لا يرتبط غالبًا بضعف التكنولوجيا، وإنما بضعف القيادة، وغياب الحوكمة، وسوء جودة البيانات، وضعف إدارة التغيير، وعدم جاهزية المؤسسات للاستفادة من هذه التقنيات.
وهذا ينسجم مع ما نراه عمليًا في كثير من المؤسسات؛ فالمشكلة ليست في امتلاك أحدث الحلول، وإنما في غياب المنهجية التي تضمن استخدامها بصورة صحيحة.
ولعل أفضل تشبيه لذلك هو أن امتلاك أحدث طائرة في العالم لا يجعل صاحبها طيارًا محترفًا. فالطائرة قد تكون مزودة بأحدث الأنظمة، لكن سلامة الرحلة تعتمد في النهاية على خبرة قائدها، وكفاءة الطاقم، والإجراءات، ونظم الرقابة، وثقافة السلامة.
والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي.
إن المؤسسة التي تفتقر إلى الخبرة، والحوكمة، وآليات التحقق، وثقافة التفكير النقدي، قد تصبح أكثر سرعة في إنتاج التقارير، لكنها ليست بالضرورة أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة.
بل إن الخطر الحقيقي لا يظهر فورًا.
فالقرارات المبنية على تحليلات غير دقيقة قد تبدو ناجحة في بدايتها، ثم تتراكم آثارها تدريجيًا لتتحول بعد أشهر أو سنوات إلى مشروعات متعثرة، أو استثمارات غير مجدية، أو سياسات لم تحقق أهدافها. وعندها يصبح من الصعب تحديد موضع الخطأ، لأن الجميع يفترض أن القرار كان "مبنيًا على الذكاء الاصطناعي".
ولهذا، أرى أن المرحلة المقبلة لن تشهد منافسة بين المؤسسات التي تمتلك أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، بل بين المؤسسات التي تمتلك أفضل قدرة على توظيف تلك الأدوات.
فالذكاء الاصطناعي سيصبح متاحًا للجميع، أما الخبرة، والحكم المهني، والقدرة على تقييم المخرجات، فستظل عوامل تميز لا يمكن شراؤها أو تنزيلها أو تثبيتها ببرنامج.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل رئيس تنفيذي، وكل وزير، وكل مجلس إدارة، لم يعد:
"ما أفضل منصة ذكاء اصطناعي يمكننا شراؤها؟"
بل أصبح: "هل نمتلك داخل مؤسساتنا الخبرة التي تمكننا من تحويل مخرجات الذكاء الاصطناعي إلى قرارات تحقق قيمة حقيقية؟"
إن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكًا للتكنولوجيا، بل للأكثر قدرة على فهمها، وتوجيهها، ومساءلتها.
فالذكاء الاصطناعي سيغير طريقة عملنا، لكنه لن يلغي الحاجة إلى الخبرة.
بل على العكس، سيجعلها أكثر قيمة من أي وقت مضى.
لقد خفّض الذكاء الاصطناعي تكلفة إنتاج الإجابات، لكنه رفع قيمة الخبرة اللازمة للحكم عليها.
وربما تكون هذه هي الميزة التنافسية الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي: ليست قوة الخوارزميات، بل جودة الحكم البشري الذي يقودها
