المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الثلاثاء 7 أبريل 2026
من أقاصي المملكة إلى وادي حلي وفاءً وتكريماً للشيخ محمد حمد العمري
محمد عطية الشرقي - المشرف العام رئيساً التحرير والنشر
المصدر - بقلم الإعلامي. محمد عطية الشرقي  في وادي حلي، حيث تُنقش الأيام على صخر الذاكرة، وتُستخرج من صدور الرجال معادن المعاني، انعقدت ليلةٌ لو أن للدهر عينًا تُبصر بها خلوده، لاختارها مرآةً له؛ ليلة حفل الشيخ محمد بن حمد العمري -شيخ قبائل العمور-، بمناسبة زواج ابنه أحمد، ليلةٌ لم تكن حدثًا يُروى، بل أثرًا يُخلَّد، ولا احتفاءً ينقضي، بل ملحمةً تُستعاد كلما ذُكر المجد.

من أقاصي المملكة إلى أدانيها، شدَّت الوفود رحالها، وتقاطرت الجموع من مختلف المناطق والمحافظات، حتى انثالت ساحة الوادي بالبشر انثيال المطر على الأرض العطشى، وامتلأت جنباتها عن آخرها، وضاقت رحابها بما رحبت، حتى ليُخيَّل للناظر أن المكان قد ضاق بالزمان، وأن الخطو فيه يستأذن من كثافة الحضور؛ مشهدٌ تُقاس فيه المقامات لا بعدد المجالس، بل بفيض القلوب التي جاءت طوعًا ومحبة.

وفي قلب هذا المدَّ البشري، برزت وجوهٌ تحمل ثقل التاريخ: شيوخ قبائل، وأعيان مجتمع، ونخبة من مسؤولي الدولة، يتقدَّمهم محافظ القنفذة، وصحبه من محافظي المنطقة؛ فاجتمع رسم الهيبة مع جوهر المودة، وتصافحت في تلك الليلة يد الدولة مع قلب المجتمع، في مشهدٍ نادرٍ لا يُصطنع، بل يولد من عمق المكانة وصدق الحضور.

ثم ما لبثت الساحة أن تحوَّلت إلى نبضٍ حيَّ، حين دوَّت العرضة، وانبعثت الفلكلورات الشعبية، لا كأداءٍ عابر، بل كبيانٍ ناطق؛ وكأن الطبول تُفصح، والسيوف تُترجم، فتُعيد للذاكرة لغتها الأولى؛ لغة المجد حين كان يُكتب على وقع الخطى؛ وهناك، في قلب الصورة، برز “صفّ العمور” كالسطر الأبلغ في قصيدة الفخر؛ رجالٌ إذا اصطفَّوا صار الصف معنى، وإذا تحرَّكوا صار المجد مشهدًا، سيوفٌ تتعانق، وخطىً تتَّحد، ووجوهٌ تعلن أن العزَّ هنا ليس تاريخًا يُروى، بل حاضرٌ يُرى.

وفي عمق هذا المشهد، وقف شيوخ وادي حلي وقفةً لا تُوصف بل تُحسَّ؛ اصطفافٌ كالبنيان، وتآزرٌ كالنَّفَس في الجسد، حتى بدا أن الأرض قد اتخذتهم شاهدًا على أن القيم إذا سكنت الرجال، صارت أفعالًا لا أقوالًا، وأن الوفاء إذا بلغ مداه استغنى عن الإعلان.

وأما أبناء العمور، فقد صاغوا من تلاحمهم درسًا لا يُكتب بالحبر، بل يُحفر في الذاكرة؛ يدٌ إذا امتدت لم تُرد، وجهدٌ إذا بُذل لم يُحصَ، حتى غدا الحفل كأنه كيانٌ واحد، له قلبٌ يخفق باسمهم، وروحٌ تسري فيهم، في صورةٍ تُجسَّد الجماعة حين تبلغ تمامها.

لتأتي الضيافة، لا بوصفها تفصيلًا، بل ذروة المعنى؛ كرمٌ يُربك المقاييس، وسخاءٌ يُثقل الموازين، وبذلٌ كأن له معينًا لا ينضب، حتى ليحسب الضيف أنه دخل زمنًا آخر؛ زمنًا كانت فيه الموائد تُنصب للمعنى قبل الطعام، وللقيمة قبل الضيف.

وهكذا انقضت ليلةٌ لا يُحيط بها وصف، ولا تُدركها عبارة؛ ليلةٌ لم تكن زواجًا فحسب، بل إعلانًا صريحًا أن وادي حلي إذا نطق نطق بالمجد، وأن العمور إذا اجتمعوا اجتمعوا على صورةٍ من العزَّ لا تقبل النقص؛ فبقيت أثرًا يتردَّد في الذاكرة كالصدى لا يخبو، وكأنها لم تمضِ، بل استقرَّت في الزمن شاهدًا عليه، لا جزءًا منه.