المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 12 فبراير 2026
شيفرة النانو9630، دروس الإسفنج والكربون في إعادة تشكيل الذات.
د.هاشم بن محمد الحبشي
بواسطة : د.هاشم بن محمد الحبشي 12-02-2026 02:23 مساءً 2.8K
المصدر -  
الإسفنج الذي تهشِّمه الدوامات البحرية، أو تفترسه الأسماك إلى مئات القِطع، لا يموت كما قد نتوقع، فكل قطعة صغيرة منه تستطيع أن تسبح مع الماء، وتلتئم خلاياها، ثم تنمو لتصبح إسفنجًا جديدًا كاملًا. إنها قدرة مذهلة على التجدد والاستمرار رغم التمزق.

أُجريت تجربة شهيرة لاختبار حدود هذه القدرة، فتم تهشيم الإسفنج إلى أجزاء دقيقة بإبرة، ثم طُرِق بعنف، وطُحِن وهُرِس، بل وعُصِر في قماش شديد الدقة حتى تحوَّل إلى فُتات مجهري.

ومع ذلك، بدأت الخلايا تتجمع من جديد، وتنتظم، وتنمو حتى عاد الإسفنج إلى صورته الطبيعية، وكأن شيئًا لم يحدث.

هذه الحقيقة العلمية ليست مجرد ظاهرة بيولوجية، بل درس عميق في الإصرار على العطاء والبناء.

فكما أن خلايا الإسفنج لا تستسلم للتهشيم، بل تعود لتجتمع وتبني نفسها من جديد، كذلك الإنسان قادر، مهما تعرَّض للضغوط أو الانكسار أن يعيد تشكيل ذاته، ويواصل العطاء، ويستأنف البناء من أبسط البدايات.

الكربون، ذلك العنصر الذي نراه فحمًا هشًّا أو رمادًا يتطاير، إذا هُشِّم إلى مقياس النانومتر وأُعيد ترتيب ذراته بدقة، صار أقوى من الحديد بعشرات المرات، وأصلد منه مئة مرة. ذرات الكربون نفسها، التي كانت تتفتت أو تتبخر، تعود لتنتظم في بناء هندسي فريد، فتصير أيقونة القوة والصلادة.

إنها هندسة الخالق المبدع ذاتها.

من التهشيم تُولَد القوة، ومن إعادة التنظيم تُخلَق معجزات الصمود.

وفي هذا درس للإنسان، فحين يُعاد ترتيب شتاته، وتُجمَع خيوط روحه بعد الانكسار، قد لا يعود كما كان فحسب، بل قد يصوغ من ركام تجربته هيكلًا أصلب من الفولاذ.

فليس التهشيم نهاية الحياة، بل قد يكون بداية تنظيمٍ جديدٍ أقوى وأقدر على الاستمرار…
فمن الذرة إلى المجرّة.