المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأحد 8 فبراير 2026
حاتمُ الطائي يزورُ حاتمَ أكلب … مسيرةُ كرمٍ لا تموت الشيخ مبارك بن بخيتان الأكلبي نموذجًا
محمد عطية الشرقي - المشرف العام رئيساً التحرير والنشر
المصدر - للكاتب الإعلامي محمد عطية الشرقي  ليس كلُّ الرجال تُعرَف أقدارهم بالألقاب، ولا تُقاس مكانتهم بالمناصب؛ فثمَّة رجالٌ إذا ذُكروا حضرت المعاني، وإذا جلسوا تهادت الهيبة، وإذا تكلَّموا أنصتت العقول قبل الأذان، ومن أولئك الشيخ مبارك بن عبدالله بن بخيتان الأكلبي؛ رجلٌ لا يُعرَّف، بل يُستحضَر.

هو إعلاميٌّ بوعي الدولة، ورجلُ دولةٍ بعقل الإعلامي، صاحبُ جاهٍ لم يُثقِله، ووجاهةٍ لم تُفسده، اسمٌ إذا ورد في ميادين الصلح والإصلاح سبقته الطمأنينة، وتبعه الأمل، لم تُحدِّد جهوده خارطة، ولم تُقيَّد إصلاحاته جغرافيا؛ فحيثما كان الخلاف حضر بالحكمة، وحيثما استحكم النزاع حضر بالعدل، وحيثما اشتدَّ الخصام انفرج بالحِلم.

وليس عجبًا أن يكون كذلك؛ فهو أحد وجوه قبيلة أكلب، القبيلة العريقة الضاربة في عمق التاريخ، التي لم تكن يومًا رقمًا في سجل، بل موقفًا في كل مرحلة، وظهرًا للدولة، وعضدًا لملوكها وقادتها، ورافدًا من روافد الأمن والإستقرار، قبيلةٌ أنجبت الرجال وخلَّفت الكرام، حتى ليصحَّ القول -دون مبالغة- إنها تعدل دولةً بثقلها ووزنها ومكانتها، ومن ينشأ في بيتٍ كهذا، لا يكون إلا امتدادًا لأصله، ولا يخرج عن سياق القيم التي صاغت اسمه واسم قبيلته عبر الزمن، فكان الشيخ مبارك أحد رموزها وأعلامها وكبارها، صورةً تُجسِّد القبيلة، لا تمثَّل نفسها فقط.

أما مجلسه … فذاك فصلٌ آخر من الحكاية، مجلسٌ إذا استُحضر قفز إلى الذاكرة مجلس حاتم الطائي؛ لا تشبيهًا عابرًا، بل توصيفُ حال، بابٌ لا يُوصَد، وموعدٌ دائم مع الكرم لا تُحدِّده أيامٌ ولا مواسم؛ كل يومٍ فيه ضيف، وكل يومين وفود، ومن كل مدينةٍ وجه، ومن كل قبيلة اسم، مجلسه مساحةٌ وطنيةٌ واسعة، يلتقي فيها المختلفون قبل المتفقين، ويتآلف فيها المتباعدون، ويخرج منها الناس أكثر قربًا وطمأنينة.

وقد مرَّ بمجلسه أصحابُ السمو، ووزراءُ الدولة، وعلماءُ الشريعة، وشيوخُ الإمارة والمجتمع، وسفراء، وشعراء، وأدباء، ورجالاتُ علمٍ وإعلام، وقياداتٌ من داخل المملكة وخارجها،مجلسٌ لا تُحصيه الأسماء، بل تُعرِّفه نوعية الحضور؛ حيث تتجاور السياسة مع الحكمة، والعلم مع الوقار، والكرم مع الأصالة.

وأقولها شهادةً لا رواية من موقع المعايشة لا السماع زرته، فرأيت رجلًا يشبه ما يُقال عنه، لا يزيد الواقع عن الرواية، ولا تنقص الرواية عن الحقيقة، رأيت الكرم بلا تكلَّف، والتقدير بلا تصنَّع، والتواضع وهو في أعلى درجات الحضور، رجلٌ لا يمثل نفسه، بل يحمل إرث قبيلة كاملة في سلوكه، وفي حديثه، حتى في استقباله، وكأن أكلب كلَّها حاضرة في هيئته، وفي سلامه، وفي ابتسامته، وفي مجلسه.

ومن هذا المقام، نستأذن التاريخ، ونستأذن الكِرام، ونستأذنكم، بطلبٍ مُحبٍّ منصف، لا أراه بأسًا بل حقًا معنويًا أن نُشرِّفه باللقب الذي يستحقه عن جدارة (حاتم أكلب)، وأكلب كلَّها كرام شيوخًا وأعيانًا، كبارًا وصغارًا، غير أن الشيخ مبارك يُجسِّد هذا المعنى تمثيلًا؛ فهو سفيرها في ميادين البر، ولسانها في الخير، ووجهها في مجالس الجود والكرم، ورايتها في صروح الصلح والإصلاح، أينما حلَّ، حلَّت طيبة الخُلٌق، ونُبل السجايا، وسعة اليد، وحكمة العقل.

وليس أدلَّ على ذلك من ليلة البارحة، حين شرَّف مجلسه العالم الوقور، والعلم المنار، الشيخ الدكتور عائض بن عبدالله القرني، في مشهدٍ أشبه بكرنفالٍ اجتماعيٍّ مهيب؛ حفاوةٌ لا تُستغرب، وكرمٌ لا يُستكثر، ومجلسٌ يليق بمضيفه وضيفه معًا، ليلةٌ أكَّدت أن هذا المجلس ليس مجرد مكانًا فحسب، بل رسالة، وليس تجمعًا عابرًا، بل قيمة.

الشيخ مبارك ليس حالةً عابرة، ولا اسمًا في مناسبة؛ بل نموذجٌ حيٌّ لرجلٍ أدرك أن الجاه مسؤولية، وأن الوجاهة أمانة، وأن الكرم موقف، وأن الإصلاح رسالة، هو واحدٌ من أولئك الذين إذا ذُكروا قيل: ما زال في الناس خير، حفظه الله، وجعل ما يقوم به في ميزان حسناته، وأدام على الوطن أمثاله، وأدامه علمًا من أعلام الصلح، ووجهًا من وجوه الخير، ومرآةً صادقة لقيم هذا الوطن وقبائله الأصيلة.