المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الثلاثاء 3 فبراير 2026
محمد سعد الثبيتي… حين يصبح الإعلام ذاكرة وطن وصوت مكان
حامدالطلحي - الطائف
بواسطة : حامدالطلحي - الطائف 03-02-2026 03:53 مساءً 1.3K
المصدر -  
في المدن التي تُجيد الإصغاء لأبنائها، ينهض من بين تفاصيلها رجالٌ يصنعون المعنى قبل الخبر، ويمنحون الكلمة وزنها الأخلاقي قبل أن يمنحوها الانتشار. ومن الطائف – حيث يلتقي التاريخ بالهواء العليل – يبرز اسم محمد سعد الثبيتي بوصفه نموذجًا للإعلامي الذي لم يكتفِ بأن يكون شاهدًا على المشهد، بل كان أحد صنّاعه.
لم يكن حضوره الإعلامي طارئًا ولا عابرًا؛ بل مسيرة تراكمت فيها التجربة حتى صارت ملامح مدرسة. في العلاقات العامة قاد الفكرة قبل أن يقود الحدث، وفي اللجنة الإعلامية صاغ الصورة المهنية للعمل الرسمي والمجتمعي، فانتقل الخطاب من مجرد نقلٍ للوقائع إلى بناءٍ للثقة وتثبيتٍ للهوية.
وحين تولّى الإدارة الإقليمية لجريدة «الندوة»، لم يضع الخبر على الطاولة فقط، بل وضع المسؤولية إلى جواره. كانت الصحافة لديه مرآةً للوعي، لا نافذةً للضجيج، فأسهم في تعزيز المحتوى المسؤول، ومواكبة القضايا الوطنية والثقافية بميزان الدقة وهدوء الحكمة.
أما في السياحة والثقافة، فقد اختار أن يكون للتراث صوتٌ معاصر. نائبًا للأمين العام للتنشيط السياحي، ورئيسًا للجنة الإعلامية بسوق عكاظ لأربع سنوات، أعاد تقديم السوق بوصفه منصة حضارية لا مهرجانًا عابرًا؛ مساحةً تتجاور فيها القصيدة مع الكاميرا، والتاريخ مع الخطاب الحديث، حتى غدا عكاظ واجهة ثقافية تتحدث للعالم بلسان المكان.
وفي الأثير الإذاعي، لم يكن مذيعًا بقدر ما كان مُحاورًا للمعنى. قدّم البرامج والحوارات الثقافية والإعلامية، وشارك في صياغة المقدمات النثرية للأوبريتات الوطنية، فامتزج الصوت بالنص، والحدث بالرمز، لتتشكّل لغة ثالثة تُحسن الاحتفاء بالوطن دون ابتذال، وبالثقافة دون تعقيد.
وعندما كتب، كتب بوعي المؤرّخ وجرأة المفكّر. في كتابه «إثبات مشرقة» – الذي جاوز أربعمائة صفحة – قدّم نصًا يجمع بين الفكر والتوثيق، كأنه أراد للكلمة أن تكون أرشيفًا، وللتجربة أن تتحول إلى شاهدٍ معرفيٍّ على زمنه. لم تكن صفحاته تجميعًا لمقالات، بل بناءً لرؤية تُصرّ على أن الإعلام معرفة قبل أن يكون مهنة.
وقد جاءت التكريمات لتشهد على أثره لا لتصنعه؛ من أمراء عاصروا تجربته وكرّموا عطاءه، إلى وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الثالثة، إلى المشاركات والمؤتمرات الداخلية والدولية التي حمل فيها اسم بلده وتجربته المهنية بوصفهما بطاقة تعريف حضارية.
إن الحديث عن محمد سعد الثبيتي ليس سردًا لسيرة، بل قراءةٌ في معنى الإعلام حين يتجاوز الخبر إلى القيم، ويتخطّى اللحظة إلى الذاكرة. هو إعلاميٌّ جمع بين الحضور المهني والإسهام الثقافي، بين الخبرة والالتزام، وبين حب المكان وخدمة الوطن. لذلك يبدو اسمه – في سجل الطائف الإعلامي – علامةً لا تُقرأ منفردة، بل تُقرأ في سياقها: سياق رجلٍ جعل من الكلمة مسؤولية، ومن المنصب أداة خدمة، ومن النجاح ذاكرةً مشتركة.
وهكذا، حين يُذكر الإعلام في الطائف، يُستدعى اسمٌ يعرف كيف يحفظ للمدينة صورتها، وللوطن لغته، وللمهنة شرفها