
المصدر - تقرير الإعلامية بشرى العامري
لا يوحِّد اليمنيين صوتٌ كما فعل صوت أبوبكر سالم بلفقيه.
صوتٌ حين يعلو، تتراجع الجغرافيا، وتذوب الفوارق، ويصير اللحن وطناً مؤقّتاً يتّسع للجميع.
لم يكن مجرد حنجرة نادرة، بل عبقرية تعرف كيف تعبر الطبقات والعصور، ويقودها عقل فنانٍ ذكي، مثقف، شديد الوعي بما يغنّي ولماذا يغنّي.
كان أبوبكر سالم شاعراً مُجيداً قبل أن يكون مطرباً، قارئاً نهماً للتراث العربي، متصالحاً مع الفصيح والعامي، صاحب حضور طاغ لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت نفسه. في صوته وقار الحكمة، وفي أدائه دهشة البدايات، وفي اختياراته وعيُ من يعرف أن الفن مسؤولية بقدر ما هو متعة.
وُلد بلفقيه في 17 مارس 1939 في مدينة تريم التاريخية بحضرموت، المدينة التي تُنجب العلماء والفقهاء كما تُنجب الأصوات الكبيرة. ومن هناك، شق طريقه بهدوء الواثق، ليغدو رمزاً من رموز الفن العربي، متجاوزاً الإطار اليمني، دون أن يتخلّى عنه، حتى صار أحد العلامات الفارقة في الموسيقى العربية الحديثة.
وعلى امتداد تجربته، لم يكن أبوبكر سالم فنان منطقة أو لهجة واحدة، بل كان صوت اليمن الكبير. القادم من حضرموت، حمل الجنوب والشمال معاً في حنجرته، وغنّى باللهجة الحضرمية كما هي، وبالصنعانية بصفائها، وبالتهامية بعفويتها ودفئها، دون افتعال أو تزييف.
لم يتعامل مع التنوع بوصفه انقساماً، بل باعتباره ثراءً، مؤكداً بالفعل لا بالشعار أن اليمن واحد، واسع بتعدده، عصيّ على التجزئة.
في غنائه، بدت وحدة الأرض حقيقة فنية راسخة، لا جدلاً سياسياً عابراً، وكان صوته جسراً طبيعياً يصل ما حاولت الجغرافيا واللحظة السياسية أن تفصله.
وعلى مدى ما يزيد عن ستة عقود من العطاء، أصبح أبوبكر سالم واحداً من أشهر الفنانين العرب على الساحة الخليجية والعربية، حتى لُقّب بـ «أبو الغناء الخليجي». أتقن ألوان الغناء العربي المختلفة، فكان متفرّداً في الغناء الحضرمي الذي شكّل جذره الأول، ومجدّداً في الغناء الخليجي، وحاضراً بوعيٍ خاص في اللون الصنعاني، مقدّماً روائع خالدة مثل:
قال المعنى، وامغرد، أحبة ربى صنعاء، رسولي قوم بلغ لي إشارة، مجروح، وأصيل والله أصيل.
كما غنّى القصيدة الفصيحة، ولا سيما أشعار أبي القاسم الشابي، ووقف على مسارح المهرجانات العربية الكبرى، ممثلاً للصوت العربي الأصيل.
غنّى لليمن أرضاً وإنساناً، لا كشعارٍ عابر، بل كقناعة عميقة، فجاءت أعمال من كلماته وألحانه مثل «أمي اليمن» شاهدة على علاقة وجدانية لا تنفصم بين الفنان ووطنه. كما شكّل مع الشاعر الكبير أبوبكر المحضار ثنائياً استثنائياً، ترك بصمة لا تُمحى في الذاكرة اليمنية والخليجية أيضا، حيث امتزج الشعر الصادق باللحن الذكي، فخرجت أغنيات تعيش أطول من أصحابها.
رحل أبوبكر سالم جسداً، وبقي صوتاً لا يشيخ،
كلما ضاقت اليمن بأوجاعها،
عاد صوته ليذكّرها بأنها قادرة على الغناء، وأن ما يجمعها، حين تعجز السياسة،
قد يكون أغنية خالدة لايطويها الزمان.
صوتٌ حين يعلو، تتراجع الجغرافيا، وتذوب الفوارق، ويصير اللحن وطناً مؤقّتاً يتّسع للجميع.
لم يكن مجرد حنجرة نادرة، بل عبقرية تعرف كيف تعبر الطبقات والعصور، ويقودها عقل فنانٍ ذكي، مثقف، شديد الوعي بما يغنّي ولماذا يغنّي.
كان أبوبكر سالم شاعراً مُجيداً قبل أن يكون مطرباً، قارئاً نهماً للتراث العربي، متصالحاً مع الفصيح والعامي، صاحب حضور طاغ لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت نفسه. في صوته وقار الحكمة، وفي أدائه دهشة البدايات، وفي اختياراته وعيُ من يعرف أن الفن مسؤولية بقدر ما هو متعة.
وُلد بلفقيه في 17 مارس 1939 في مدينة تريم التاريخية بحضرموت، المدينة التي تُنجب العلماء والفقهاء كما تُنجب الأصوات الكبيرة. ومن هناك، شق طريقه بهدوء الواثق، ليغدو رمزاً من رموز الفن العربي، متجاوزاً الإطار اليمني، دون أن يتخلّى عنه، حتى صار أحد العلامات الفارقة في الموسيقى العربية الحديثة.
وعلى امتداد تجربته، لم يكن أبوبكر سالم فنان منطقة أو لهجة واحدة، بل كان صوت اليمن الكبير. القادم من حضرموت، حمل الجنوب والشمال معاً في حنجرته، وغنّى باللهجة الحضرمية كما هي، وبالصنعانية بصفائها، وبالتهامية بعفويتها ودفئها، دون افتعال أو تزييف.
لم يتعامل مع التنوع بوصفه انقساماً، بل باعتباره ثراءً، مؤكداً بالفعل لا بالشعار أن اليمن واحد، واسع بتعدده، عصيّ على التجزئة.
في غنائه، بدت وحدة الأرض حقيقة فنية راسخة، لا جدلاً سياسياً عابراً، وكان صوته جسراً طبيعياً يصل ما حاولت الجغرافيا واللحظة السياسية أن تفصله.
وعلى مدى ما يزيد عن ستة عقود من العطاء، أصبح أبوبكر سالم واحداً من أشهر الفنانين العرب على الساحة الخليجية والعربية، حتى لُقّب بـ «أبو الغناء الخليجي». أتقن ألوان الغناء العربي المختلفة، فكان متفرّداً في الغناء الحضرمي الذي شكّل جذره الأول، ومجدّداً في الغناء الخليجي، وحاضراً بوعيٍ خاص في اللون الصنعاني، مقدّماً روائع خالدة مثل:
قال المعنى، وامغرد، أحبة ربى صنعاء، رسولي قوم بلغ لي إشارة، مجروح، وأصيل والله أصيل.
كما غنّى القصيدة الفصيحة، ولا سيما أشعار أبي القاسم الشابي، ووقف على مسارح المهرجانات العربية الكبرى، ممثلاً للصوت العربي الأصيل.
غنّى لليمن أرضاً وإنساناً، لا كشعارٍ عابر، بل كقناعة عميقة، فجاءت أعمال من كلماته وألحانه مثل «أمي اليمن» شاهدة على علاقة وجدانية لا تنفصم بين الفنان ووطنه. كما شكّل مع الشاعر الكبير أبوبكر المحضار ثنائياً استثنائياً، ترك بصمة لا تُمحى في الذاكرة اليمنية والخليجية أيضا، حيث امتزج الشعر الصادق باللحن الذكي، فخرجت أغنيات تعيش أطول من أصحابها.
رحل أبوبكر سالم جسداً، وبقي صوتاً لا يشيخ،
كلما ضاقت اليمن بأوجاعها،
عاد صوته ليذكّرها بأنها قادرة على الغناء، وأن ما يجمعها، حين تعجز السياسة،
قد يكون أغنية خالدة لايطويها الزمان.
