الأمن مسؤولية مشتركة: السعودية تعيد رسم معادلة تقاسم الأعباء.!
حين تصبح الشراكة الدولية التزاماً متبادلاً يسقط منطق أن تتحمل دولة واحدة كلفة استقرار يسعى الجميع إلى
جني ثماره.
في عالم تتشابك فيه المصالح وتتصاعد التحديات لم يعد كافياً الاكتفاء بلغة التحالفات ما لم تقترن بتوزيع عادل للأعباء.
فالاستقرار لا يتحقق بالتصريحات ولا يمكن أن يستمر إذا تحولت أدوار بعض العواصم إلى التزامات مفتوحة بينما تبقى أطراف أخرى بمنأى عن استحقاقات حماية مصالحها.
من هنا .. تبرز المملكة العربية السعودية بوزنها الاستراتيجي المستقل جاعلةً أمنها الوطني وصون سيادتها في قمة أولوياتها.
الرياض لا تبني أمنها على انتظار الخارج ولا تجعل حماية مكتسباتها رهناً بإرادة غيرها ؛ غير أن الاعتماد على القدرات الذاتية لا يلغي الشراكة بل يفرض تصحيح مسارها لتقوم على تكافؤ المسؤوليات لا استنزاف الرصيد.
التاريخ الناصع للمملكة يشهد بمواقفها الراسخة في دعم أمن الأشقاء والأصدقاء وهو سجل مشرف يعكس التزامها الأخلاقي لكنه لم يكن يوماً تفويضاً مطلقاً لتحويل الرياض إلى حارس دائم أو مورد مجاني لاستقرار الآخرين.
فالأمن القومي والعالمي ليس "وظيفة حصرية" مسجلة باسم السعودية وحدها بينما يكتفي المتفرجون بموقع المستثمر في الفوضى.
فالمسؤولية عن الأمن توازنيّة تماماً؛ ومن غير المعقول أن تتشارك العواصم مكاسب الاستقرار وتترك تكاليف حمايته ومخاطره على كاهل طرف بعينه.
الشراكة الحقيقية لا تُقاس بقوة العبارات المتبادلة بل بمدى الالتزام العملي والقدرة على الوفاء بالتعهدات وقت الاختبار.
وهذا ما يفرض معياراً صارماً في تقييم التحالفات قوامه وضوح الأهداف وعدالة توزيع الأعباء. فليس من الحكمة أن تُقاس متانة العلاقة بما يقدمه طرف واحد بل بما يلتزم به الجميع.
وتتضاعف هذه الحاجة في ظل التحولات العسكرية واقتصادات الطاقة وسلاسل الإمداد حيث تمتد منافع الاستقرار لتخدم أسواق العالم أجمع.
لذا.. تبرز قوة الموقف السعودي في المواءمة بين حماية المصالح الوطنية والإسهام في استقرار الإقليم دون قبول تحويل مقدرات المملكة إلى بديل عن قدرات الآخرين أو ضمانة مجانية لسلام يستفيد منه الجميع.
فالتنمية الوطنية ورؤى المستقبل تفرض موازنة دقيقة بين متطلبات الأمن ومقتضيات البناء بعيداً عن كلف الاستنزاف.
إن المملكة ماضية في ريادتها، لا تتخلى عن قيمها، لكنها تضع النقاط على الحروف بلسان الواثق المقتدر: من يستفيد من الأمن عليه أن يسهم في حمايته ومن يطالب بالتضامن عليه أن يسدد استحقاقه كاملاً. ذلك هو الفارق الفاصل بين شراكة تصنع الاستقرار ودور يُستنزف بمرور الزمن.