المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الجمعة 23 أكتوبر 2026
عبد الله الشلوى - الطائف

لا شيء يبقى على حاله تأملات في التغيّر والزمن ومعنى العبور

كنا نظن أن الشمس وعدٌ لا يُخلف: تطلّ من الشرق كل صباح كأنها تحفظ عهدًا قديمًا مع الأرض. لكن الثبات حلمٌ نحكيه لأنفسنا كي ننام مطمئنين. وسيأتي يوم تنسى فيه الشمس الطريق، فتشرق من مغربها، ويسكت الكون لحظةً ليسمع النهاية تدخل بهدوء.

قال الحكيم إن النهر لا يعبره المرء مرتين، فالماء يمضي، والعابر نفسه يمضي معه. وكلنا أنهار صغيرة تجري ولا تدري: وجوهٌ كنا نعرفها تشيب كما يشيب الضوء عند الغروب، وبيوتٌ كبرنا فيها تضيق بذكرياتها، ويقينٌ ظنناه صخرًا يتبين أنه رمل. نمرّ على صورنا القديمة فنبتسم لغريب يشبهنا، ويعرفنا أكثر مما نعرفه.

حتى السماء ليست أوفى من الأرض. الأرض تُبطئ دورانها خطوةً خطوة، والشمس تذوب من قلبها كشمعة كبيرة، وفي موروثنا أن الطلوع من المغرب آخر الآيات، حين ينقلب المألوف ويسقط آخر ما عددناه أمانًا.

أفي هذا كله حزنٌ خالص؟ لا. لو ثبت كل شيء لثبت الجرح مفتوحًا، وثبت الليل الطويل، وثبتت القسوة على عرشها. بالتغير ينبت العشب فوق الخراب، ويعود المنكسر إلى نفسه، ويجد التائه بابًا. وبه أيضًا تفلت منا اللحظات الجميلة كعصافير، فتعلّمنا أن الفرح لا يُحبس، بل يُعاش حين يمرّ بنا.

فلا تقبض على الأيام قبض الغريق على الخشبة، ولا تهمل العابر كأنه بلا أثر. أحبّ ما دام القلب يتسع، وازرع ما دامت الأرض تقبل البذر، وسامح ما دام في الصدر متسع للنور. فإذا كانت الشمس نفسها ستغيّر دربها، فبأي حقٍّ نطلب من الدنيا أن تبقى كما عرفناها؟

ليست الحكمة أن نخشى الخاتمة، بل أن نملأ ما بين الفجر والغروب بما يستحق أن يُذكر.
 0  0  1.2K