المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأربعاء 21 أكتوبر 2026
عبد الله الشلوى - الطائف

حين تتشابك الأيدي بالمودة، بينما تتقاتل الظلال في الخفاء!

العدو الواضح نعمة لا ندرك قيمتها. تراه فتعرف من أين يأتي، وتحتاط له قبل أن يصل. أما الذي يصافحك صباحًا ويطعنك مساءً فلا درع يردّه، لأنك لم تتخيّل أن تحتاج إلى درع في حضرته.

الزيف الحقيقي ليس كذبة عابرة تُقال ثم تُنسى، بل حياة كاملة بوجهين: وجهٌ يمتدحك في حضورك، وآخر يقلّل من شأنك في غيابك. يبارك لك الإنجاز بيده اليمنى، ويطفئه بيده اليسرى في المجالس. وهو لا يحدث بين الأعداء، بل بين من يتشاركون الطاولة والمكتب والذكريات.

وأخطر ما فيه بطؤه. لا تأتي الضربة دفعة واحدة، بل تتسرّب الإشارات: نظرة فترت، دعوة نُسيت، باب كان مفتوحًا فأُغلق. تقول لنفسك إنك تبالغ، ثم يسقط القناع فتكتشف أن الظلال التي ظننتها أوهامًا كانت تتحرك خلفك منذ زمن.

والمفارقة أن الزائف أشدّ خسارةً من ضحيته. من عاش بوجهين صار سجين ذاكرته، يحصي ما قاله لكل طرف كي لا ينكشف تناقضه، وينفق عمره في ترميم الأقنعة بدل أن يعيشه. ومجتمع تكثر فيه هذه الازدواجية تتحول مجاملاته إلى عملة مزيّفة يتبادلها الجميع وهم يعلمون.

فكيف ننجو؟ لا بسوء الظن، فهو ظلم آخر. ننجو بأن نزن الناس بأفعالهم لا بعباراتهم، وأن ننتبه لمن يفرح لنا في الشدة قبل الرخاء، وأن نترك لقلوبنا مسافة أمان لا تبلغ القطيعة ولا تتسع للسذاجة. وإذا انكشف الزيف، واجهناه إن كانت العلاقة تستحق، أو انسحبنا بهدوء الكبار.

ثم يبقى السؤال الأصعب، وهو موجّه إلينا قبل غيرنا: هل نحن في الغياب كما نحن في الحضور؟

فالصدق ليس ما نقوله في وجوه الناس، بل أن يطابقه ما نقوله في ظهورهم.
image


 0  0  1.5K