سقوط الأخوة في فخ الشماتة.. من يحمي الوعي العربي؟
في أوقات الأزمات، تتجاوز مواقف الشعوب حدود الاختلاف السياسي، لتكشف عن طبيعة القيم الحاكمة لعلاقاتها، ومدى قدرتها على الفصل بين تباين الرأي وبين أمن الإنسان واستقرار الأوطان. وفي هذا السياق، يعيد المشهد الرقمي طرح سؤال ملح حول واقع التضامن العربي، وحدود تأثير الاستقطاب في الروابط التاريخية.
حين تتعرض المملكة العربية السعودية لمخاطر أمنية أو اعتداءات تستهدف أراضيها، تقتضي المسؤولية الإنسانية رفض استهداف المدنيين وتهديد استقرار الدول، بصرف النظر عن الخلافات السياسية. غير أن تفاعلات رقمية تعج بالشماتة والابتهاج بالأذى تثير تساؤلات مشروعة حول المسافة التي يقطعها الخلاف حين يتجاوز حدود النقد المشروع إلى تبرير الضرر والاحتفاء به.
غير أن الإنصاف يقتضي ألا نختزل المجتمعات العربية في عينات رقمية منتقاة. فالفضاء الإلكتروني مصمم لتضخيم الأصوات الأكثر صخبًا واستفزازًا، مما يخلق وهمًا باتساع رقعة الكراهية. والتمييز بين السلوكيات الفردية والمجتمعات الحاضنة شرط أساسي لتجنب تعميم يسيء إلى وشائج تاريخية لا تبددها منشورات عابرة.
مع ذلك، تستدعي الظاهرة وقفة أعمق عند صدقية الخطاب العربي عن الأخوة والتضامن. فهذه القيم لا يُختبر معدنها في أوقات التوافق، بل حين تتباين المصالح وتشتعل الأزمات، لتصبح القدرة على احترام أمن الآخرين المعيار الحقيقي للمسؤولية الأخلاقية والسياسية.
وهنا تتجلى ضرورة الفصل الصارم بين ثلاثة أمور: نقد السياسات كحق مكفول، واختلاف المصالح كأمر مألوف في العلاقات الدولية، والشماتة في المآسي كسلوك لا يكتسب أي مشروعية سياسية. فليس مطلوبًا من المختلفين أن يتبنوا موقفًا واحدًا، لكن المعقول والبديهي هو رفض المساس بأمن المدنيين، وألا يتحول الألم البشري إلى أداة للتشفي.
لقد أرست المملكة، عبر عقود، حضورًا راسخًا من خلال أدوارها التنموية والإنسانية الإقليمية والدولية. ولا يُفترض بمواقفها أن تحظى بإجماع دائم، فنقد السياسات حق مشروع، لكن شتى الخلافات يجب ألا تنحدر إلى تمني الخراب وزعزعة استقرار الشعوب.
وفي الداخل، تظل حماية الأمن والتماسك الوطني أولوية تُقابل بوعي يمنع الانجرار خلف كل استفزاز رقمي أو تحويل الإساءة الفردية إلى خصومة مع مجتمع بأكمله. فالرد الأبقى يكون بالثبات على الحقائق، ومواصلة البناء، والاحتفاظ بملكة التمييز بين نقاد يستحقون النقاش ومسيئين لا يستحقون الالتفات.
إن قوة المملكة تستمد من مقوماتها ومبادراتها، لا من تقلبات المؤشرات الافتراضية. وفي المقابل، تتطلب الشراكة العربية خطابًا متزنًا يرفض التحريض والتجريح. فالأخوة العربية لا تعني تطابق المواقف، لكنها تفقد بمعناها متى عجز المختلفون عن صيانة أمن بعضهم بعضًا وقت الشدائد.
وفي المحصلة، لا تصنع الشعارات مستقبل الأخوة، بل تصنعها مواقف عملية تحترم السيادة، وترفض الاعتداء، وتضع كرامة الإنسان فوق أرصدة الخصومة.