المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الإثنين 5 أكتوبر 2026
طارق محمود نواب _ رئيس مجلس الادارة - كاتب ومحرر
طارق محمود نواب _ رئيس مجلس الادارة - كاتب ومحرر

ممدوح سحرتي يلوّح بالتقاعد بعد مسيرة كتبتها الخبرة وصانتها القيم

في حياة الشركات والمؤسسات رجال لا تختصرهم وظيفة ولا تحتويهم مسميات المناصب لأن حضورهم يتجاوز حدود المكان وتبقى آثارهم ممتدة في الذاكرة حتى بعد أن تطوى آخر صفحة من صفحات العمل فهم لا يمرون بالمهنة مرورا عابرا بل يمنحونها من أعمارهم وجهدهم وتجاربهم حتى يصبح العطاء جزءا من سيرتهم ويغدو الوفاء للعمل شاهدا على معدنهم وقيمة ما قدموه.


image

ومن بين هؤلاء يأتي الأستاذ ممدوح سحرتي ذلك الرجل الذي لم تصنعه المواقع بقدر ما صنع مكانته بعمله ولم تمنحه السنوات قيمته بقدر ما منح هو تلك السنوات معنى يستحق أن يروى فقد عرف الطريق من بداياته وأدرك أن الوصول لا تصنعه المصادفات وإنما يصنعه الصبر والعمل والانضباط والقدرة على تحمل المسؤولية.
وقد كانت رحلته في أرامكو السعودية أكثر من مجرد مسار وظيفي امتد لعقود بل كانت سيرة رجل بدأ من الصفر ثم مضى في طريقه بثبات يتعلم من كل محطة ويضيف إلى خبرته مع كل مسؤولية ويتدرج في وظائف ومهام متعددة حتى صنع لنفسه مكانة لم تأت من فراغ وإنما جاءت ثمرة سنوات طويلة من الاجتهاد والمثابرة والإيمان بأن النجاح الحقيقي لا يمنح للإنسان بل يصنعه الإنسان بجدارته وعمله.
ومع تعاقب السنوات نضجت التجربة واتسعت الرؤية وأصبح الأستاذ ممدوح سحرتي من أولئك الذين تقرأ في هدوئهم خبرة السنين وفي مواقفهم حكمة الأيام وفي تعاملهم مع الآخرين قيمة الإنسان قبل المسمى فالتجربة الطويلة لم تكن عنده مجرد تراكم للسنوات بل كانت مدرسة صقلت شخصيته ووسعت مداركه ومنحته القدرة على التعامل مع المسؤوليات بعقل هادئ ورؤية متزنة.
ومن هنا لم تكن القيادة عنده عنوانا للمكانة بل امتحانا للقيم ولم يكن المنصب عنده وجاهة بل مسؤولية لها حقها من الصدق والعدل والانضباط فالقائد الإداري الحقيقي لا يحتاج إلى أن يعلن عن مكانته لأن مواقفه تتحدث عنه واحترام الناس له يبقى أصدق من كل لقب وأبقى من كل مسمى.
كما اجتمع كذلك في شخصيته الكثير مما يمنح القائد حضوره الحقيقي من حكمة لا يصاحبها غرور وحزم لا يفسد حسن الخلق وخبرة لا تتعالى على الآخرين وتواضع يعرف صاحبه قدر نفسه دون أن ينتقص من هيبته وهي صفات لا تصنعها المناصب بقدر ما تكشفها المواقف.
وقد كانت القيم والمبادئ حاضرة في نهجه وقراراته وظل الضمير المهني رفيقا لمسيرته في تعامله مع المسؤولية والناس فالعمل بالنسبة إليه لم يكن أداء واجب فحسب بل التزاما مهنيا وإنسانيا يقوم على احترام الآخرين وحفظ الحقوق والوفاء بما تقتضيه المسؤولية لأن الأنظمة تنظم العمل لكن القيم هي التي تمنحه معناه الحقيقي.
ولهذا لم تكن سنواته في أرامكو السعودية مجرد أعوام مرت بين المكاتب والمسؤوليات بل كانت رصيدا من التجارب والمواقف والعلاقات والذكريات وكان لكل مرحلة أثر ولكل مسؤولية درس ولكل إنجاز قيمة تضاف إلى مسيرة طويلة تشكلت بهدوء الرجال الذين يعملون أكثر مما يتحدثون ويتركون أعمالهم تتحدث عنهم.
واليوم يلوح الأستاذ ممدوح سحرتي بالتقاعد بعد عقود من العطاء والعمل غير أن هذه المحطة لا تبدو نهاية بقدر ما تبدو وقفة وفاء وتقدير لمسيرة استحقت الاحترام فالتقاعد لا يستطيع أن يمحو تاريخا مهنيا طويلا ولا أن يختصر سنوات من التجربة في آخر يوم عمل لأن بعض المسيرات تظل حاضرة حتى بعد مغادرة أصحابها مواقعهم.
فالتقاعد قد ينهي ارتباط الإنسان بجدول العمل لكنه لا ينهي أثره وقد يغلق باب المكتب لكنه لا يغلق أبواب الذكريات الجميلة وقد يغيب المسمى الوظيفي عن الأوراق لكن الاسم الذي صنعته المواقف يبقى حاضرا في القلوب والذاكرة.
ومن ثم فإن أجمل ما يحمله الإنسان معه عند مغادرة موقعه ليس عدد المناصب التي شغلها ولا طول السنوات التي أمضاها وإنما السيرة الطيبة التي يرددها الناس بعده والأثر الذي يتركه في زملائه والاحترام الذي لا ينتهي بانتهاء العلاقة الوظيفية.
فشكرا لأبي أحمد على سنوات منحها للعمل بإخلاص وعلى مسؤوليات حملها بجدارة وعلى خبرة صقلتها الأيام وعلى مواقف صنعت الثقة وعلى قيم ظلت حاضرة معه حتى آخر الطريق.
وفي ختام هذه المسيرة نسأل الله أن يبارك لأبي أحمد فيما هو قادم وأن يجني في قادم أيامه ثمرة ما بذله من إخلاص وعطاء وأن يجعل مرحلة ما بعد التقاعد امتدادا جميلا لمسيرة حافلة وأن يرزقه صحة تملأ أيامه وسعادة تحيط به وبأسرته وطمأنينة تليق برجل عرف معنى المسؤولية والوفاء.
 0  0  1.7K