والعالم يضطرب… نمضي
ليست قوة الأوطان في أن تبني حين يكون العالم هادئًا؛ بل أن تواصل البناء حين يضطرب العالم من حولها.
وهذا ما لفتني في الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظهما الله – في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى.
فالخطاب لم يتحدث عن طريقٍ واحد تسير فيه المملكة، بل عن وطن يمضي في أكثر من طريق في الوقت نفسه؛ يبني اقتصاده، ويستثمر في إنسانه، ويتقدم في التقنية والذكاء الاصطناعي، ويحافظ في الوقت ذاته على أمنه وسيادته ومصالحه.
وبعد عشر سنوات من رؤية المملكة 2030، جاءت الأرقام لتروي جانبًا من الحكاية؛ فقد حققت مؤشرات الأداء لبرامج وإستراتيجيات الرؤية 93% من مستهدفاتها، وسجلت الصادرات غير النفطية نموًا بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%.
وامتد التقدم إلى ميادين المستقبل؛ فتقدمت المملكة إلى المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر الجاهزية الرقمية، ومؤشر تنمية الاتصالات والتقنية، ومؤشر الأمن السيبراني، واحتلت المرتبة الثانية في مؤشر نضج الحكومات الرقمية، ودخلت قائمة الدول العشر الأكبر جاذبية للاستثمار التعديني.
لكن الدهشة ليست في الأرقام وحدها.
فالرقم يخبرنا ماذا تحقق، أما الظروف فتخبرنا كيف تحقق.
والعالم من حولنا لم يكن هادئًا؛ حروب واضطرابات وتحولات اقتصادية وسياسية متسارعة، ومع ذلك لم تؤجل المملكة مستقبلها انتظارًا لهدوء العالم.
فالدول التي تعرف وجهتها لا تنتظر أن تهدأ الرياح… بل تعرف كيف تمضي خلالها.
وفي الوقت الذي تبني فيه المملكة مستقبلها، فإنها تدرك أن التنمية تحتاج إلى أمن يحرسها، وأن السيادة ليست شعارًا، بل مسؤولية وقدرة وموقف.
ولهذا جاء التأكيد على حماية أمن المملكة وسيادتها، وعلى مواقفها تجاه قضايا أمتها العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، إلى جانب مساعيها الداعمة للأمن والاستقرار وإنهاء معاناة الأشقاء في اليمن والسودان.
وخلف كل حديث عن الأمن رجال لا تظهر أسماؤهم في مؤشرات الاقتصاد، ولا تُقاس يقظتهم بالأرقام.
إنهم جنود الوطن وأبطاله في ميادين الشرف.
يسهرون لكي تنام المدن آمنة، ويقفون في مواقعهم لكي تستمر المدارس والمستشفيات والمصانع والمشروعات في مواقعها؛ يحملون مسؤولية حماية وطن يمضي إلى مستقبله مطمئنًا بإذن الله.
تتغير الأدوات، وتتسارع التقنية، وتتسع الطموحات، لكن الجذور تبقى راسخة؛ عقيدة وقيم وسيادة، ووطن يعرف من أين بدأ وإلى أين يريد أن يصل.
قد يرى العالم في المملكة اقتصادًا يتنوع، وتقنية تتقدم، وذكاءً اصطناعيًا، ومشروعات كبرى ومكانة دولية متنامية…
أما نحن فنرى خلف ذلك كله معنى أكبر:
وطنًا لم ينتظر هدوء العالم ليصنع مستقبله.
اللهم احفظ خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده، واحفظ بلادنا وأمنها وجنودها، وأدم عليها عزها واستقرارها، ووفّق أبناءها ليكونوا أمناء على ما بُني، وشركاء فيما سيُبنى.