المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 1 أكتوبر 2026
محمد بالفخر
محمد بالفخر

الكتابةُ كمتنفّس



كتبت مقالين عن القراءة أحدهما كان بعنوان (القراءة عالم آخر) والثاني بعنوان (رحلتي مع القراءة) ورغم أنني لم أستطع إرسالها لكثير من جهات اتصالي المحفوظة لديّ والسبب الحواجز التي وضعها أمامي تطبيق الواتساب تجاه الرسائل الجماعية،

لكن حقيقة وصلتني الكثير من رسائل الاعجاب وردود إيجابية كثيرة لا مجال هنا لنشر محتوى هذه الرسائل لكن الجميع كان متفاعلاً مع ما كتبت،

وبعد القراءة فلا بد أن يكون هذا المقال عن الكتابة،

وكما أن القراءة تصنعك وتعيد تكوينك فإن الكتابة هي التوقيع الذي يحمل صفتك وهي العنوان الذي يعرّف بك،

الكتابة ليست أثرًا للحضارة، بل شرطًا من شروطها،
قد تمتلك أمة الثروة والقوة والتقنية، لكنها تظل عاجزة عن صناعة المستقبل إذا لم تمتلك القدرة على إنتاج الأفكار،

والأفكار لا تعيش في الفراغ وإنما تبحث دائمًا عن لغة تحملها وعن قلم يصيغها وعن عقل يمنحها الحياة، ومن هنا تبدأ وظيفة الكتابة،
إن أزمة عصرنا ليست ندرة المعلومات وإنما وفرتها،

فنحن نعيش زمنًا يستطيع فيه الإنسان أن يقرأ آلاف الصفحات ثم يعجز عن تكوين فكرة واحدة ذلك أن المعرفة ليست تراكمًا للمعلومات بل قدرة على بناء العلاقات بينها واكتشاف المعنى الكامن خلفها،
ولهذا لا تكون الكتابة الحقيقية إعادةً لما يقوله الآخرون وإنما إعادة اكتشاف للعالم،

فالكاتب لا يضيف كلمات إلى المكتبة بل يضيف زاوية جديدة للنظر إلى الإنسان والتاريخ والحياة،
وليس أخطر على الأمم من أن تتحول الكلمة إلى سلعة تُستهلك بسرعة فتفقد قدرتها على تشكيل الضمير والعقل، فحينئذٍ يصبح انتشار النص أهم من صِدْقِه، ويصبح تأثيره اللحظي أهم من قيمته الباقية،
إن كل كلمة نكتبها تشارك في بناء صورة الإنسان إما أن ترفعه إلى مستوى المسؤولية أو تختزله إلى مجرد مستهلك للأفكار،

ولذلك فإن الكتابة ليست مسؤولية الكاتب وحده بل مسؤولية كل مجتمع يريد أن يحافظ على إنسانيته في زمن تتكاثر فيه الأصوات ويقل فيه المعنى،
إن الحضارات لا تنهض حين تكثر الأقلام، وإنما حين تكثر الأقلام التي تعرف لماذا تكتب،

يلجأ كثيرٌ من الناس إلى منافذ كثيرة لتخفيف أعباء الحياة فمنهم من يجد راحته في السفر ومنهم من يفتش عنها في الرياضة أو في الحديث مع صديق،

غير أن هناك متنفسًا أكثر هدوءً وأعمق أثرًا، لا يحتاج إلى مكان ولا إلى موعد، إنه الكتابة
فالكتابة متنفس حين يصبح القلم نافذةً للروح،
والكتابة ليست علاجًا للمشكلات بقدر ما هي إعادة ترتيب لها،

فما يبدو في أذهاننا كتلةً من المشاعر والأفكار المتداخلة يبدأ في الانضباط بمجرد أن يتحول إلى كلمات،

وكأن العقل لا يكتفي بأن يفكر بل يحتاج أحيانًا إلى أن يرى أفكاره مكتوبة أمامه،
إن الإنسان يحمل في داخله حوارًا لا ينقطع لكنه كثيرًا ما يبقى غامضًا ومضطربًا،

والكتابة تمنح ذلك الحوار لغة وتجعل صاحبه أقرب إلى فهم نفسه،

ولهذا فإن كثيرًا من القرارات الصائبة لا تولد في لحظة انفعال وإنما بعد صفحة كُتبت بصدق،

ومن أجمل ما تمنحه الكتابة أنها تتيح لنا أن نراجع أنفسنا دون خوف من أحكام الآخرين، فهي مساحة لا نحتاج فيها إلى التبرير ولا إلى الدفاع عن صورتنا أمام أحد،

إنها لقاء صامت بين الإنسان وذاته، وفي مثل هذه اللقاءات تنضج الرؤى وتخف حدة الانفعال وتتضح الأولويات،
ولا ينبغي أن تكون الكتابة حكرًا على الأدباء أو الباحثين، فكل إنسان يملك تجربة تستحق أن تُفهم وإن لم تُنشر، فليس كل ما يُكتب يُراد به أن يقرأه الناس، بل إن بعض أجمل النصوص يؤدي رسالته كاملة بمجرد أن يقرأها صاحبها،
وحين تصبح الكتابة عادة فإنها لا تحفظ الذكريات فحسب، بل تحفظ الاتزان الداخلي أيضًا،

إنها تُعلِّم صاحبها أن يتأمل قبل أن يحكم، وأن يفكر قبل أن يتكلم، وأن يمنح الأحداث حجمها الحقيقي بدل أن يتركها تتضخم في داخله،
إننا لا نكتب دائمًا لنترك أثرًا في الآخرين،

بل نكتب أحيانًا حتى لا تضيع ملامحنا وسط ضجيج الحياة،

فالكتابة ليست مجرد تسجيلٍ للأحداث وإنما هي محاولة مستمرة لصيانة الإنسان من الداخل والمحافظة على صلته بنفسه حتى يبقى قلبه حاضراً وعقله يقظاً وروحه أكثر سكينة.
بواسطة : محمد بالفخر
 0  0  434