حين يصبح الخبر أرخص من الحقيقة
نحن لا نعيش أزمة نقص معلومات بل أزمة فائض ضجيج وعشرات العناوين كل دقيقة وكل شاشة تفتح نافذة عاجلة وكل حساب قادر على تحويل صورة مجهولة إلى خبر يتداوله الآلاف.
والسؤال الحقيقي لم يعد ماذا حدث؟ بل من قال الحقيقة؟
في سباق المشاهدات تحولت الى عبارة (عاجل) من أداة تنبيه إلى طُعم لجذب الانتباه قبل اكتمال المعلومة وهنا
عبارة عاجل.. ليس رخصة للخطأ
والصحافة ليست سباق ضغط على زر النشر. وراء كل معلومة مسؤولية، ووراء كل عنوان أثر يتجاوز الشاشة.
قد تكسب عنواناً مثيراً يكسبك مشاهدات، لكنك لن تشتري ثقة القارئ بالمال. الثقة تُبنى بسنوات، وتهدمها معلومة واحدة خاطئة.
القارئ اليوم محقق يقرأ الخبر هنا ويقارنه هناك ويبحث عن أصل الصورة وتوقيت المقطع فالقارئ لم يعد متلقياً !
لذلك انتهى دور الصحفي كناقل فقط بل اليوم هو مدقق ومحقق وواعٍ بالسياق.
قيمة الصحافة المهنية أنها لا تقول لك حدث كذا فقط بل تضعك أمام الصورة الكاملة بلا تهويل ولا استنتاج متسرع.
وهنا فأشجع جملة في الصحافة أحياناً تكون الجملة الأكثر مهنية هي (لم يتسن التحقق من هذه المعلومة حتى الآن)
نعم فهي أقل إثارة لكنها أكثر احتراماً للقارئ.
وهنا نقول أن الصحافة لا تفقد قيمتها حين تقول لا نعلم بعد بل تفقدها حين تقدم التخمين كحقيقة خاصة في زمن المحتوى المصطنع والمقاطع مجهولة المصدر.
في رأئي قد انتهى عصر احتكار المعلومة ولكن في الحقيقة حاجة الناس للصحافة المهنية قد تضاعفت.
فكثرة الأصوات لا تعني كثرة الحقائق الجميع يستطيع أن يُنشر لكن قليلون من يستطيعون أن يتحققوا فالجميع يكتب عنواناً لكن قليلون من يتحملون مسؤولية الكلمة.
وهنا الصحافة هي التي ستبقى وليست التي تصرخ أكثر !! بل التي تعرف متى تنشر ومتى تتريث ومتى تقول بوضوح هذه معلومة مؤكدة وهذه رواية وهذا تحليل.!
في الواقع إن المهنية ليست أن تكون أول من يتحدث بل المهنية أن تكون أكثر من يوثق به.
في زمن أصبح الخبر متاحاً للجميع.. غدت الحقيقة هي السبق الحقيقي.