#اليوم_الوطني: الأمن ثمرة التوحيد
اليوم الوطني: الأمن ثمرة التوحيد
بقلم: الدكتور سعيد بن دبيس العتيبي
يأتي اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام حاملًا ذكرى عظيمة في وجدان أبناء الوطن، إذا يستذكرون فيها توحيد الوطن على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله، وما تحقق على يديه من جمع للكلمة ووحدة للصف بعد أن كانت البلاد تعاني من الفرقة والتناحر والتنازع واختلال الأمن.
إن من أبرز ثمار التوحيد ومكاسبه استتباب الأمن في ربوع الوطن الذي افتقده قبل توحيده، فبعد التوحيد نعم المواطنون بالاستقرار والطمأنينة والرخاء، في ظل العدل وإرساء دعائم الأمن، وفي ظل الأمن تهيأت فرص التنمية والبناء، فحققت المملكة -منذ عهد المؤسس رحمه الله حتى العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمين حفظهما الله- إنجازات هائلة في مختلف المجالات؛ من التعليم والصحة إلى الاقتصاد والصناعة والبنية التحتية، وأصبحت المملكة اليوم قوة اقتصادية مؤثرة وعضوًا فاعلًا في المنظمات الدولية، تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، وتواصل تعزيز مكانتها بين الدول الكبرى.
لقد سجل المؤرخون حالة البلاد قبل توحيد المملكة وتوطيد الأمن، فكان من المظاهر السائدة الغزو والثأر بين بعض الجماعات المحلية، وكانت الفيافي والطرقات مأوًا للصوص وقطاع الطرق الذين يغيرون على القرى والبوادي وعابري السبيل للنهب والسلب. ولا تتمكن قوافل الحج والتجارة من السفر إلّا بمرافقة حراسة قوية أو خفارة أو دفع إتاوات على الطريق.
منذ استعادة الملك عبد العزيز رحمه الله للرياض في الخامس من شوال عام 1319هـ أصبح الأمن مظهرًا بارزا في المناطق التي تنضوي تحت حكمه بفضل الحكم العادل، وتطبيق منهج الشريعة الإسلامية، حتى اكتمال توحيد مناطق الوطن تحت اسم المملكة العربية السعودية عام1351ه حيث أصبح الأمن الشامل سمة مميزة للمملكة، وركيزة رئيسية في حفظ وحدتها واستقرارها ونهضتها، حتى غدت مضرب مثل في أمنها واستقرارها.
ونجد في كتابات الرحالة والمؤرخون ما يعبر عن دهشتم بما كانت عليه البلاد من العدل والأمن بعد حكم الملك عبد العزيز، فعلى سبيل المثال تحدث أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب الذي دون فيه خلاصة رحلته في الجزيرة العربية بين السنوات 1922-1924م، قائلًا:" إذا كان العدل أساس الملك فالأمن أول مظهر من مظاهر العدل وفي نجد اليوم من الأمن مالا تجده في أي بلاد متمدنة، مع أن رحلتي النجدية استمرت خمسة أشهر، قطعت في أثنائها الدهناء مرتين وكانت حقائبي وفيها مالي مكسرة الأقفال مفتوحة وهي مع الحملة بعيدة مني النهار كله، فلم أفقد مع ذلك شيئا من حوائجي ولا أوراقي.. وقد مررنا في النفود بجمل بارك، رزح تحت حمله فسألت عن صاحبه فقيل أنه سار في طريقه وسيرجع بعد أن يصل إلى البلد بجمل آخر يحمل البضاعة، وقد يموت الجمل ويبقى حمله على قارعة الطريق فيعود صاحبه ويجده وما مسته يد بشرية كما تركه في مكانه. وأضاف مثالًا آخر: فقال أن المسافرين من قطر إلى قطر والقوافل تسير أربعين يوما في ملك ابن سعود من طرف إلى طرف، من القطيف مثلًا إلى أبها أو من وادي الدواسر إلى وادي السرحان دون أن يتعرض لها أحد أو أن تسأل من أين والى إين".
وتحدث شكيب ارسلان بعد أدائه لفريضة الحج عام 1348هـ في كتابه الرحلة الحجازية تحت عنوان الأمن الشامل في عهد الملك عبد العزيز قائلا: " كنت صاعداً مرة من مكة إلى الطائف، وكانت معي عباءة إحسائية سوداء، جعلتها وراء ظهري في السيارة، فيظهر أنها سقطت من السيارة في أرض لقيم - قرب الطائف- ولم ننتبه لها، فأخذ الناس يمرون فيرون هذه العباءة ملقاة على قارعة الطريق فلا يجرؤ أحد على أن يمسها، وأخيراّ وصل خبرها إلى أمير الطائف فأرسل سيارة من الطائف أتت بها وأخذ بالتحقيق عن صاحبها، فقيل له أننا نحن مررنا من هناك، وأن الأرجح كونها سقطت من سيارتنا فجاء الأمير ثاني يوم يزورنا، وسألنا هل فقد لكم شيء من حوائجكم في اثناء مجيئكم من مكة؟ فأهبت برفاقي ليتفقدوا الحوائج، فإذا بالعباءة السوداء مفقودة، وكنا لم ننتبه لفقدانها فقلنا له عباءة سوداء إحسائية فقال هي عندنا وقص علينا خبرها". ويقول أرسلان: "أن هذه النادرة مثلا من حالات لاتعد ولا تحصى من الأمن الشامل الذي ساد في البلاد في عهد الملك عبد العزيز، وأن المكان الذي سقطت فيه العباءة كان في الماضي كثيرًا ما تقع فيه وقائع السلب والقتل ولا يمر الناس فيه إلا مسلحين وفي هذا العهد كل يوم يأتي الشرطة والخبراء والعسس بحجات ضائعة من المسافرين فتسلم إلى دائرة الأمن ويبحث عن أصحابها وترد إليهم".
ويتحدث الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته عن بعض مشاهد الأمن في عهد الملك عبد العزيز قائلا:
" ان من المشاهد المألوفة سنة 1353هـ عند الآذان للصلاة أن ترى البائعين يتركون دكاكينهم مفتوحة، يجعلون في مدخل الدكان كرسي، أو يجعلون فوق البضاعة عصا حتى أن الصرافين وأمامهم أنواع العملات يتركونها يغطونها بقطعة من القماش ويذهبون إلى المسجد فلا يمس ما تركوا أحد.. ولما قدمنا المدينة من مكة افتقدنا حقيبة فخبرنا أمير المدينة فطمأننا بأننا سوف نجدها حيث سقطت منا فلما رجعنا إلى المكان الذي سقطت فيه جعل الرجل الذي ارسله الأمير معنا يدور في المكان الذي سقطت فيه فرأى في الرمل بقعة عالية فأدخل يده فيها، فإذا هي الحقيبة قد غطاها الرمل وهي على حالها. أما سبب هذا الأمان العجيب فهو إقامة حدود الله وتنفيذ شرعه". انتهى.
هذه مقتطفات موجزة لصور من حالة لأمن الذي عم المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبد العزيز كما رواها الرحالة والمؤرخون اللذين عاصروا الملك عبد العزيز رحمه الله. ولا يزال هذا الأمن إلى اليوم بفضل الله يتفيأ به كل مواطن ومقيم على ثرى هذه البلاد المباركة.
نسأل الله يديم الأمن والرخاء على المملكة العربية السعودية وكل عام وقيادتها وشعبها بخير وفي تقدم وازدهار.