عزنا بطبعنا: رحلة الاقتصاد الثقافي والسياحي في السعودية 2025-2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، تتزين سماء المملكة العربية السعودية بألوان العلم، وتصدح الأصوات بالفرح والاعتزاز. ويأتي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعون هذا العام تحت شعار يحمل في طياته عمق الهوية ورسوخ الجذور: «عزنا بطبعنا»، وهو الشعار الذي أعلنت الهيئة العامة للترفيه عن اعتماده كهوية بصرية موحدة لجميع الفعاليات والمناسبات الوطنية .
لم يكن اختيار هذا الشعار عابراً. فبين «عزنا بشجاعتنا»، و«عزنا بأصالتنا»، و«عزنا بهمّتنا»، و«عزنا بكرمنا»، تتجلى قيم المجتمع السعودي الأصيلة . لكن الأعمق في دلالاته هو ذلك الاتصال الجوهري بين «العز» و«الطبع»: فالعز ليس مكسباً طارئاً، بل هو نسيج متأصل في وجدان هذا الشعب. ومن هذا المنطلق، يكتسب الاقتصاد الثقافي والسياحي في المملكة بعداً استراتيجياً يتجاوز الأرقام والإحصاءات، ليصبح ترجمة معاصرة لتلك القيم الأصيلة في قوالب اقتصادية مستدامة.
لم يكن اختيار هذا الشعار عابراً. فبين «عزنا بشجاعتنا»، و«عزنا بأصالتنا»، و«عزنا بهمّتنا»، و«عزنا بكرمنا»، تتجلى قيم المجتمع السعودي الأصيلة . لكن الأعمق في دلالاته هو ذلك الاتصال الجوهري بين «العز» و«الطبع»: فالعز ليس مكسباً طارئاً، بل هو نسيج متأصل في وجدان هذا الشعب. ومن هذا المنطلق، يكتسب الاقتصاد الثقافي والسياحي في المملكة بعداً استراتيجياً يتجاوز الأرقام والإحصاءات، ليصبح ترجمة معاصرة لتلك القيم الأصيلة في قوالب اقتصادية مستدامة.
شهد عام 2025 تتويجاً لمسار طويل من الاستثمار في القطاع السياحي. فوفقاً للتقرير الإحصائي السنوي الصادر عن وزارة السياحة، بلغ إجمالي الإنفاق السياحي في المملكة نحو 304 مليار ريال، مسجلاً نمواً بنسبة 7% عن عام 2024. كما وصل عدد السياح المحليين والوافدين إلى ما يقارب 123 مليون سائح، بزيادة 6% عن العام السابق .
لكن ما يستحق التوقف عنده ليس هذه الأرقام وحدها، بل التحول في طبيعة الطلب السياحي ذاته. فقد ارتفعت نسبة الزوار الدوليين الذين قدموا لأغراض غير دينية إلى 52% من إجمالي الوافدين، مقارنة بـ44% فقط في عام 2019 . هذه الزيادة تعكس نجاح المملكة في إعادة تعريف صورتها السياحية: لم تعد وجهة للحج والعمرة فحسب، بل أصبحت مقصداً للتجارب الثقافية والطبيعية والترفيهية.
وتتجلى هذه النقلة في المساهمة الاقتصادية للقطاع. فقد أسهمت السياحة مباشرة بنحو 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، بنمو قدره 14% عن العام السابق . ويستهدف القطاع رفع هذه المساهمة إلى 10% بحلول عام 2030، تماشياً مع المستويات العالمية .
خلف هذه الأرقام المبهرة، يكمن محرك أقل بريقاً ولكن أكثر عمقاً: الثقافة. فالمملكة تمتلك سبعة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، من الدرعية التاريخية إلى العلا، ومن جدة التاريخية إلى واحة الأحساء . هذه المواقع ليست مجرد مواقع سياحية، بل هي منصات لسرد قصة الحضارة العربية والإسلامية بلسان معاصر.
وقد أصبحت السياحة الثقافية ركيزة أساسية في استراتيجية التنويع الاقتصادي. فالمملكة تسعى إلى جذب 150 مليون زائر بحلول عام 2030، مع التركيز على التجارب التي تمزج بين الأصالة والابتكار . ومن الأمثلة البارزة على ذلك، توظيف تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز لتقديم تجارب تفاعلية في المواقع التراثية، مما يوسع نطاق الوصول ويجذب الأجيال الشابة .
كما يعمل صندوق الفعاليات الاستثماري على تطوير بنية تحتية مستدامة لثلاثين موقعاً للفعاليات بحلول عام 2030، بما يعزز مكانة المملكة كمركز عالمي للثقافة والترفيه . وتشير التقديرات إلى أن قطاع الفعاليات وحده سيcontributing بأكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد .
لا تكتمل صورة الاقتصاد الثقافي والسياحي دون الحديث عن أثره الإنساني. ففي عام 2025، وصل عدد العاملين في الأنشطة السياحية إلى ما يقارب 1.03 مليون وظيفة . وربما يكون الرقم الأكثر دلالة هو ارتفاع نسبة مشاركة المرأة السعودية في الوظائف السياحية إلى 47%، بعد أن كانت لا تتجاوز 5% في عام 2018 .
هذا التحول يعكس تغيراً أعمق في بنية سوق العمل وثقافة العمل ذاتها. فالسياحة، بطبيعتها الخدمية والتفاعلية، تفتح آفاقاً جديدة للشباب والفتيات السعوديين للانخراط في قطاعات كانت حتى وقت قريب محصورة بخيارات محدودة. وقد أثبتت الكوادر الوطنية قدرتها على تقديم تجربة ضيافة تنافسية عالمياً، وهو ما ينعكس إيجاباً على صورة المملكة لدى الزوار الدوليين .
تستند هذه الطموحات السياحية والثقافية إلى قاعدة اقتصادية صلبة. فقد أشاد تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2026 بمتانة الاقتصاد السعودي وقدرته على استيعاب الصدمات الإقليمية، مسجلاً نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.6% خلال 2025 . كما انخفض العجز الأولي غير النفطي من 24.5% من الناتج المحلي غير النفطي في 2024 إلى 23.3% في 2025، مما يعكس تحسناً في كفاءة الإنفاق الحكومي .
ويتمتع القطاع المصرفي بمستويات رسملة قوية، حيث بلغت نسبة كفاية رأس المال 20.5% و18.8% في عامي 2025 و2024 على التوالي، مع انخفاض نسبة القروض غير المنتظمة إلى 1.0%، وهو أدنى مستوى في عقد كامل . هذه المؤشرات توفر هامشاً مالياً يسمح بمواصلة الاستثمار في البنية التحتية السياحية والثقافية دون الإخلال بالاستقرار الاقتصادي.
حين نحتفي باليوم الوطني السادس والتسعين تحت شعار «عزنا بطبعنا»، فإننا نحتفي بمسيرة تحول عميق. لقد انتقلت السياحة من نشاط هامشي إلى محرك اقتصادي رئيسي، وأصبحت الثقافة من مجرد تراث يُصان إلى مورد يُستثمر ويُبتكر. والأجمل في هذا التحول أنه لم يأتِ على حساب الهوية، بل استلهم منها قوته
إن الاقتصاد الثقافي والسياحي في السعودية ليس مجرد أرقام تنمو، بل هو تجسيد معاصر لقيم «العز» التي طالما ميزت هذا الشعب: الكرم الذي يستقبل الزوار، والشجاعة التي تخوض غمار التنويع، والرؤية التي تخطط للعقود القادمة. وفي هذا المزيج بين الأصالة والطموح، تتشكل ملامح مستقبل يليق بماضٍ عريق، ويصدق فيه القول: عزنا بطبعنا، وبطبعنا نصنع الغد.