المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الإثنين 14 سبتمبر 2026
وسميه محمد العبيدان
وسميه محمد العبيدان

هل هي فرحة بالمولود أم سباق مظاهر؟


ما إن يصل خبر قدوم مولود جديد حتى تتعالى التهاني والدعوات، وتفتح البيوت أبوابها للفرح. وهي فرحة مستحقة، ونعمة تستوجب الحمد، وعادة اجتماعية جميلة تعكس ما عُرف به مجتمعنا من التراحم والكرم. لكن ماذا يحدث حين تنتقل هذه الفرحة من البيت إلى المستشفى، ومن التهنئة إلى الاستعراض؟
في إحدى زياراتي لتهنئة أم بمولودها، توقعت أن أجد جناحًا هادئًا يراعي خصوصية المكان وحالة الأم الصحية، فإذا بي أمام مشهد أقرب إلى قاعة احتفال: بالونات ضخمة أمام الغرف، وعبارات ترحيبية، وستاندات للزينة، وعربات للقهوة، وروائح البخور والعطور، وضيافة متكاملة، حتى بدا لي للحظة أنني في صالة مناسبات لا في جناح للولادة.
لم يكن المشهد مستفزًا لأنه احتفال، فالفرح ليس عيبًا، والكرم ليس موضع اعتراض؛ وإنما لأننا بدأنا نرى في بعض المناسبات تحولًا لافتًا من التعبير عن الفرح إلى صناعة صورة اجتماعية ينبغي أن تكون «الأجمل» و«الأفخم» و«الأكثر تميزًا».
وهنا يكمن السؤال: هل نحن نحتفل بالمولود، أم نتنافس على طريقة الاحتفال به؟
لقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تكريس هذا النمط؛ فما تعرضه بعض الحسابات من تجهيزات باهظة قد يتحول سريعًا إلى معيار اجتماعي تتسابق الأخريات إلى تقليده، دون أن ندرك أن ما نشاهده أحيانًا هو إعلان مدفوع أو مشهد مُعد بعناية، وليس نمطًا طبيعيًا للحياة.
والأكثر إيلامًا أن هذه المنافسة تحدث في مكان يفترض أن تكون الأولوية فيه لصحة الأم وراحتها. فالمرأة بعد الولادة تحتاج إلى السكينة والنوم والرعاية، لا إلى أجواء صاخبة، ولا إلى شعور خفي بضرورة تقديم استقبال يوازي ما سبق أن شاهدته في وسائل التواصل.
كما أن هذه المظاهر تفتح بابًا آخر للإنفاق غير الضروري، في وقت تشكو فيه أسر كثيرة من ارتفاع تكاليف الحياة. وربما كان الأجدى أن تُوجه تلك الأموال إلى ما ينفع الطفل وأسرته: ادخارًا، أو استثمارًا، أو احتياجات حقيقية للأم والمولود.
نحن لا ندعو إلى إلغاء الفرح، ولا إلى محاربة الكرم، وإنما إلى وضع الفرح في موضعه الصحيح. ومن هنا تأتي أهمية أن تضع المنشآت الصحية ضوابط واضحة للزينة والضيافة داخل أجنحة الولادة وممراتها، بما يحفظ سلامة المرضى وخصوصيتهم وهدوء البيئة العلاجية.
فالولادة مناسبة للامتنان قبل أن تكون مناسبة للاستعراض، والكرم قيمة لا تحتاج إلى مبالغة، وأجمل استقبال قد يكون دعوة صادقة، وهدية بسيطة، وزيارة قصيرة لا تثقل على أم ما زالت تستعيد عافيتها.
لنفرح بالمولود، لا بمظاهر الاحتفال به؛ ولنترك للمستشفى هدوءه، وللأم حقها في الراحة، وللفرح معناه الحقيقي.
 0  0  1.2K