المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
السبت 12 سبتمبر 2026
موسى الطفيلي - مكة المكرمة
موسى الطفيلي - مكة المكرمة

سيمفونية الآبار الميتة


حين تنصت إلى صمت المدرجات الجبلية العالية تتكشف لك حكاية لم تكتبها كتب التاريخ المدرسية، ولا التقطتها عدسات التوثيق السياحي المعاصر حكاية «سيمفونية الآبار الميتة»
ليست الآبار في جغرافيتنا مجرد حفر صخرية جفت مياهها بفعل شح التغير المناخي فحسب، بل هي "مقابر موسيقية" لطريقة حياة كاملة كانت تتنفس على وقع قطرات الماء. لقد كانت الآبار اليدوية القديمة، المعروفة محلياً بـ "الطوي"، تُحفر بأيدي رجالٍ لم يدرسوا الهندسة الميكانيكية، لكنهم امتلكوا أذناً موسيقية وعقلاً هندسياً فذاً جعل من حجر البئر آلة وترية ضخمة.
عندما كان الروايا (حبال وجلود استخراج الماء) يرتطم بحافة الحجر المنحوت بعناية، كانت جدران البئر الدائرية تعمل كمضخم صوت طبيعي، تطلق نغمة رخيمة تشبه صوت الرعد البعيد أو وتر الربابة المشدود. لم يكن المزارع يسقي زرعه بصمت؛ بل كانت هناك «مقامات صوتية» خاصة لكل عمق بئر. فبئر القليب العميق له هدير ثقيل يضبط إيقاع النهار، بينما الآبار السطحية تصدر صريراً حاداً يتناغم مع خرير السواقي الطينية.
والأدهى والأجمل في هذا الإرث المنسي هو "أهازيج سقي المواشي". كانت لكل قبيلة أو حتى عائلة ترنيمة خاصة لا تحيد عنها، تسمى محلياً بـ "الهجيني المائي" أو "حدي السقيا". لم تكن مجرد كلمات ترتجل لكسر ملل العمل، بل كانت فيزيولوجيا شعبية منظمة؛ فسرعة الأرجوزة الصوتية تحدد سرعة سحب الحبل، وإيقاع النغمة يمنع الإبل أو المواشي من التخبط، بل إن كبار السن يؤكدون أن الحيوانات كانت تحفظ لحن بئرها المعين ولا تستجيب لغيره.
اليوم، حين تمر بجانب تلك الآبار المهجورة التي طمرت الحجارة أكثر من نصفها، وتكسرت حوافها الدائرية المتقنة، لا تقف أمام حفرة عادية، بل أمام مسرح موسيقي صامت ماتت آلته بفعل هجرة القرى والانتقال لشبكات المياه الحديثة. لقد رحل المعلمون الأوائل الذين كانوا يعرفون كيف ينحتون الصخور بحيث "تغني" مع أول قطرة، وانطفأت معهم تلك السيمفونية البشرية الفريدة التي كانت تربط الإنسان بقطرة الماء عبر وشائج الروح والنغم.
 0  0  1.4K