في المستشفيات تتراجع الدنيا ويتقدم الإنسان
في المستشفيات هناك عالم آخر لا يشبه عالمنا خارج تلك الأبواب عالم تهدأ فيه ضوضاء الحياة وتتغير فيه الأولويات وتصبح أبسط الأشياء التي اعتدناها نعماً عظيمة لا نشعر بقيمتها إلا حين نفتقدها
هناك قد يجلس رجل كان بالأمس منشغلًا بألف أمر ثم يصبح كل ما يشغله اليوم خبر واحد يطمئن قلبه وقد تقف أم خلف باب غرفة لا تريد من الدنيا كلها سوى أن تسمع كلمة واحدة الحمد لله حالته أفضل
في المستشفى تتساقط الفوارق التي نصنعها في حياتنا اليومية فلا المال ولا المنصب ولا الشهرة تمنح الإنسان حصانة أمام المرض الجميع متساوون أمام لحظة ضعف والجميع يتمنون الشيء ذاته العافية
في تلك الممرات ترى من يتألم بصمت ومن يخفي خوفه خلف ابتسامة ومن يرفع يديه بالدعاء ومن يقف إلى جوار مريضه وكأن وجوده وحده رسالة تقول لن تكون وحدك
وهناك نتعلم درساً لا تمنحنا إياه الحياة بسهولة أن الصحة ليست أمراً عادياً وأن قدرتنا على المشي والنوم والتنفس وتناول الطعام وممارسة حياتنا دون ألم نعم عظيمة تستحق أن نحمد الله عليها كل يوم
ربما يدخل الإنسان المستشفى وهو يحمل هموم الدنيا على كتفيه ثم يخرج منه وقد تغير نظره إليها فيدرك أن كثيراً مما كان يؤرقه لا يستحق كل ذلك القلق وأن ما كان يراه كبيراً أصبح صغيراً أمام أمنية واحدة أن يعود معافى وأن يرى من يحبهم بخير
في المستشفيات تتراجع الدنيا بكل تفاصيلها ويتقدم الإنسان بما يحمله من مشاعر ودعاء وأمل هناك تصبح العافية أغلى من المال وطمأنينة القلب أثمن من الشهرة ووجود الأحبة بجانبنا أعظم من كثير من الأشياء التي كنا نظن أننا لا نستطيع العيش دونها
فلنحمد الله على نعمة الصحة ولنسأل عن مرضانا ولنكن أكثر رحمة بمن يمرون بظروف لا نعرف تفاصيلها فربما كانت كلمة طيبة منا أو دعوة صادقة سبباً في ابتسامة إنسان ينتظر الأمل
العافية ليست مجرد غياب المرض بل نعمة تختصر للإنسان معنى الحياة كله… ولا يعرف قيمتها حقا إلا من افتقدها