المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 10 سبتمبر 2026
طارق محمود نواب _ رئيس مجلس الادارة - كاتب ومحرر
طارق محمود نواب _ رئيس مجلس الادارة - كاتب ومحرر

الإنسان خارج الخدمة



لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة نلجأ إليها عند الحاجة بل يتجه بسرعة إلى أن يصبح مديرًا صامتًا لتفاصيل يومنا فهو يرتب المواعيد ويقترح القرارات ويتابع الرسائل ويحدد الأولويات وربما يصل قريبًا إلى المطبخ فيعد الطعام ويراقب احتياجات المنزل ويعرف ما ينقصنا قبل أن نعرفه نحن.
وهنا يطل السؤال المقلق إذا تولت الآلة التفكير في جدولنا وطعامنا وتنقلاتنا ومشترياتنا وحتى اختياراتنا اليومية فما الذي سيبقى للإنسان.
فقد يبدو الأمر في بدايته رفاهية ذكية لأن الإنسان ظل طويلًا يبحث عن كل ما يوفر له الوقت والجهد غير أن الراحة حين تتسع أكثر من اللازم قد تتحول إلى انسحاب هادئ من الحياة لأن التفاصيل الصغيرة التي نراها مرهقة هي في كثير من الأحيان ما يصنع علاقتنا بالأيام.
فإعداد الطعام ليس مجرد جمع مكونات وترتيب المواعيد ليس مجرد توزيع ساعات وتذكر مناسبة شخص نحبه ليس مجرد إشعار يظهر على الشاشة لأن خلف هذه الأشياء ذاكرة وعاطفة ومسؤولية وحضورًا بشريًا لا يمكن اختصاره في خوارزمية.
ومع ذلك فإن الخطر الحقيقي ليس في أن تصبح الآلة أكثر قدرة بل في أن يصبح الإنسان أقل ممارسة لقدراته لأن المهارة التي لا تُستخدم تضعف والذاكرة التي لا تُستدعى تخفت والقرار الذي نفوضه دائمًا إلى غيرنا قد يجعلنا مع الوقت أقل قدرة على الاختيار.
ومن هنا فإن الذكاء الاصطناعي قد يمنح الإنسان وقتًا هائلًا لكنه لن يقرر نيابة عنه ماذا يفعل بهذا الوقت فقد يستخدمه في التعلم والإبداع والأسرة والتأمل وقد يبدده في مزيد من الاستهلاك حتى يصبح أكثر فراغًا رغم أن كل شيء حوله يعمل بكفاءة.
فالآلة تستطيع أن تعد وجبة مثالية لكنها لا تعرف لماذا ترتبط رائحة طبق معين بطفولة كاملة وتستطيع أن تنظم اجتماعًا لكنها لا تدرك لماذا يستحق شخص واحد أحيانًا أن نلغي من أجله جدولًا كاملًا كما تستطيع أن تقترح قرارًا لكنها لا تحمل تبعاته الأخلاقية ولا تعرف معنى الندم بعده.
ولهذا فإن المستقبل لن يكون معركة بين الإنسان والآلة بقدر ما سيكون امتحانًا لدور الإنسان نفسه.
فالسؤال لم يعد ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل لأن حدود قدراته تتسع كل يوم وإنما السؤال الأهم ماذا سنصر نحن على أن نبقى مسؤولين عنه.
لأن أخطر صورة للمستقبل ليست آلة تجلس في مكان الإنسان وإنما إنسان يجلس في مكانه بينما تتولى الآلة التفكير والاختيار والتذكر والتنظيم والحركة ثم يكتشف بعد سنوات أن كل شيء أصبح يعمل بكفاءة إلا هو.
وعندها قد لا يكون الذكاء الاصطناعي قد أخرج الإنسان من الخدمة بل يكون الإنسان هو من ضغط زر الخروج بنفسه.

 0  0  2.7K