العمل الخيري من فعل الإحسان إلى صناعة الأثر
في الخامس من سبتمبر من كل عام يأتي اليوم الدولي للعمل الخيري ليذكرنا بأن المجتمعات لا تقاس فقط بما تملكه من مؤسسات وأنظمة وإنما ايضا بما يسكنها من قيم التكافل والمسؤولية تجاه الإنسان.
والسؤال الذي يستحق أن يطرح في هذه المناسبة أي عمل خيري نريد؟
نحن بحاجة إلى العمل الخيري لكننا بحاجة أكبر إلى أن يتجاوز مفهومه تقديم المساعدة الآنية إلى صناعة الأثر المستدام. فإطعام الطعام وإفشاء السلام هو من الأعمال الخيرية الطيبة لكن مساعدة المحتاج على امتلاك مهارة أو فرصة عمل قد تكون أكثر أثراً وحماية له من المسئلة ودعم كل محتاج هو عمل نبيل لكن السعي له لتمكينه من إيجاد فرصة تغنيه عن سؤال الناس أفضل وهو الأستثمار الفعلي للإستغناء عن الآخرين.
ومن هنا تتكامل مسؤولية الدولة والمؤسسات والجمعيات الخيرية والأفراد
وكذلك نحن بحاجة إلى رجال أعمال يدركون المسؤولية الملقاة على عواتقهم أمام الله اتجاه الفقراء والمحتاجين.
وفي التصور الإسلامي لا يمثل الخير نشاطاً أو موسماً معيناً أو استجابة عابرة للحاجة بل هو قيمة أصيلة في حياة المسلم يقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ويقول سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
واللافت في المنهج الإسلامي أن الإحسان لا ينفصل عن حفظ كرامة الإنسان فالصدقة لا ينبغي أن تكون سبباً في المن أو الأذى والمساعدة الحقيقية هي التي تصون كرامة المحتاج .
لذلك فإن مستقبل العمل الخيري لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم التبرعات بل بحجم الأثر الذي تتركه في حياة الناس وبقدرة مؤسساته على التخطيط والشفافية وقياس النتائج وبانتقالها من رعاية الاحتياج إلى تمكين الإنسان.
كما أن التطوع يمثل الوجه الآخر لهذه الثقافة فالمتطوع ليس شخصاً يملك فائضا من الوقت وإنما إنسان يؤمن أن لديه ما يستطيع أن يقدمه لمجتمعه.
وختاما
الخير لا ينبغي أن يكون مناسبة في التقويم بل ثقافة في السلوك فالمجتمع الأقوى ليس الذي يقل فيه المحتاجون فقط وإنما الذي يزداد فيه القادرون على مد يد العون وأن يدرك كل منا مسؤوليته الإجتماعية اتجاه جيرانه في الحي وإمام المسجد لديه كذلك مسؤولية تفقد جماعة المسجد وجيرانه وتلمس حوائجهم والسعي لإشاعة ثقافة مساعدة الأخرين داخل الحي.
فأجمل ما يتركه الإنسان وراءه ليس ما جمعه لنفسه وإنما الأثر الطيب الذي تركه في حياة الآخرين