حين يصبح الرأي العام ساحةً للضجيج
هل فقدنا القدرة على الاختلاف دون أن نخسر إنسانيتنا؟
بقلم: خديجة العامري
لم يعد من الصعب اليوم أن تمتلك رأيًا، فكل ما تحتاج إليه هو هاتف متصل بالإنترنت وحساب في إحدى منصات التواصل الاجتماعي. بضغطة واحدة تستطيع أن تعلّق، وتنتقد، وتؤيد، وترفض، وتحاكم الآخرين، بل وقد تصنع من قضية صغيرة معركة كبيرة.
لكن السؤال الأهم ليس: هل نمتلك الحق في التعبير عن آرائنا؟
بل: هل تعلمنا كيف نختلف؟
لقد تحولت كثير من مساحات الحوار في عصرنا إلى ساحات للضجيج، وأصبح الاختلاف في الرأي عند البعض سببًا للخصومة، وتحول النقاش من البحث عن الحقيقة إلى محاولة الانتصار، ومن تبادل الأفكار إلى تبادل الاتهامات.
وكأن الإنسان لم يعد مطالبًا بأن يفكر، بل بأن يختار فريقًا.
فإما أن تكون معي، أو أنك ضدي.
إما أن تؤيدني بالكامل، أو أنك خصمي.
إما أن تتبنى رأيي، أو أنك لا تستحق حتى الاستماع.
وهنا تبدأ المشكلة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعات ليس اختلاف الآراء، فالاختلاف سنة من سنن الحياة، بل الخطر الحقيقي هو أن نفقد احترامنا للإنسان بسبب اختلافنا معه.
لقد أصبحنا نرى أحيانًا أحكامًا تُصدر خلال دقائق، وحملات نقد تبدأ قبل معرفة الحقيقة كاملة، وأشخاصًا يُحاكمون أمام جمهور واسع دون فرصة حقيقية للتوضيح أو الدفاع عن أنفسهم.
في عالم السرعة، أصبح الحكم أسرع من الحقيقة.
وأصبح البعض يقرأ عنوانًا فيبني عليه موقفًا، ويرى مقطعًا قصيرًا فيصدر حكمًا كاملًا، ويتابع قصة من طرف واحد فيقرر من المخطئ ومن البريء.
لكن الحقيقة ليست دائمًا كما تظهر في الثواني الأولى.
إن المجتمع الواعي لا ينساق خلف كل ضجيج، ولا يجعل من كل قضية ترندًا، ولا يمنح صوته لمن يصرخ أكثر. المجتمع الواعي يسأل، ويتحقق، ويستمع، ويمنح العقل فرصة قبل أن يمنح الغضب مساحة.
إننا بحاجة إلى أن ندرك أن حرية التعبير لا تعني حرية الإساءة، وأن النقد لا يعني التشهير، وأن الاختلاف لا يعني العداء.
فكم من علاقة انتهت بسبب رأي؟
وكم من شخص تعرض للأذى بسبب تعليق؟
وكم من سمعة تأثرت لأن الآخرين قرروا أن يتحدثوا قبل أن يعرفوا؟
لقد منحتنا وسائل التواصل الاجتماعي القدرة على الوصول إلى الجميع، لكنها لم تمنح الجميع الحكمة في استخدام هذا الوصول.
وهنا تصبح المسؤولية أكبر.
فالكلمة التي نكتبها قد تكون بالنسبة لنا مجرد تعليق عابر، لكنها قد تكون بالنسبة لشخص آخر جرحًا طويل الأثر. والرأي الذي ننشره قد يساهم في توضيح الحقيقة، وقد يكون شرارة تضيف مزيدًا من الفوضى إلى قضية لا نعرف تفاصيلها كاملة.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع يتفق أفراده في كل شيء، فهذا أمر مستحيل. نحن بحاجة إلى مجتمع يعرف كيف يختلف باحترام، وكيف يناقش بعقل، وكيف ينتقد دون أن يهدم، وكيف يدافع عن رأيه دون أن يلغي الآخرين.
إن قوة الإنسان لا تظهر في قدرته على إسكات من يخالفه، بل في قدرته على الاستماع إليه.
والحوار الحقيقي لا يبدأ عندما نتحدث، بل عندما نتعلم كيف نستمع.
ربما نحتاج اليوم إلى أن نخفف من سرعة أحكامنا، وأن نمنح الحقيقة وقتًا لتظهر، وأن نتذكر أن خلف كل حساب في مواقع التواصل إنسانًا له مشاعر وحياة وسمعة وعائلة.
فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما ينتشر يستحق أن نشاركه، وليس كل من يختلف معنا يستحق أن نخسره.
وفي زمن الضجيج، قد يصبح العقل هو الصوت الأكثر حاجة إلى أن نسمعه.
فلنختلف كما نشاء، لكن دعونا لا نجعل اختلافنا سببًا لفقدان احترامنا، ولا تجعلنا حرية الكلمة ننسى مسؤوليتها، لأن المجتمعات لا ترتقي بكثرة الأصوات المرتفعة، بل بعمق العقول التي تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تبحث عن الحقيقة قبل أن تحكم.