المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 27 أغسطس 2026
خديجة العامري
خديجة العامري

السوشيال ميديا وصناعة الصورة المزيفة..


هل نعيش الحياة ..ام نستعرضها ؟؟
في الحقيقة والواقع لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل أصبحت مساحة واسعة يعرض فيها الإنسان تفاصيل حياته، ويصنع من خلالها صورة عن نفسه أمام الآخرين. وبينما تبدو الحياة على الشاشات مثالية ومليئة بالنجاحات والسعادة، يبقى سؤال مهم يفرض نفسه: هل نحن نعيش حياتنا فعلًا، أم أصبحنا نعيش من أجل استعراضها؟
في السابق، كان الإنسان يحتفظ بجزء كبير من حياته لنفسه ولأسرته وأصدقائه. أما اليوم، فقد تحولت لحظات كثيرة إلى محتوى قابل للنشر والمشاهدة والتعليق. رحلة لا تكتمل إلا بصورة، ومناسبة لا تبدو كافية دون توثيق، ونجاح لا يشعر البعض بقيمته إلا عندما يراه الآخرون ويصفقون له.
المشكلة ليست في مشاركة اللحظات الجميلة، فذلك جزء طبيعي من التواصل الإنساني، وإنما في أن تتحول المشاركة إلى حاجة مستمرة لإثبات أننا بخير، وأن حياتنا أفضل، وأننا أكثر نجاحًا وسعادة من الآخرين.
وهنا تبدأ صناعة الصورة المزيفة.
فما يظهر على الشاشة ليس بالضرورة الحقيقة كاملة. قد نرى شخصًا يبتسم بينما يعيش ضغوطًا لا يعرفها أحد، ونرى منزلًا مثاليًا دون أن نعرف ما وراء أبوابه، ونرى نجاحًا لامعًا دون أن نرى سنوات التعب والفشل التي سبقته.
ومع كثرة المقارنات، يبدأ الإنسان في قياس حياته بمعايير الآخرين.
يسأل نفسه: لماذا لا أملك ما يملكون؟ لماذا لا أسافر مثلهم؟ لماذا لا أعيش بالطريقة نفسها؟ لماذا لا تبدو حياتي جميلة كما تبدو حياتهم؟
وهكذا تتحول منصات التواصل من وسيلة للتواصل إلى آلة للمقارنة واستنزاف الرضا.
الأخطر من ذلك أن بعض الأشخاص يبدأون بتصميم حياتهم من أجل الكاميرا. لا يذهبون إلى المكان لأنهم يريدون الاستمتاع، بل لأن الصورة ستكون جميلة. لا يحتفلون باللحظة فقط، بل يفكرون في كيفية عرضها. وحتى المشاعر الإنسانية قد تتحول أحيانًا إلى محتوى.
وبمرور الوقت، يصبح السؤال ليس: كيف أشعر؟
بل: كيف سأبدو أمام الآخرين؟
وهنا نخسر شيئًا ثمينًا: عفوية الحياة.
فالحياة الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى جمهور. هناك لحظات أجمل عندما تبقى بين الإنسان ونفسه، وهناك نجاحات لا تحتاج إلى تصفيق، وهناك علاقات تصبح أكثر صدقًا عندما لا تتحول إلى مادة للنشر.
لسنا مطالبين بأن نثبت للآخرين أننا سعداء طوال الوقت، ولا أن نعرض كل ما نملك، ولا أن نحول تفاصيل حياتنا إلى سجل مفتوح أمام الجميع.
السعادة التي تحتاج إلى جمهور كي تشعر بقيمتها قد لا تكون سعادة مكتملة.
كما أن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده؛ فالمجتمع أيضًا يحتاج إلى إعادة النظر في ثقافة المقارنة التي تصنعها المنصات. علينا أن ندرك أن ما نشاهده ليس الحياة كلها، وإنما جزء منتقى منها، وأن الصورة الجميلة لا تعني بالضرورة حياة جميلة، كما أن الصمت لا يعني الفشل.
السوشيال ميديا ليست عدوًا، لكنها أداة؛ يمكن أن تكون وسيلة للمعرفة والتواصل والإبداع، ويمكن أن تتحول إلى مساحة لصناعة الوهم إذا فقد الإنسان قدرته على التمييز بين الحياة كما هي، والحياة كما يريد الآخرون أن يروها.
ربما حان الوقت لأن نعيد ترتيب علاقتنا بهذه المنصات، وأن نتذكر أن أعظم لحظات الحياة ليست بالضرورة تلك التي تحصل على آلاف الإعجابات، بل تلك التي تمنحنا راحة حقيقية، وذكرى صادقة، وأشخاصًا نحبهم، ورضا لا يحتاج إلى شهادة من أحد.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمامنا جميعًا:
هل نستخدم السوشيال ميديا لتوثيق حياتنا… أم أننا بدأنا نصنع حياتنا من أجل السوشيال ميديا؟
فالفرق بين الاثنين ليس بسيطًا؛ إنه الفرق بين أن نعيش الحياة، وأن نمثلها.
 0  0  2.2K