المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأربعاء 19 أغسطس 2026
طارق محمود نواب _ رئيس مجلس الادارة - كاتب ومحرر
طارق محمود نواب _ رئيس مجلس الادارة - كاتب ومحرر

الإنسان والمونتاج النسخة التي لا تُعرض

أخطر ما في الكاميرا أنها لا تكذب دائمًا لكنها لا تقول الحقيقة كاملة.
فهي تلتقط الوجه ولا تلتقط المعدن وتُحسن حفظ الابتسامة لكنها لا تعرف ماذا يحدث خلفها. وقد تمنح الإنسان هيئةً تليق بالتصفيق بينما تظل سيرته الحقيقية مختبئةً في الأماكن التي لا تصل إليها العدسات. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس كيف يبدو المرء حين يراه الناس بل ماذا يبقى منه حين لا يراه أحد.
وهنا تبدأ الأخلاق من منطقةٍ لا تعرف الزينة.
فالأخلاق ليست تلك الكلمات التي نرفعها في المجالس ولا العبارات التي نحسن ترتيبها أمام الجمهور وإنما هي ما يتسرّب من الإنسان عفوًا حين ينسى أنه تحت مراقبة عيون الاخرين. وهي نبرته مع من لا يخشاه وموقفه من شخصٍ لا ينتظر منه مصلحة وطريقته في الخصومة حين تصبح أسرار الآخرين بين يديه.
ولهذا فإن بعض الناس لا تكشفهم السنوات بقدر ما تكشفهم لحظة واحدة كلحظة غضب أو موقف قوة أو نهاية علاقة أو فرصة تسوية حسابات قديمة. ففي تلك المساحات الضيقة تسقط البلاغة وتنسحب المجاملات ويظهر البناء الداخلي للإنسان كما هو بلا هندسة ولا رتوش.
ومن هنا لا تكون المروءة في أن تحسن الحديث عن الوفاء بل في ألّا تهدم تاريخًا كاملًا لأن علاقةً انتهت. ولا تكون الشهامة في أن تروي للناس كم عفوت بل في أن تمتلك أسباب الانتقام ثم تتركها خلفك. كما لا يكون النبل في احترام القوي وإنما في حفظ كرامة من لا يستطيع أن يرد عليك إساءتك.
غير أن عصر الصورة أعاد تشكيل كثيرٍ من المفاهيم حتى أصبح لبعض الفضائل جمهور وبعض المواقف موعد نشر وبعض المشاعر زاوية تصوير. وصار الإنسان أحيانًا أكثر انشغالًا بكيف سيبدو الخير منه بانشغاله بالخير نفسه. وهنا تحديدًا تبدأ الكارثة حين تتحول القيمة إلى مشهد ويتحوّل الضمير إلى مدير إخراج.
وليس العيب أن يظهر العمل الجميل للناس فقد يلهمهم ويوقظ فيهم خيرًا. لكن الفارق هائل بين من يفعل الخير ثم تراه الكاميرا وبين من لا يتذكر الخير إلا حين يراها.
ثم إن الحياة تمتلك عدالةً من نوع مختلف لأنها لا تسمح للأقنعة أن تعيش إلى الأبد. فهي تُخرج الإنسان فجأةً من المسرح وتضعه أمام موقف لم يتهيأ له. وحينها قد يهدم تصرفٌ صغير صورةً بناها سنوات وقد تختصر كلمةٌ واحدة حقيقةً أخفاها صاحبها خلف آلاف الكلمات.
ولذلك فإن الإنسان لا يُختبر حين تكون الأخلاق سهلة بل حين تصبح مكلفة. فالصدق حين لا يهدد مصلحةً أمر يسير. أما الصدق حين تكون الخسارة ممكنة فهو قيمة. والعدل مع من نحب طبيعي أما العدل مع من نختلف معه فهو أخلاق. والوفاء في أيام الرخاء مألوف أما الوفاء بعد انفضاض المصالح فهو الذي يكشف المعادن.
ومن هنا فإن أعظم الناس أخلاقًا هم أولئك الذين لا يحتاجون إلى شهود على نقائهم. ولا يتغير صوتهم بتغير المناصب ولا ينقسم احترامهم بين قوي وضعيف ولا يحتفظون بالجميل ما دامت العلاقة قائمة ثم يحرقونه ساعة الخصام. لأن الأخلاق لديهم ليست ثوبًا رسميًا يرتدونه في المناسبات وإنما جلدٌ معنوي لا يستطيعون خلعه.
وفي النهاية قد تنجح الصورة في إقناع الناس وقد يربح الحديث إعجابهم وقد يحسن الإنسان إدارة سمعته زمنًا طويلًا.
لكن ثمة محكمةً لا تدخلها الكاميرات ولا يصفق فيها أحد.
محكمةٌ يجلس فيها الإنسان وحده أمام ضميره.
وهناك لا تنفع الصورة ولا الشهرة ولا حسن الإخراج.
فهناك تحديدًا يُعرف الإنسان خارج الكاميرا.

 0  0  4.0K