المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 20 أغسطس 2026
نجلاء البحيري
نجلاء البحيري
نجلاء البحيري

هل تبدأ السينما بالحكاية؟ .. لماذا تحتاج المملكة إلى سينما تنبع من أدبها؟

قد تمتلك السينما كاميراتها واستوديوهاتها وتقنياتها، وقد تتسع صناعة الأفلام وتزداد أرقام إنتاجها، لكن كل ذلك لا يكفي وحده لصناعة سينما تترك أثرًا وتبقى في الذاكرة. فقبل أن تتحرك الكاميرا، كانت هناك حكاية تبحث عمّن يمنحها حياة.

لهذا لم يكن الأدب يومًا فنًا يقف بعيدًا عن السينما، بل كان أحد منابعها الأولى. وحين تبحث الشاشة عن قصة قادرة على البقاء، فإنها تعود إلى المكان الذي حفظ الحكايات قبل أن تعرف طريقها إليها: الأدب.

ومن هنا تكتسب الرواية السعودية أهمية خاصة. فهي لا تحفظ الأحداث فحسب، بل تحفظ كيف عاشها الإنسان؛ تكشف علاقته بالمكان، وتحولات المجتمع، وما تتركه الوقائع في الذاكرة والوعي. ولذلك لا تمنح السينما حكايات جاهزة فقط، بل تمنحها رؤية تستطيع من خلالها أن ترى المجتمع من الداخل.

لكن هل تصلح كل رواية لأن تصبح فيلمًا؟

بالتأكيد لا. فلكل فن لغته وأدواته. الرواية تستطيع أن تدخل إلى وعي الشخصية بالكلمات، بينما تحتاج السينما إلى إعادة بناء ذلك العالم بالصورة والصوت والإيقاع والأداء والصمت. لذلك فالاقتباس الحقيقي ليس نقلًا للنص، بل إعادة خلق له.

ويقدم فيلم «العرّاب» مثالًا شهيرًا على ذلك؛ فقد أعاد تنظيم عالم الرواية حول مسار مايكل كورليوني وتحوله، تاركًا للصورة والأداء والإيقاع أن تؤدي وظائف كان السرد الروائي يؤدي بعضها بالكلمات. وهكذا أصبح الفيلم عملًا مستقلًا يحتفظ بروح الرواية دون أن يكون نسخة منها.

ومن هنا، فإن الرهان السعودي لا ينبغي أن يكون في عدد الروايات التي تصل إلى الشاشة، وإنما في نوعية التحول الذي يحدث لها حين تصل. فالمطلوب ليس أن تنتقل الرواية من الورق إلى الشاشة كما هي، وإنما أن تكتشف السينما فيها ما تستطيع لغتها الخاصة أن تقوله.

ولم يعد هذا التوجه مجرد احتمال؛ فقد بدأ يأخذ شكلًا عمليًا في المشهد السعودي. فقد وُقّعت اتفاقية لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلًا» للروائي سالم الصقور إلى عمل سينمائي، في مشروع لا يزال في مرحلة التطوير الإبداعي. وتكشف مثل هذه المشاريع أن العلاقة بين الأدب والسينما لم تعد فكرة ثقافية مجردة، بل أصبحت جزءًا من تشكل المشهد السينمائي السعودي.

لكن نجاح هذه الخطوة لن يتوقف على وصول الرواية إلى الشاشة، بل على ما ستفعله السينما بها: هل ستكتفي بتصوير الحكاية، أم ستعيد اكتشافها بلغة تمتلك استقلالها؟

فالفيلم السعودي ليس بالضرورة سينما سعودية. فالسينما تحتاج إلى تراكم في الكتابة والإخراج والتمثيل والنقد، وإلى جمهور يشارك في تشكيل الذائقة، وإلى حكايات تنبع من المجتمع دون أن تنغلق عليه.

والطريق إلى العالمية لا يمر بالتخلي عن الخصوصية؛ فالعالم لا يحتاج نسخة أخرى من سينماه، بقدر ما يحتاج أن يرى ما لم يره من قبل. وكلما كانت الحكاية صادقة في انتمائها إلى مكانها، ازدادت قدرتها على عبور الحدود.

لذلك لا يكون السؤال: هل تحتاج السينما السعودية إلى الأدب؟

بل: أي سينما يمكن أن تولد حين تكتشف أن في أدبها ذاكرتها، وفي ذاكرتها صورتها، وفي صورتها الطريق إلى العالم؟

فالحكايات لا تنتهي حين تغادر الورق...

أحيانًا تكون تلك هي اللحظة التي تبدأ فيها حياة أخرى.
بواسطة : نجلاء البحيري
 0  0  2.0K