المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأربعاء 19 أغسطس 2026
م.علي السليم- جدة
م.علي السليم- جدة

حين يعلو «الهياط» ويغيب الأثر



في زمن أصبحت فيه الكاميرا حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، تبدّلت بعض معايير الحضور الاجتماعي؛ فصار الظهور أحيانًا يُقاس بعدد المشاهدات، والمكانة بحجم التداول، والاعتبار بقدرة صاحبه على صناعة المشهد، لا بما يتركه من أثر حقيقي.
وليس في الظهور أو استخدام وسائل التواصل ما يستحق النقد في ذاته؛ فهذه المنصات أصبحت جزءًا أصيلًا من واقعنا، ووسيلة مهمة للتواصل والمعرفة والتعريف بالمنجزات. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الظهور من وسيلة إلى غاية، وحين يصبح الاستعراض بديلًا عن الإنجاز، والبريق بديلًا عن القيمة.
وقد أفرز هذا التكلف نمطاً فجاً من «الهياط» والمباهاة الفارغة التي أوجدت تلوثاً بصرياً وتشويشاً قيمياً واجتماعياً؛ بفعل فئة من المهايطين اختزلت الوجود في صخب المشهد، ومحاولة فرض وجاهة مصطنعة تخفي خلف بريقها مجرد وعاء فارغ لا يحمل فكراً ولا منجزاً، متناسين الحكمة الدارجة التي تختصر المشهد بأن «القِدْر المليان ما يقرقع».
والحقيقة الغائبة عن هؤلاء أن المجتمع الواعي ينظر لهذا السلوك بعين الاستهجان، ويدرك تماماً كيف يتحول الشخص بمبالغته إلى مجرد جسر يمر فوقه طابور المتسلقين الباحثين عن مصالحهم الخاصة. ولو أن ذلك الجهد والوقت والمال وُجّه لخدمة المجتمع وبنائه، لتكفّل المجتمع وحده بصناعة مكانة صاحبها وتقديره دون حاجة لعدسة مستأجرة أو ضجيج مصطنع.
فالمكانة الحقيقية لم تكن يومًا وليدة ومضة كاميرا، ولا نتيجة صخب عابر؛ إذ تُبنى المكانة في المجتمعات الواعية على ما يقدمه الإنسان من علم، وعمل، وعطاء، وما يتركه من نفع في حياة الناس. وقد يكون صاحب الأثر بعيدًا عن الأضواء، بينما يقف آخرون طويلًا تحتها دون أن يتركوا وراءهم سوى صورة عابرة.
والمال، كذلك، لا يكتسب قيمته من قدرته على صناعة مشهد استعراضي، بل من أثره حين يتحول إلى استثمار، وبذل، وتنمية، وصناعة فرص تسند المجتمع وتخدم الوطن. فالثروة التي تُعرض لطلب الإعجاب قد تصنع لحظة خاطفة، أما الثروة التي تُوظف في البناء فتصنع مجداً ومستقبلًا.
ومع اتساع تأثير منصات التواصل، تبرز مسؤولية المجتمع في إعادة ترتيب أولوياته: أن يمنح اهتمامه لمن يصنع معرفة، أو ينجز عملاً، أو يخدم وطناً، أو يفتح باباً لغيره، لا لمن يجيد فقط استدعاء الكاميرات وصناعة الصخب الأجوف.
نحن لا نحتاج إلى إطفاء الأضواء، بل إلى أن نسأل: على من نسلّطها؟
فليست المشكلة في أن يلمع الإنسان، وإنما في أن يكون لمعانه بلا أثر. وليس المهم كم عدسة التقطت صورته، بل كم إنسانًا انتفع بعطائه، وكم فكرةً بقيت بعده، وكم أثرًا ظل حاضرًا حين انطفأت الأضواء.
فالتاريخ لا يحتفظ بمن ظهر أكثر، بل بمن ترك أثرًا أكبر.

 0  0  1.5K