التربية الحديثة وتحديات العصر
كانت التربية في زمن مضى تقوم على منظومة اجتماعية متكاملة تبدأ من البيت والأسرة ثم تمتد إلى المدرسة والمسجد والجار الصالح ولم تكن مسؤولية تربية الأبناء وتقويم سلوكهم شأناً خاصاً بالوالدين وحدهما بل كان المجتمع بأسره شريكاً في غرس القيم وتعزيز السلوك القويم فإذا رأى أحد أفراد المجتمع خطأً من طفل أو شاب بادر بالنصح والتوجيه
انطلاقاً من شعور حقيقي بالمسؤولية تجاه الجميع.
المعادلة تغيرت اليوم بصورة كبيرة فقد اتسعت دوائر التأثير في حياة الأبناء ولم تعد الأسرة والمدرسة والمسجد وحدها هي التي تشكل وعيهم وسلوكهم بل أصبحت الشاشات ومنصات التواصل والأفلام والمسلسلات والمحتوى الرقمي شريكاً حاضراً ومؤثراً في عملية التربية شئنا أم أبينا.
( انها فتن كفطع الليل المظلم )
وهنا تكمن إحدى أبرز التحديات التي تواجه الأسرة المعاصرة تعارض الرسائل التربوية التي يتلقاها الأبناء من البيت مع بعض ما يشاهدونه في الفضاء الإعلامي المفتوح فالوالدان يوجهان ويرشدان ويحرصان على غرس القيم بينما قد تقدم بعض الأعمال الإعلامية نماذج سلوكية تتناقض مع ما تحاول الأسرة ترسيخه.
وليس المقصود هنا وضع الإعلام كله في خانة واحدة فهناك أعمال راقية وهادفة تؤدي دوراً مهماً في التوعية وبناء الوعي لكن المشكلة تكمن في بعض المحتوى الذي يقدم التدخين أو المخدرات أو الجريمة بصورة درامية قد تجعلها تبدو مع كثرة التكرار جزءاً مألوفاً من الحياة كما أن بعض الأعمال العربية قد تقدم التمرد على الأسرة، أو الإفساد بين الأزواج أو تفكيك العلاقات الأسرية في إطار درامي يجعل السلوك الخاطئ قابلاً للتعاطف أو التقليد.
فالإنسان ولا سيما في مرحلة المراهقة يتأثر بما يتكرر أمامه والمشهد الذي قد يبدو عابراً في المرة الأولى قد يتحول مع التكرار إلى صورة مألوفة في الذهن ثم إلى فكرة قابلة للتقبل وربما إلى سلوك يرى صاحبه أنه طبيعي أو مقبول.
والأخطر من ذلك أن بعض المحتوى يقدم مفهوم الحرية الشخصية بصورة منفصلة عن المسؤولية والقيم فينشأ لدى بعض المراهقين والمراهقات تصور مفاده أن كل ما يمارس باسم الحرية هو حق شخصي لا يحق لأحد مناقشته حتى لو تعارض مع القيم الدينية والاجتماعية أو أضر بالفرد والأسرة والمجتمع.
( فما الحل )
الحل بالتأكيد لا يكمن في المنع والحجب وحدهما فالعالم اليوم مفتوح والتقنية جعلت من الصعب بل من غير الواقعي عزل الأبناء عن كل ما يدور حولهم كما أن محاولة إغلاق جميع النوافذ قد لا تمنع وصول المحتوى بقدر ما قد تحرم الأبناء من فرصة تعلم كيفية التعامل معه.
نحن بحاجة بالانتقال من ثقافة المنع إلى ثقافة بناء الوعي وهذا يتطلب تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد والمختصين في التربية والإعلام بحيث لا يكتفي الكبار بإخبار الأبناء بما يجوز وما لا يجوز وإنما يتحاورون معهم ويفسرون لهم ويناقشون ما يشاهدونه ويساعدونهم على اكتشاف الرسائل الظاهرة والخفية في المحتوى الذي يتعرضون له.
إن الابن الذي يعرف لماذا يرفض سلوكاً معيناً ويقتنع بقيمة ما يتمسك به سيكون أكثر قدرة على الثبات من ابن لا يعرف سوى أن هذا الأمر ممنوع ولذلك فإن التربية الناجحة في عصر الانفتاح لا تقوم على صناعة جدار عازل حول الأبناء وإنما على بناء حصانة فكرية وأخلاقية داخلهم.
نحن لا نستطيع إغلاق النوافذ التي يطل منها أبناؤنا على العالم لكننا نستطيع أن نمنحهم البصيرة التي تحميهم من سلبياته والوعي الذي يجعلهم قادرين على التمييز بين ما يستحق أن يوخذ وما ينبغي أن يترك.
فالتربية الحديثة لا تعني عزل الأبناء عن العصر كما أنها لا تعني التسليم بكل ما يقدمه العصر إنها تعني إعداد جيل قادر على التعامل مع عالم مفتوح بثقة ووعي يعرف أن الانفتاح لا يعني الذوبان وأن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية وأن التمسك بالقيم لا ينبغي أن يكون خوفاً من العالم بل قناعة تجعله أكثر قدرة على التعامل معه.
ختاما
المتابعة جيدة و مفيدة في التربية لبناء
إنسان قادر على اختيار ما يشاهده وفهم ما يتلقاه والتمييز بين ما ينفعه وما يضره وهذا في تقديري هو التحدي التربوي الأكبر في زمننا