حين تصبح القوة صراع بقاء
كل امرأة في الدنيا مهما بدت قوية ومتماسكة في داخلها أمنية بسيطة جدًا أن تستريح أن تدلل أن تجد من يحتويها وأن تعيش حياة هادئة وجميلة لا تضطر فيها لأن تكون قوية طوال الوقت
في البداية تبحث المرأة عن شخص تتكئ عليه عن أب أو أخ أو رجل أو شريك يحمل عنها بعض ما أثقل كتفيها ويمنحها ذلك الأمان الذي طالما تمنته ثم تكتشف أن هذا الشخص قد لا يكون موجودًا أو أنه موجود لكنه بعيد أو أنه قريب منها لكنه لا يمنحها ما تحتاجه
وهنا تبدأ الحكاية الأخرى
تجبر المرأة على أن تكون قوية لا لأنها اختارت القوة ولا لأنها لا تحتاج أحدًا ولا لأنها لا تتمنى أن تجد من يقول لها اتركيها علي بل لأن الحياة وضعتها أمام مسؤوليات لا تنتظر ضعفها
فتجد نفسها تحمل أعباء البيت وأعباء الأبناء وأعباء الأحلام المؤجلة وأعباء الخوف من الغد وأحيانًا تقوم بدور الأب والأم والأخ والأخت وفي النهاية تظل مطالبة بأن تبتسم وكأن كل شيء بخير
وهنا تصبح القوة مختلفة
هناك فرق كبير بين امرأة قوية بشخصيتها اختارت النجاح لأنها تؤمن بنفسها وبين امرأة أصبحت قوية لأن الحياة لم تترك لها خيارًا آخر
الأولى تقول أريد أن أنجح
أما الثانية فتقول يجب أن أنجح لأن هناك من يعتمد علي
الأولى تختار المعركة أما الثانية فقد وجدت نفسها في منتصفها دون أن تستعد لها
ولهذا لا تنخدعوا بالمرأة التي تبدو قوية طوال الوقت
فربما تكون أكثر إنسانة تتمنى في أعماقها أن تجد كتفًا آمنًا ويدًا تمتد إليها دون أن تطلب وقلبًا يقول لها ارتاحي أنا هنا
ربما كل ما كانت تتمناه يومًا لم يكن أن تكون أقوى امرأة في العالم بل أن تجد من يمنحها الأمان الكافي لتضع قوتها جانبًا ولو قليلًا
فالقوة ليست دائمًا رفاهية وأحيانًا تكون صراع بقاء
وأصعب ما في الأمر أن المرأة التي اعتاد الجميع أن يروها قوية ينسون أنها أيضًا تحتاج أن تحتوى وأن تدلل وأن يقال لها يومًا لا تحملي كل شيء وحدك أنا أراك وأشعر بتعبك وهذه المرة دعيني أحمل عنك
فمنذ اللحظة التي يأتي فيها ذلك الصغير إلى الدنيا من رحمها وهي تتعلم كيف تخاف عليه أكثر مما تخاف على نفسها وكيف تؤجل أحلامها لتمنحه فرصة أكبر وكيف تخفي تعبها بابتسامة حتى لا يرى في عينيها خوف الغد
تمضي السنوات ويكبر ذلك الصغير وتكبر معه امرأة كانت يومًا تتمنى فقط أن تجد من يسندها
ثم يأتي يوم تسمع فيه الكلمة التي انتظرتها طويلًا
لست مطالبة بأن تكوني كل شيء طوال الوقت كوني أنت فقط ودعي الحياة هذه المرة تحملك
عندها لا تبكي لأنها ضعفت
بل تبكي لأنها للمرة الأولى تشعر أن هناك من فهم كم كانت قوية رغم أنها كانت تتمنى ألا تضطر إلى ذلك
وهنا يكون الانتصار الحقيقي
ليس أن تنتصر على الحياة وحدها
بل أن تصل أخيرًا إلى اليوم الذي تستطيع فيه أن تضع حملها جانبًا وتتنفس بسلام وتقول لنفسها
لقد تعبت كثيرًا
لكنني وصلت
ووصلت وأنا ما زلت أنا
امرأة لم تكسرها الأيام وإن أرهقتها
ولم تطفئ قلبها وإن أوجعتها
وظلت رغم كل شيء تؤمن أن أجمل ما في القوة أن يأتي يوم تجد فيه من يسمح لك أخيرًا أن تكون ضعيفًا دون خوف وأن تكون محبوبًا دون شروط وأن تستريح دون أن تشعر بالذنب
فبعد كل تلك المعارك لا تحتاج المرأة إلى من يصفق لقوتها فقط
بل تحتاج إلى قلب يعرف متى يقول لها
كفى
لقد حملتِ العالم طويلًا
حان الآن وقت أن يحملكِ العالم قليلًا