المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأحد 16 أغسطس 2026
نجلاء البحيري
نجلاء البحيري
نجلاء البحيري

هل انتهى النقد إلى المتنبي، أم أن المتنبي هو الذي أنهك النقد؟

ليس من السهل أن يُذكر اسم المتنبي من دون أن تستحضر الذاكرة قرونًا من الشروح والقراءات والدراسات. حتى ليبدو أن كل ما يمكن أن يُقال عنه قد قيل. لكن هذا الانطباع يثير سؤالًا آخر: هل تُستنفد النصوص العظيمة بكثرة ما يُكتب عنها، أم أن ما يوشك على الاستنفاد هو الطريقة التي اعتدنا أن نسألها بها؟

لا يسعى هذا السؤال إلى إثبات أن المتنبي ما زال يخفي معاني لم تُكتشف، ولا إلى الادعاء بأن النقد أخفق في قراءته. وإنما يحاول أن ينقل موضع النظر من النص إلى القراءة النقدية نفسها. فالقضية ليست في عدد القراءات، بل في قدرتها على إنتاج جديد يبرر عودتها إلى النص.

فقد تتغير لغة النقد دون أن تتغير رؤيته. وقد تبدو القراءة جديدة لأنها تستعير مصطلحات مختلفة، بينما تظل تدور حول الأسئلة ذاتها، وتعيد بناء النتائج نفسها. وعندئذٍ لا يكون التكرار في النص، بل في الطريقة التي نقترب بها منه.

لكن هل كل قراءة تصل إلى معنى سبق إليها ناقد آخر تُعد قراءة مكررة؟ ليس بالضرورة. فقد تعود القراءة إلى المعنى نفسه، لكنها تضعه في سياق جديد، أو تكشف علاقته بجانب آخر من النص، أو تعيد ترتيب علاقاته الداخلية. فالمشكلة ليست في أن تتشابه بعض النتائج، وإنما في أن يتغير الطريق إليها دون أن يتغير ما نراه في نهايته. فالجدة ليست أن تقول عن النص شيئًا لم يُقل بهذه الكلمات، بل أن تغيّر علاقتنا بما قيل فيه.

وتزداد هذه المفارقة وضوحًا مع المتنبي؛ إذ لا ندخل إلى شعره بوصفه نصًا فحسب، بل بوصفه اسمًا يسبقه. فصورته الراسخة في الذاكرة الثقافية — شاعر الحكمة، والكبرياء، والطموح — قد ترسم أفق التوقع قبل أن تبدأ القراءة، حتى يصبح النص أحيانًا مؤيدًا لما نعرفه سلفًا، بدل أن يكون مجالًا لاكتشاف ما لم نعرفه بعد.

ولعل المفارقة أن المتنبي لم يكن موضوعًا لهذه الهالة فحسب، بل أسهم في صناعتها أيضًا. يقول:

 «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم»


لا يكتفي البيت هنا بتقديم صورة عن الشاعر، بل يبني ذاتًا شعرية واثقة من حضورها وقدرتها على تجاوز حدود التلقي. وحين تتراكم مثل هذه الصور في الذاكرة، يصبح الناقد القادم أمام صورة سبقت النص، وقد يدخل إلى القصيدة وهو يحمل تصورًا جاهزًا عن صاحبها.

ومن هنا قد لا يكون إرهاق المتنبي للنقد ناتجًا عن كثرة ما قيل فيه فحسب، بل عن قوة الصورة التي أحاطت به، حتى أصبح من الصعب الاقتراب من نصه دون المرور بها أولًا. وقد يتحول هذا التراكم، بدل أن يكون معينًا على القراءة، إلى قيد عليها؛ إذ يدفع القارئ إلى البحث عما يؤكد ما يعرفه عن المتنبي، أكثر مما يدفعه إلى اكتشاف ما يمكن أن يفاجئه فيه.

ولعل بيتًا مثل قوله:

 «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ»

يكشف بوضوح أثر الصورة المسبقة في توجيه القراءة. فقد استقر في الوعي النقدي بوصفه من أشهر تمثيلات فخر المتنبي، حتى أصبح من النادر أن يُقرأ خارج هذا الإطار. لكن التمهل في قراءته يفتح احتمالًا آخر. فالفعل هنا لا يقوم على الامتلاك أو السيطرة، بل على المعرفة؛ فالمتنبي لا يقول إن الخيل أو الليل أو البيداء ملكٌ له، وإنما يجعلها شهودًا على وجوده.

وهنا يبرز سؤال مختلف: لماذا يحتاج الشاعر إلى شهادة الخيل والليل والبيداء؟ ولماذا يستدعي الأشياء الصامتة لتشهد له؟ لعل البيت لا يعبّر عن يقينٍ مكتمل بالذات بقدر ما يكشف حاجة هذه الذات إلى من يشهد لها. وعندئذٍ لا يعود الفخر نقيضًا للهشاشة، بل يصبح أحد أشكال مقاومتها. ولا تزعم هذه القراءة أنها الكلمة الأخيرة في البيت، وإنما تقترح زاويةً تذكّرنا بأن النص يظل أوسع من أي صورة واحدة.

لكن المفارقة أن شعر المتنبي نفسه لا يستقر دائمًا داخل صورة واحدة. فالقوة فيه قد تجاور القلق، والحكمة قد تلامس الرغبة، والاعتداد قد يكشف عن هشاشة لا تظهر من النظرة الأولى. وهذه ليست بالضرورة معاني مخفية، بقدر ما هي إمكانات يتيحها النص لمن يقترب منه من دون أن يفرض عليه صورة نهائية.

ومن هنا يصبح السؤال من جديد: كيف نقرأ المتنبي اليوم؟

ليس المطلوب أن نبحث عن معنى لم يخطر لأحد، ولا أن نضع على شعره تسمية جديدة ثم نزعم أننا جددنا قراءته. المطلوب أولًا أن نعلّق، ولو مؤقتًا، ما نعرفه عنه، وأن نمنح النص حق أن يفاجئنا. فحين يأتي الناقد إلى المتنبي وهو يعرف سلفًا أنه شاعر الحكمة أو الكبرياء أو الأنا، قد لا يكتشف في النص إلا ما يثبت هذه المعرفة. أما القراءة التي تترك للنص حق مفاجأتها، فهي التي تمنح نفسها احتمال أن ترى ما لم تكن تبحث عنه.

ولا يبدأ التجديد بالضرورة من مصطلح جديد أو من منهج أكثر حداثة. فقد تستعير القراءة لغة حديثة، بينما تعيد إنتاج نتيجة قديمة، وقد تستخدم منهجًا جديدًا لا لأن النص استدعاه، بل لأن المنهج يبحث عن نص يختبر نفسه من خلاله. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل جاء المنهج إلى النص، أم جاء النص إلى المنهج؟

وهذا لا يعني أن القراءات السياسية أو الوجودية أو النسوية أو غيرها عاجزة عن الكشف، وإنما يعني أن قيمة أي قراءة لا تتحدد باسم المنهج الذي تستعمله، بل بقدرتها على أن تجعل النص يضيف شيئًا إلى المنهج، لا أن يتحول إلى مجرد شاهد عليه.

لذلك، قد لا يكون السؤال: هل انتهى النقد إلى المتنبي؟ ولا: هل أنهك المتنبي النقد؟ بل: هل ما زالت القراءة النقدية قادرة على أن تبدأ من النص، أم أنها تبدأ أحيانًا من تاريخ قراءاته أو من رغبتها في إثبات ذاتها؟

ربما لم يُنهك المتنبي النقد، لكن بعض النقد أنهك نفسه حين ظن أن كثرة ما قاله عن المتنبي تعني أنه اقترب منه. فالنص لا يصبح مستنفدًا لأننا قلنا فيه كثيرًا، كما لا تصبح القراءة جديدة لمجرد أنها قالت القديم بلغة أخرى.

المسألة في نهايتها ليست: كم مرة قرأنا المتنبي؟ بل: كم مرة استطعنا أن نقرأه دون أن نعرف مسبقًا ماذا سنجد؟

فالنص العظيم لا يختبر قدرتنا على تكرار الإجابات، بل قدرتنا على إعادة النظر في السؤال نفسه. وربما كان المتنبي، بعد كل هذه القرون، لا يزال يختبر النقد في النقطة التي يظن فيها أنه بلغ منتهاه:
 «هل قرأتَ النص، أم قرأتَ ما قيل لك عنه؟»
بواسطة : نجلاء البحيري
 0  0  1.2K