المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 13 أغسطس 2026
احمد يحيى البارقي
احمد يحيى البارقي
احمد يحيى البارقي

من حراج الإبل إلى حراج الفواكه ماذا بعد



يبدو أننا أمام ظاهرة اقتصادية جديدة تحتاج إلى أن تتوقف عندها مراكز الدراسات والجامعات والأبحاث لماذا أصبح كل شيء قابلًا لأن يتحول فجأة إلى مزادات خيالية.

بدأت الحكاية بالإبل وكانت الأسعار تقفز بطريقة تجعل المتابع يعيد النظر في تلك المبالغ المليونية التي يسمعها و يسأل نفسه ما هذا ؟
ثم انتقلنا إلى الخرفان ولم تسلم الديوك والدجاج من موجة الرفاهية المفاجئة والآن وصلنا إلى الفواكه فمرة كرتون رمان ومرة عنب ومرة تمر ولا ندري ما الذي ينتظرنا في الجولة القادمة.

السؤال هنا ليس كم سعر الحبة
السؤال الأهم ماذا تعرف هذه الحبة ونحن لا نعرفه.
فهل العنب الذي يباع بمئات الريالات يملك شهادة جامعية هل الرمان لديه سجل تجاري هل الخروف الذي وصل سعره إلى رقم فلكي يعرف أنه خروف أم أنه يعتقد أنه عقار استثماري في موقع مميز.

المشهد في الحراج أصبح أقرب إلى مزاد للأحلام منه إلى بيع وشراء يقف أحدهم ويرفع السعر فيرفع الآخر ثم يأتي ثالث ويرفع أكثر بينما المشاهد العادي يحاول أن يفهم هل نحن نشتري المنتج أم نشتري قصة المنتج.

والأغرب أن بعض هذه السلع لو وضعتها في الصحن والتهمتها لتساوي في الطعم لديك ابو 500 وأبو 10 في الطعم وربما جاءك سؤال بكل بساطة طعم ذا العنب ياولدي حامض ؟
لكن في الحراج يصبح الأمر مختلفاً
هذا عنب نادر أصله معروف وسلالته مميزة وإنتاجه محدود..
وهنا تتوقف لغة الاقتصاد وتبدأ لغة الأساطير.

لا أحد يعترض على المزادات أو على أن يشتري الإنسان ما يشاء بماله فهذه في الأصل حرية شخصية وسوق مفتوح لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المبالغة إلى ظاهرة اجتماعية ويصبح السعر هو البطولة وكلما زاد الرقم زادت الشهرة وكأن قيمة الشيء أصبحت تقاس بعدد علامات التعجب التي يستطيع الناس وضعها في التعليقات.

والسؤال الذي يستحق النقاش فعلاً ما الذي يدفع الناس إلى هذه الأسعار؟
هل هي الجودة فعلًا.
هل هي الندرة.
هل هي المنافسة والاستعراض.
هل هي رغبة في امتلاك شيء لا يستطيع الآخرون امتلاكه.
أم أن الحراج أصبح مسرحاً اجتماعياً والسعر هو التصفيق.

وإذا استمرت المسألة بهذا الشكل فعلينا أن نستعد للمرحلة المقبلة.
بعد العنب والرمان ربما نشهد مزاداً على حبة بطيخ.
البداية عشرة آلاف!
خمسة عشر
عشرين
ثم يصرخ أحدهم ثلاثون ألفًا
ويصفق الجمهور بينما يقف شخص بجانبك ويسألك تدري ليه غالية فتقول لا فيجيبك بثقة لأنها نادرة.
فتسأله وش النادر فيها
يقول مدري بس شوف السعر.

وهنا نصل إلى أخطر نقطة في الظاهرة أن يصبح السعر دليلاً على القيمة بدل أن يكون انعكاساً لها.
قد تكون هناك سلع نادرة فعلاً وقد تكون هناك أنواع مميزة من المواشي أو الفواكه وقد يكون لبعضها قيمة حقيقية مرتبطة بالجودة أو السلالة أو الإنتاج أو التاريخ وهذا أمر مفهوم في أي سوق.
لكن عندما يصل الأمر إلى أرقام تجعل الإنسان يتساءل هل اشترى صاحبها فاكهة أم اشترى حصة في شركة عالمية فمن الطبيعي أن نتوقف قليلاً ونسأل هل نحن أمام سوق حقيقي أم أمام سباق من يدفع أكثر.
فكلما ارتفع السعر انتشر المقطع.
وكلما انتشر المقطع زادت الشهرة.
وكلما زادت الشهرة ارتفع المزاد.
ثم يأتي مزاد جديد بسعر أعلى.
وهكذا تدور العجلة حتى يصبح السؤال ليس كم تساوي بل كم تستطيع أن تجعل الناس تتحدث عنها.
أما نحن الجمهور فنقف في المدرجات ونراقب.
ننتظر فقط الشيء القادم.
فبعد الإبل والخرفان والديوك والدجاج والفواكه ما الذي سيكون نجم الحراج المقبل.
ربما بصلة فاخرة.
أو ثمرة ليمون نادرة.
أو حبة تمر تدخل المزاد وهي ترتدي عباءة من الهيبة ويقال لنا إن قيمتها لا تقدر بثمن.

عندها فقط سنعرف أننا وصلنا إلى مرحلة جديدة من الاقتصاد.

لكن بعيداً عن السخرية الظاهرة تستحق النقاش فعلًا السوق الطبيعي يقوم على القيمة أما المزاد الاستعراضي فقد يقوم أحياناً على الندرة والشهرة والمنافسة والظهور.
ولهذا قبل أن نسأل ما القادم
ربما السؤال الأهم هو
هل سنظل نشتري الأشياء لأنها تستحق أم سنبدأ في إقناع أنفسنا بأنها تستحق فقط لأنها بيعت بسعر مرتفع.
وفي انتظار الإجابة سأحتفظ بمحفظتي.
فأنا أخشى أن يأتي يوم أفتح فيه جوالي فأجد خبرا عاجلًا
بيع حبة ليمون بمليون ريال بعد منافسة شرسة في أحد المزادات.
وعندما أسأل عن مواصفاتها سيقال لي بكل جدية
حامضة لكن نادرة.
بواسطة : احمد يحيى البارقي
 0  0  1.3K