المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الجمعة 7 أغسطس 2026
محمد عطية الشرقي - المشرف العام رئيس التحرير

حين يُقصى الأكفَّاء بلسانٍ أجنبي

ليس من التطوير أن نُعقِّد البسيط، ولا من المهنية أن نضع في طريق الناس حواجز لا تقتضيها طبيعة العمل، ولا من العدالة أن تُقصى الكفاءة لأنها لم تُجِد لغةً لن تحتاج إليها في مكتبها، ولن تستخدمها في معاملاتها، ولن تخاطب بها عميلًا أو مستفيدًا.

ومع ذلك، ما تزال شركات كثيرة في القطاع الخاص والأهلي تُمعن في اشتراط اللغة الإنجليزية في وظائف لا تمت إليها بصلة، حتى غدا هذا الشرط في بعض الإعلانات كأنه ركن لا يقوم التوظيف إلا به، أو صكَّ عبور لا يُسمح للمتقدم أن يبلغ المقابلة إلا بعد اجتيازه.

وظائف محلية، في مدن عربية، تقدَّم خدماتها لمجتمع عربي، ويتعامل موظفوها مع زملاء عرب ومستفيدين عرب، وتُكتب مراسلاتها الداخلية بالعربية، ثم لا تتردد في أن تطلب من المتقدم إجادة اللغة الإنجليزية تحدثًا وكتابة، وربما اشترطت اختبارًا وشهادةً ودرجةً محددة، وكأن الموظف سيغادر منذ صباحه إلى اجتماع دولي، لا إلى مكتب يقع في قلب مدينة سعودية.

فما الذي يجري؟

وهل صارت الإنجليزية معيارًا للكفاءة في كل شيء؟

وهل أصبحت قدرة الإنسان على أداء عمله، وخبرته، ومؤهله، وانضباطه، ومهاراته، وحسن تعامله، أمورًا تاليةً لا تسبقها إلا لغة أجنبية قد لا ينطق بها في وظيفته كلمة واحدة؟

المشكلة ليست في اللغة الإنجليزية نفسها، فهي لغة علم واتصال ومعرفة، ولا ينكر عاقل أهميتها في قطاعات الطب، والتقنية، والطيران، والسياحة، والعلاقات الدولية، والشركات العابرة للحدود، وغيرها من المجالات التي تقتضي طبيعتها استخدامها.

لكن المشكلة تبدأ حين تنتقل من موضع الحاجة إلى موضع الاستعراض، ومن كونها مهارة إضافية إلى حاجز وظيفي، ومن أداة للتطوير إلى وسيلة لاستبعاد أشخاص مؤهلين.

وهنا يتعين أن يُقال بوضوح: بعض شركات القطاع الخاص والأهلي لا تضع شروطها الوظيفية بعد دراسة حقيقية لطبيعة العمل، بل تنسخ أوصافًا جاهزة، وتستعير متطلبات لا تعرف لماذا وُضعت، ثم تقدمها للناس في ثوب المهنية والاحتراف.

وكأن الإعلان كلما ازدحم بالشروط كان أكثر هيبة، وكلما ضيَّق دائرة المتقدمين كان أكثر جودة، وكلما طلب الإنجليزية في غير موضعها بدا أكثر حداثة.

وهذه ليست مهنية، بل كسل إداري متخفٍّ في هيئة تنظيم.

وليست احترافًا، بل عجز عن التمييز بين ما تحتاج إليه الوظيفة وما لا تحتاج إليه.

فالمؤسسة المحترفة لا تسأل المتقدم عما لا يرتبط بعمله، ولا تقيس الكفاءة بمقاييس بعيدة عن المهام، ولا تُرهق الناس بشروط استعراضية، ثم تزعم أنها تبحث عن الأفضل.

الأفضل لا يُعرف بكثرة ما يُطلب منه، بل بمدى مناسبة ما يملكه لما سيؤديه.

وقد بلغ الأمر في بعض الإعلانات حدًا عجيبًا؛ وظيفة بسيطة، ومهامها محدودة، وراتبها لا يوازي حجم متطلباتها، ثم يُطلب من المتقدم مؤهل عالٍ، وخبرة طويلة، وإجادة برامج متعددة، وقدرات إدارية واتصالية، وفوق ذلك كله لغة إنجليزية تحدثًا وكتابة.

وكأن الشركة لا تبحث عن موظف، بل عن مؤسسة بشرية كاملة في جسد شخص واحد.

ثم بعد ذلك تعرض عليه راتبًا لا يوازي شرطًا واحدًا من تلك الشروط.

أيُّ عدالة هذه؟

وأيُّ منطق وظيفي يجعل المؤسسة ترفع سقف المطالب إلى السماء، ثم تُبقي المقابل عند أدنى الأرض؟

اشتراط الإنجليزية في غير موضعها ليس مجرد تفصيل عابر، بل قد يكون سببًا مباشرًا في إقصاء كفاءات وطنية قادرة على أداء العمل بكفاءة واقتدار.

قد يتقدم صاحب خبرة طويلة، يعرف الميدان، ويفهم احتياجاته، ويجيد التعامل مع الناس، ويتحمل المسؤولية، لكنه لا يتحدث الإنجليزية بطلاقة؛ فيُستبعد.

ثم يُقبل من هو أقل منه خبرة، وأضعف منه في جوهر العمل، لأنه تجاوز اختبار اللغة.

وحينئذ لا تكون الشركة قد اختارت الأنسب للوظيفة، بل اختارت الأنسب للشرط.

والفرق بين الأمرين كبير:

فالوظيفة إن كانت لا تحتاج إلى الإنجليزية، فإن تقديم المتقن لها على الأجدر بالعمل ليس مفاضلة مهنية، بل انحراف في معيار الاختيار.

ونحن لغتنا الأم هي العربية؛ لغة الضاد، ولسان هويتنا، ووعاء ثقافتنا، ولغة دولتنا وأنظمتنا وتعليمنا ومجتمعنا.

هي اللغة التي نكتب بها عقودنا، ونصوغ بها أنظمتنا، ونخاطب بها مواطنينا، ونؤدي بها أكثر أعمالنا، ونحفظ بها تاريخنا وذاكرتنا.

فلماذا يُشعَر ابن العربية في وطنه أن لغته وحدها لا تكفيه حتى في الوظائف التي لا تحتاج إلى غيرها؟

ولماذا يُوضع أمامه شرط أجنبي في عمل عربي، وبيئة عربية، وخدمة عربية؟

هل أصبح استخدام العربية نقصًا ينبغي ستره؟

أم أن بعض المؤسسات صارت تتوهم أن الاسم الأجنبي، والمسمى الأجنبي، والشرط الأجنبي، يمنحها صورة أكثر تطورًا، ولو كان واقعها الإداري لا يعرف من التطور إلا ألفاظه؟

التقدم لا يكون بالتنكر للغة المجتمع، ولا بزرع عقدة النقص في نفوس أبنائه، ولا بجعل اللغة الأجنبية ختمًا للجودة في كل أمر.

فكم من مؤسسة ترفع شعار الإنجليزية، بينما تعجز عن كتابة إعلان عربي سليم.

وكم من شركة تشترط الطلاقة في لغة أجنبية، ثم ترسل لموظفيها تعميمًا عربيًا حافلًا بالأخطاء.

وكم من جهة تُقصي المتقدم بسبب ضعف لغته الإنجليزية، ثم لا تستخدمها في أعمالها طوال العام إلا في اسمها التجاري أو بعض عناوينها الوظيفية.

وهنا يحق لنا أن نسأل سؤالًا لا يخلو من المرارة:

هل تشترط الشركات الدولية والعالمية في بلادها ومدنها على كل متقدم أن يجتاز اختبار اللغة العربية حتى يحصل على وظيفة لا علاقة لها بالعربية؟

هل تطلب شركة في لندن أو باريس أو برلين أو نيويورك من موظف محلي أن يتحدث العربية ويكتب بها، مع أن عمله لا يحتاج إليها؟

بالطبع لا.

لأن الأصل عندهم أن تُطلب اللغة حين تكون جزءًا من العمل، أو حين يكون السوق المستهدف بحاجة إليها، أو حين تقتضيها طبيعة العملاء والمهام.

أما أن تُفرض لغة لا تستخدمها الوظيفة، فذلك عبث لا تسمح به الإدارة الجادة.

فلماذا نقبل نحن ما لا تقبله المؤسسات المهنية في بيئاتها؟

ولماذا نحمَّل الإنجليزية ما لا تحتمله، فنضعها في كل وصف وظيفي، حتى في المواقع التي لا تحتاج إليها؟

ولماذا تتحول بعض شركاتنا الخاصة والأهلية إلى نسخ مشوهة من نماذج أجنبية، تأخذ منها المظهر وتترك جوهر التنظيم؟


المحاكاة العمياء لا تصنع مؤسسة حديثة.

وترجمة المسميات لا تُنتج بيئة احترافية.

واشتراط الإنجليزية لا يعالج ضعف الإدارة، ولا يرفع جودة العمل، ولا يعوَّض غياب التدريب، ولا يصنع من الموظف شخصًا مؤهلًا لمجرد أنه أجاب عن أسئلة اللغة.

الشركة المتطورة هي التي تعرف حاجتها بدقة، وتكتب وصفًا وظيفيًا واضحًا، وتطلب من المتقدم ما يرتبط بمهامه، وتمنحه تدريبًا حقيقيًا، وتقيس أداءه بما ينجزه، لا بما يحفظه من مفردات لا يستخدمها.

أما أن تضع الشركة الإنجليزية شرطًا عامًا لأنها تريد أن تبدو عصرية، فذلك ليس إلا بهرجة إدارية.

ومن أشد صور الخلل أ بعض الشركات تجعل اللغة الإنجليزية شرطًا حاسمًا، ثم لا تجعل الخبرة، أو التخصص، أو مهارات التواصل، أو المعرفة بطبيعة المجتمع، بالوزن نفسه.

مع أن كثيرًا من الوظائف الخدمية والإدارية والمجتمعية تحتاج إلى فهم الناس، وحسن مخاطبتهم، ومعرفة ثقافتهم، والقدرة على التعبير العربي السليم، أكثر مما تحتاج إلى محادثة أجنبية مصطنعة.

فالموظف الذي يتعامل مع المواطن العربي ينبغي أولًا أن يحسن مخاطبته بلغته، وأن يفهم عبارته، وأن يكتب له بوضوح، وأن ينقل إليه المعلومة بدقة.

لكن المفارقة أن بعض الجهات لا تختبر قدرة المتقدم على كتابة خطاب عربي سليم، ولا على صياغة رسالة واضحة، ولا على الحديث بلغة فصيحة أو مفهومة، ثم تستوقفه طويلًا عند نطق جملة إنجليزية.

فأي الميزانين أحق بالتقديم؟

احترام العربية لا يعني معاداة الإنجليزية.

والدعوة إلى ضبط شروط التوظيف لا تعني الانغلاق عن العالم.

بل إننا ندعو إلى تعلم اللغات، وإلى فتح أبواب المعرفة، وإلى تمكين الشباب من المهارات العالمية، لكننا نرفض أن تتحول اللغة إلى سوطٍ يُرفع على المتقدمين، أو حاجزٍ يمنع الكفاءات، أو ذريعةٍ تبرر بها الشركات استبعاد من تشاء.

نريد الإنجليزية في مكانها الصحيح، لا في كل مكان.

نريدها حين تكون أداة عمل، لا زينة إعلان.

نريدها حين تكون حاجة، لا عقدة.

نريدها مهارةً تُكتسب، لا تهمةً يُعاقب عليها من لم يتقنها.

وعلى شركات القطاع الخاص والأهلي أن تتحمل مسؤوليتها في هذا الباب، وأن تكف عن نسخ الشروط الجاهزة، وأن تراجع أوصافها الوظيفية بصدق.

فإذا كانت الوظيفة تحتاج إلى الإنجليزية، فلتوضح الجهة أين ستُستخدم، وما المستوى المطلوب، ولماذا هي ضرورية.

وإن كانت مجرد ميزة إضافية، فلتذكرها كذلك من غير أن تجعلها سببًا في إقصاء الأكفّاء.

أما إذا لم تكن الوظيفة بحاجة إليها، فإن اشتراطها تعسف وظيفي لا مسوغ له.

ولا ينبغي أن يُجمَّل هذا التعسف بألفاظ التطوير والاحتراف.

البطالة لا تحتاج إلى مزيد من الأبواب المغلقة، والباحث عن العمل لا يحتاج إلى شروط مصطنعة تزيد الطريق ضيقًا.

والقطاع الخاص، الذي يُنتظر منه أن يكون شريكًا في التنمية وصناعة الفرص، ينبغي ألا يتحول إلى ميدان للتعقيد، أو فضاء تتكاثر فيه الاشتراطات بلا ضرورة.

فمسؤوليته لا تقف عند تحقيق الأرباح، بل تمتد إلى عدالة الفرص، وحسن استثمار الكفاءات الوطنية، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.

فقد آن الأوان أن تتوقف بعض الشركات عن التعامل مع الإنجليزية بوصفها مقياسًا عامًا للذكاء والجدارة والرقي.

فاللغة مهارة، وليست شهادة تفوق مطلقة.

والكفاءة أوسع من أن تُختصر في اختبار.

والإنسان لا تُقاس قيمته المهنية بلسان أجنبي، بل بما يعرفه، وما ينجزه، وما يحسن أداءه.

فلا تجعلوا لغةً لا تحتاج إليها الوظيفة سببًا في حرمان من يستحقها.

ولا ترفعوا الحواجز أمام الكفاءات ثم تشكون ندرة المؤهلين.

ولا تطلبوا موظفًا يتحدث الإنجليزية في وظيفة لا تتحدث بها.

ولْتتحدث شروطنا الوظيفية أخيرًا بلغة العقل، والعدل، والحاجة الحقيقية.

فالعربية ليست نقصًا.

والإنجليزية ليست امتيازًا مطلقًا.

والوظيفة ليست اختبار لغة.

وكل وظيفة لا تحتاج إلى الإنجليزية، فإن اشتراطها فيها ليس تطويرًا، بل تعقيدٌ صريح، وإقصاءٌ لا يليق بسوق عمل ينشد الكفاءة والعدالة.
 0  0  2.4K