حين يرتدي الظالم ثوب المظلوم
ليس كل من رفع صوته كان صاحب حق وليس كل من أتقن سرد الحكاية كان صادقًا. فهناك من يمتلك موهبة نادرة لا في قول الحقيقة بل في إعادة تشكيلها حتى تبدو كما يشاء.
بعض البشر لا يكتفون بالظلم بل يتفننون في تزيينه ويجعلون من أنفسهم ضحايا أمام الناس بينما يخفون بين السطور حقائق لو ظهرت لانقلبت الموازين. يذرفون الدموع في العلن ويزرعون الدموع في عيون غيرهم في الخفاء.
إن أخطر أنواع الظلم ليس ذلك الذي يُمارس بالقوة بل الذي يُغلف بالكلمات، ويُقدَّم للناس على أنه بطولة أو تضحية أو معاناة. عندها يصبح المظلوم متهمًا والظالم بطلًا وتختلط الحقائق حتى يعجز الكثير عن التمييز بين النور والظل.
ولأن الناس لا يرون إلا ما يُعرض أمامهم فقد يصفقون للمشهد دون أن يعلموا ما حُذف من القصة وما أُسدل عليه الستار عمدًا. فالحقيقة لا تُعرف دائمًا بكثرة من يرددها، بل بثباتها مهما حاول الزيف أن يطغى عليها.
إن الأقنعة قد تنجح في خداع البشر، لكنها تعجز عن خداع الزمن وتعجز قبل ذلك عن خداع رب البشر. فالأيام تكشف ما أخفته الوجوه والمواقف تفضح ما أخفته الكلمات، والعدل الإلهي لا يحتاج إلى شهود؛ لأنه يعلم السر وأخفى.
ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان ألا يُصدر حكمه من رواية واحدة وألا يمنح ثقته لكل من أعلن أنه مظلوم. فكم من صامتٍ كان صاحب حق، وكم من متحدثٍ بارع كان يخفي وراء فصاحته ظلمًا لا يراه إلا من اكتوى به.
إن الحياة تعلمنا أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تضيع، وأن الظلم مهما لبس من أثواب البراءة، يبقى ظلمًا، حتى وإن صدقه الناس جميعًا.
اللهم اكشف الحقائق كما هي، ولا تجعل للباطل في أعين الناس جمالًا ولا للظالم هيبة، ولا للمخادع قبولًا. اللهم أنصف كل مظلوم، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه واجعل العاقبة للصدق والعدل فإنك لا تُضيع حقًا، ولا يخفى عليك خفيّ.