ليست كل الأكتاف تصلح للاتكاء
هناك خطأ نرتكبه جميعًا، لكنه لا يُغتفر إلا بعد أن ندفع ثمنه من أرواحنا... أننا نسيء اختيار الأكتاف التي نتكئ عليها.
فالإنسان حين يثقل قلبه، لا يبحث عن المال، ولا عن الشهرة، ولا عن التصفيق، بل يبحث عن كتفٍ يحتمل ضعفه دون أن يُشعره بالخجل، ويحفظ سره دون أن يجعله مادةً للأحاديث، ويشد من أزره دون أن يمنّ عليه بجميله.
لكن الواقع أكثر قسوة مما نتصور.
لقد أصبح بعض البشر يتقنون تمثيل الوفاء أكثر مما يمارسونه. يجيدون دور الصديق ويبرعون في صناعة الصورة ويتحدثون عن المبادئ كما لو أنهم خُلقوا منها، لكن أول عاصفة تكشف أن كل ذلك لم يكن سوى ديكورٍ هش، يسقط عند أول اختبار.
ليست كل الأكتاف تصلح للاتكاء... لأن بعض الأكتاف لا تحمل إلا أصحاب المصالح.
هناك من يقترب منك ما دمت قويًا، حاضرًا قادرًا على العطاء. فإذا انكسرت ابتعد وكأن الضعف مرضٌ معدٍ. وهناك من ينتظر لحظة سقوطك، لا لينهض بك، بل ليتأكد أنك لن تنافسه مرة أخرى.
والمؤلم أن أكثر الخذلان لا يأتي من الغرباء، بل من أولئك الذين منحناهم مفاتيح قلوبنا، وأدخلناهم تفاصيل حياتنا، حتى أصبحوا يعرفون مواطن ضعفنا أكثر مما نعرفها نحن. وحين تختلف الطرق يستخدم بعضهم تلك المعرفة سلاحًا فيدرك الإنسان متأخرًا أن الثقة إذا وُضعت في غير أهلها، تحولت إلى بابٍ واسع للألم.
لقد علمتني الحياة أن العلاقات لا تُقاس بعدد السنوات ولا بعدد الرسائل، ولا بكثرة اللقاءات. فهناك من عاش معك عمرًا كاملًا، ثم سقط من أول موقف وهناك من جاء متأخرًا لكنه وقف معك موقفًا واحدًا فاستحق مكانةً لم يستطع غيره الوصول إليها.
وما أكثر الذين يرددون: "أنا معك"، لكنهم أول من يغادر عند اشتداد الطريق. فالوفاء ليس وعدًا يُقال، بل موقفٌ يُرى والرجال والنساء لا تُعرف معادنهم في ساعات الرخاء وإنما حين تضيق الدنيا وتتكاثر الأبواب المغلقة.
ولهذا، لا تمنح قلبك لكل من يبتسم في وجهك ولا تجعل ضعفك حديثًا لكل من يستمع إليك، ولا تظن أن حسن الكلام دليل على حسن النوايا. فبعض الكلمات عطورٌ تخفي رائحة الخذلان.
ويبقى درس العمر الأعظم: إذا أردت كتفًا لا يميل فاتكئ أولًا على الله. فمن جعل الله سنده لم تكسره خيبة بشر ولم تهزمه قسوة المواقف لأنه يعلم أن القلوب تتبدل أما عون الله فلا يتبدل.
وفي النهاية...
لا تحزن إذا سقطت أسماءٌ كثيرة من قائمة من ظننتهم سندًا فالسقوط لم يكن لهم وحدهم بل سقطت معه أوهامك أيضًا. والأوهام، مهما كانت جميلة لا تستحق أن تعيش بها عمرًا كاملًا.
فاحذر أن تمنح ظهرك لكل كتف لأن بعض الأكتاف لا تنتظر اتكاءك عليها... بل تنتظر اللحظة التي ترفع يدها لتراك تسقط.