المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 23 يوليو 2026
نجلاء البحيري
نجلاء البحيري
نجلاء البحيري

حين تُثمر المعرفة تواضعًا

ليست المعرفة وحدها ما يلفتني في بعض المثقفين، بل ما تتركه في طباعهم بعد أن تستقر. فهناك من يخرج من كل كتاب أكثر يقينًا بما يعرف، حتى تبدو قراءاته كأنها تبني جدارًا بينه وبين الآخرين. وهناك من تتسع رؤيته كلما اتسعت قراءاته، فيقلُّ احتياجه إلى إثبات نفسه، ويزداد إصغاؤه لما لا يعرفه؛ كأن المعرفة لم تمنحه أجوبةً أكثر، بل منحته وعيًا أعمق باتساع الأسئلة.

أميل إلى أولئك الذين لا يجعلون من أفكارهم منصةً للظهور، بل جسرًا يعبرون به نحو فهمٍ أوسع. لا يرفعون أصواتهم؛ لأنهم يدركون أن الفكرة لا تكتسب قوتها من علو الصوت، بل من قدرتها على البقاء بعد انتهاء لحظة الدفاع عنها. وحين يختلفون، لا ينشغلون بإسقاط الرأي الآخر، بل بالبحث عما يمكن أن يضيفه الاختلاف إلى الصورة.

حضرتُ مرةً مجلسًا ثقافيًا، وكان بين الحاضرين رجلٌ يملك من المعرفة ما يجعله قادرًا على أن يتصدر الحديث منذ بدايته حتى نهايته. لكنه اختار أن يصغي أكثر مما يتكلم. لم يكن صمته ترددًا، ولا عجزًا عن المشاركة، بل ثقةً بأن الفكرة لا تنضج في صوتٍ واحد. يومها أدركت أن التواضع ليس ما ينقص المعرفة، بل أحد أكثر ثمارها ندرة.

غير أن المعرفة لا تصنع هذا التحول تلقائيًا. فكم من قارئٍ اتسعت مكتبته، ولم يتسع صدره، وكم من مثقفٍ امتلك أدوات الحوار، لكنه استخدمها لإثبات تفوقه لا لاكتشاف الحقيقة. وأخطر ما قد تفعله المعرفة أنها تمنح الإنسان وهم الاكتمال، بينما وظيفتها الأعمق أن تذكّره بأن وراء كل جواب سؤالًا جديدًا.

لكن هل تكفي المعرفة وحدها لتجعل الإنسان أكثر تواضعًا؟ أم أنها قد تمنحه، أحيانًا، سببًا جديدًا للغرور؟

ولعل المفارقة تبدأ من هنا؛ فالمعرفة التي تحرر الإنسان من أوهامه قد تمنحه، في الوقت نفسه، وهمًا جديدًا: أنه لم يعد في حاجة إلى أن يتعلم من أحد. فالمعرفة الحقيقية لا تُقاس بما تضيفه إلى الإنسان فحسب، بل بما تنتزعه منه من يقينٍ زائف.

فالغرور لا يأتي دائمًا من قلة ما نعرف، بل من نسياننا كم بقي مما لا نعرف. لذلك تفتح المعرفة أبواب الفهم، أما التواضع فيبقى اختيارًا إنسانيًا.

وأقدّر الكاتب الذي لا يتعامل مع النص بوصفه إعلانًا عمّا يعرف، بل مساحةً يكتشف فيها ما لم يكن يعرف أنه يريد قوله. فالكتابة لا تنضج في لحظة الإلهام وحدها، بل في الصبر عليها، والعودة إليها، ومساءلتها حتى يصبح النص أوسع من صاحبه. والكاتب الحقيقي لا يقدّم لقارئه أجوبةً جاهزة، بل يوقظ فيه رغبةً أصدق في السؤال؛ لأن السؤال الذي يتركه النص قد يعيش أطول من الإجابة التي يمنحها.

ولعل أجمل ما يميز هذا النموذج من الكتّاب أنه لا يسمح للأفكار أن تحجب الإنسان. فهو يرى المختلف قبل أن يحكم عليه، ويبحث عن الحكاية قبل أن يصدر قراره، ويمنح المهمَّش حق أن يكون مرئيًا لا مجرد موضوع للحديث. فالقيمة الحقيقية للفكر ليست في قدرته على تفسير العالم فحسب، بل في قدرته على أن يغيّر طريقتنا في رؤية الإنسان.

ومع الوقت أدركت أن أثر هؤلاء لا يبدأ عند قراءة كتبهم، بل عند إغلاقها. ففي تلك اللحظة يبدأ الكتاب عمله الحقيقي؛ إذ لا يترك في الداخل معلومات جديدة فحسب، بل يعيد ترتيب نظرتنا إلى العالم، ويجعلنا ننتبه إلى ما كنا نمر به كل يوم دون أن نراه.

وحين تُثمر المعرفة تواضعًا، نعرف أنها تجاوزت حدود العقل إلى ما هو أعمق. فالمعرفة لا تُقاس بما نردده من أفكار، بل بما تغيّره في طريقة حضورنا بين الناس. وفي النهاية لا يبقى من الكتب ما حفظناه منها، بل ما أعادت تشكيله فينا؛ فنحن نظن أننا كنا نقرأ الصفحات، بينما كانت الصفحات، بصمتٍ، تعيد كتابة الإنسان في داخلنا
بواسطة : نجلاء البحيري
 0  0  1.0K