حين يوقظنا التراث من صورته
هناك كتب نغلقها وقد ازددنا معرفة، وهناك كتب نغلقها وقد فقدنا شيئًا من يقيننا القديم. فالمعرفة تضيف إلى ما نعرف، أما القراءة العميقة فتغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى ما نعرف.
هكذا بدا لي كتاب «تجديد ذكرى أبي العلاء» لطه حسين.
لم أشعر أنني أقرأ كتابًا عن شاعر عاش قبل قرون، بقدر ما شعرت أنني أمام محاولة لاستعادة إنسان اختفى خلف صورته. فبعض الأسماء تكبر حتى تصبح هي ما نراه، بينما يتوارى الإنسان الذي عاش، وأخطأ، وتردد، وسأل. وربما تكون القراءة الحقيقية محاولة لإزاحة الاسم قليلًا، حتى نرى الإنسان من جديد.
وهذا ما فعله طه حسين مع أبي العلاء؛ فلم يذهب إليه بوصفه اسمًا محفوظًا في كتب الأدب، بل بوصفه إنسانًا له تجربة تشكلت عبر الزمن. لم يكن أبو العلاء في هذه القراءة مجرد شاعر ضرير اختُزل في العزلة والزهد، بل عقلًا لا يكف عن مساءلة العالم، وإنسانًا حمل قلقه وأسئلته إلى الشعر والفكر.
لم تكن عزلته انقطاعًا عن الحياة بقدر ما كانت طريقًا آخر للنظر إليها؛ فبعض الناس يقتربون من العالم بكثرة الحركة، وبعضهم يقتربون منه بكثرة التأمل. ولم يحوّل أبو العلاء عزلته إلى صمت، بل جعل منها مساحة للسؤال، ولم يجعل محدودية الجسد نهاية للرؤية، بل بداية لرحلة أخرى داخل النفس والوجود.
ولم أفهم عنوان الكتاب حقًا إلا بعد أن انتهيت من قراءته. فـ**«تجديد ذكرى أبي العلاء»** لا يعني، في ظني، أن أبا العلاء كان غائبًا عن الذاكرة العربية حتى نعيده إليها؛ فقد ظل حاضرًا في كتب الأدب والتاريخ. لكن الذي احتاج إلى التجديد كان الطريقة التي نتذكره بها. فحضور الاسم لا يعني دائمًا حضور الإنسان الذي توارى خلفه، وقد تتحول الشهرة أحيانًا إلى حجاب يخفي أكثر مما يكشف. وهكذا بدا الكتاب أقرب إلى محاولة لتجديد النظر، لا لتجديد الذكرى.
لكن القيمة الأعمق في كتاب طه حسين لا تكمن في أنه قدّم لنا أبا العلاء بصورة جديدة فحسب، بل في أنه غيّر السؤال نفسه.
ولذلك لم يكن يسأل فقط: ماذا قال أبو العلاء؟ بل كان يبحث عن سؤال أعمق: كيف أصبح هذا الإنسان هو هذا الإنسان؟ وكيف تكوّن ذلك العقل الذي أنتج هذه الرؤية وهذا الشعر؟ لم تكن وقائع السيرة عنده غاية في ذاتها، بل مفاتيح لفهم العالم الداخلي الذي خرجت منه الأفكار. وهكذا تتحول السيرة من سجل للأحداث إلى محاولة لفهم تكوّن الإنسان.
ومن هنا يتجاوز الكتاب حدود أبي العلاء. فلم تكن قضية طه حسين مع التراث في ذاته، بل مع القراءة التي تحوله إلى صورة مغلقة، وتجعل منه إجابة نهائية أكثر من كونه سؤالًا مفتوحًا على الفهم. فليس التراث هو الذي يصنع الأصنام، بل قد تصنعها القراءة حين تكرر القراءة نفسها، حتى تنسينا أن وراء النص إنسانًا وتجربةً وعقلًا.
فالتراث لا يموت حين نهمله فقط، بل قد يموت أيضًا حين نحيطه بسياج من الإجلال يمنعنا من الاقتراب منه. والنصوص العظيمة لا تخاف من الأسئلة؛ لأنها وُلدت أصلًا من أسئلة الإنسان الكبرى. وما يبقيها حية ليس كثرة الاحتفاء بها، بل قدرتها على أن تفتح في كل عصر بابًا جديدًا للحوار.
والقارئ الكبير لا يكتفي بشرح النصوص، بل يغيّر الطريقة التي ندخل بها إليها. ولهذا فإن قراءة طه حسين لأبي العلاء لا تعلّمنا كيف نقرأ أبا العلاء وحده، بل كيف نعيد النظر في كل ما نظن أننا عرفناه من قبل.
فكم من شخصية عظيمة اختزلناها في لقب، وكم من فكرة واسعة حاصرناها في عبارة محفوظة، ثم ظننا أننا عرفناها. وربما تكون أخطر الصور الجاهزة ليست تلك التي تخدعنا، بل تلك التي تمنعنا من رؤية ما وراءها.
بعد هذه القراءة لم يعد السؤال: ماذا قال أبو العلاء؟ بل: كيف نقرأ أبا العلاء؟ وربما لا يخص هذا السؤال أبا العلاء وحده، بل كل اسم كبير ورثناه.
فالتراث لا يطلب منا أن نحرسه، وإنما أن نبقي الحوار معه حيًا؛ لأن النصوص لا تعيش بطول عمرها، ولا بكثرة طبعاتها، بل بطول الأسئلة التي تظل قادرة على إنجابها في كل زمن.