المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأحد 12 يوليو 2026
وسميه محمد العبيدان
وسميه محمد العبيدان

قدحت اللونة ... لغة الصيف الأولى

ليست الفصول في بيئة النخيل تُقرأ في صفحات التقويم، بل تُعرف من العلامات التي تكتبها الأرض على مهل. وحين يتبادل أهل النخل عبارتهم المألوفة: "قدحت اللونة"، يدركون أن الصيف لم يعد موعدًا ينتظر، بل صار حاضرًا في قلب العذوق، وأن التمرة بدأت رحلتها الأخيرة نحو اكتمال الحلاوة.
ليست "قدحت اللونة" مجرد تبدّل في اللون، بل لحظة تنتصف فيها التمرة بين خضرة البدايات ونضج الغايات. وتختبئ بين السعف، كأن النخلة تستر حلاوتها عن العيون حتى يحين أوانها. فلا تستعجلها الرياح، ولا يغريها قرب القطاف، لأن للطبيعة حكمةً لا تعرف العجلة، وللنضج موعدًا لا يقدمه إلا الصبر.
وفي هذا المشهد الذي يتكرر كل صيف، تقدم النخلة درسًا يتجاوز الزراعة إلى الحياة. فما ينضج على مهل يرسخ أثره، وما تصنعه الأيام بصبر يبقى أصدق مما تصنعه العجلة. والتمرة لا تبلغ تمامها دفعة واحدة، بل تمضي في رحلة هادئة، يكتمل فيها المعنى قبل أن يكتمل اللون، كما تنضج التجارب في الإنسان عامًا بعد عام.
ولم يكن ارتباط عبارة "قدحت اللونة" بدخول الصيف وليد المصادفة؛ فالصيف في وجدان أهل النخيل ليس فصل القيظ وحده، بل موسم الوفاء. حين تفي الأرض بوعدها لمن صبر على مواسمها، وتعلن النخلة أن شهور السقيا والعناية قد أثمرت خيرًا. عندها تصبح كل تمرة شاهدًا على أن الرزق لا يولد فجأة، بل تصنعه المواسم، وتغذيه الجذور، ويحرسه الصبر.
ولهذا بقيت هذه العبارة حيّة في الذاكرة الشعبية؛ لأنها لم تصف لونًا بقدر ما وصفت تحولًا. فاللون هنا لغة، تقرأها العيون، ويفهمها القلب، وتدرك منها الأرض أن موسمًا جديدًا قد أزهر في ثمرها.
ولعل أجمل ما تعلّمه النخلة للإنسان أن النضج لا يُقاس بتبدّل اللون، بل بما يختزنه القلب من صبر. فما بين خضرة البدايات وحلاوة الثمار رحلةٌ كاملة، تختصرها عبارة يرددها أهل النخل كل صيف: قدحت اللونة.
 0  0  1.4K